الانتفاضات العربية واقتصاد الألم

تتعدد الفرضيات التي تحاول تفسير السلوك الفردي والاجتماعي، ولكن تبقى للنظرة المادية، بأكثر معانيها مباشرة، قدرة تفسيرية كبيرة. يحاول البشر، وفق هذه النظرة، تجنب الألم بأعراضه المختلفة، مثل الجوع والمرض والكبت وتحصيل اللذة، التي قد تحمل معنى سلبياً، أي مجرد انتفاء الألم، حسب الفهم الأبيقوري، أو معنى أكثر إيجابية عندما نستبدل مفردة «اللذة» بمفردة «الرغبة»، أي القدرة على إطلاق القدرات البشرية لبناء تركيبات وعوالم جديدة، والسيطرة على وسائل إعادة إنتاج الحياة، بما فيها إنتاج السلع المادية والثقافات والأفكار واللغة والعلاقات الاجتماعية والجنسية. وهو الفهم الذي يجد مصدره في فلسفة سبينوزا، ويصل أوجه مع كتابات جيل دولوز والمدرسة العمالوية الإيطالية Operaismo.
الألم، رغم كونه شعوراً جسدياً أساساً، يحمل أبعاداً ثقافية وسياسية واقتصادية، فآليات العقاب والرقابة، المباشرة وغير المباشرة، تلعب دوراً سياسياً وتربوياً كبيراً، يؤمن ترسيخ قيم وأيديولوجيات معينة في الجسد الإنساني، بل تشكيل الذات نفسها. العمل المُستَغل بدوره هو شكل من أشكال اقتصاد توزيع الألم. فإنهاك الجسد وتطويعه وكبته لأداء عمل معين، هو من أهم أشكال السيطرة، التي تؤمن استمرار العلاقات الاجتماعية والسياسية القائمة، وإنتاج رأسمال مادي ورمزي لمصلحة الطبقات السائدة. من جهة أخرى يناقش عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو رد الفعل اللاواعي للجسد، عند خضوعه للقوة الرمزية في مختلف المواقف الاجتماعية، التي تفرض عليه نوعاً من العنف والإيلام الثقافي.
لا يتجنّب البشر بشكل ميكانيكي كل ما هو مؤلم بالطبع، فهنالك أشكال من الألم مرتبطة بأنماط عليا من المتعة، مثل سعي بعض النساء للحمل والولادة، بالإضافة للممارسات الدينية والجنسية التي تحوي نوعاً من تعذيب الذات، وهذه تُصنف بوصفها تركيبات فاعلة للرغبة، وليست خضوعاً سلبياً للألم. اقتصاد الألم العربي، بأبعاده الإنتاجية والاجتماعية والرمزية، وهي مادية جميعاً في النهاية، يبدو شديد القسوة والانغلاق. ترخي الدول والمليشيات والدين والبنى الاجتماعية الأبوية، ثقلها الساحق على أجساد البشر، بدون أن تترك لهم القدرة على إطلاق رغباتهم في أي مجال، لا العمل ولا الثقافة ولا الجنسانية. ما يجعل الانفجارات الاجتماعية أمراً مألوفاً في العالم العربي. فهل يمكن للانتفاضات العربية تغيير شيء في اقتصاد الألم القائم؟ ولأي درجة يمكنها إتاحة المجال لبناءات جديدة تؤسسها الرغبة؟

هنالك تصوران شائعان عن الرغبة: الأول أن الحضارة قائمة على قمع الغرائز. والثاني يؤكد، بتعارض نسبي مع التصور الأول، أن المدن الكبيرة هي الفضاء الأمثل للتهتك الغرائزي والانحلال الأخلاقي.

المدينة ـ الحضارة

هنالك تصوران شائعان عن الرغبة: الأول أن الحضارة قائمة على قمع الغرائز. والثاني يؤكد، بتعارض نسبي مع التصور الأول، أن المدن الكبيرة هي الفضاء الأمثل للتهتك الغرائزي والانحلال الأخلاقي. وعلى وجاهة هذين التصورين يمكن توجيه نقد أساسي لهما.
ربما يمكن القول، إن الرغبات غير ممكنة إلا في «حال المدنيّة»، فحال الطبيعة، قبل الحضاري، تحكمه الضرورة القاسية والنزاع الدائم. وإذا كان «الحق الطبيعي» لكائن مثل الحوت يساوي حجم الحوت وقوته، حسب المثال الشهير الذي استخدمه سبينوزا، فإن هذا لا يعني أن الحوت قادر دوماً على إرضاء غرائزه، وحفظ وجوده، فحتى هذا الكائن الضخم لديه أعداء طبيعيون، قادرون على جعل حياته مليئة بالمعاناة والشقاء. تدفعنا الحضارة للتنازل عن جانب من غرائزنا وحقوقنا الطبيعية، مقابل منح الحد الأدنى من القدرة على إرضاء الرغبات بشكل أكثر فعالية وتعقلاً.
أما المدن الكبيرة فقد ارتبطت غالباً بمفهوم «مدينة الإنسان» الذي صاغه القديس أوغسطين، في إطار لاهوته السياسي، للدلالة على الانحدار والسقوط الحتمي لأنماط الحكم والاجتماع التي لا تطيع الإرادة الإلهية وتنغمس في الخطيئة. رغم هذا فالمدن كانت دوماً موطناً لتنفيذ أكثر تقتنيات السلطة قسوة في قمع الرغبة وتطويعها. نشهد مثلاً اليوم ميلاً في المدن الكوزموبوليتية لفرض أشكال من الرقابة والتحكم، وإلزام الناس بالزهد والتنازل، بدعاوى صحية أو بيئية أو ثقافية أو اقتصادية، لدرجة ظهور مصطلح «الدولة المربية» Nanny state في الإعلام الغربي، لوصف هذه السياسات. والدولة المربية هي شكل من أشكال «مدينة الله» التي حلم بها أوغسطين.
بهذا المعنى ليست الحضارة والمدينّة مرتبطتين بمفاهيم ثابـــتة عن إطـــلاق الرغـــبات أو كبحها، يتوقف الأمر على قدرة البشر على التحرر والسيطرة على شروطهم الحياتية والاجتماعية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الإطار الأمثل لتحقق الرغبة يبقى مدنياً بامتياز.
في حالة العالم العربي لا يمتلك الناس أي قدرة للمشاركة في صياغة مدنهم وثقافاتهم، دائماً هنالك ضرورات قاهرة، تفرضها الديكتاتورية السياسية، أو التدهور الاقتصادي، أو القيم الاجتماعية والدينية، المدونة سلفاً في الهوية الثقافية. يترافق هذا مع عجز الدول غالباً عن تأدية أبسط وظائفها: شيء من الصحة والتعليم والأمن. يعاني البشر من كل سلبيات السلطة والضبط الاجتماعي بدون أن ينالوا ميزاتهما. ويبدو أفقهم مسدوداً بشدة. ولذلك كان إحراق محمد بوعزيزي لجسده، عملاً احتجاجياً بالغ الدلالة، شكّل شرارة انطلاق انتفاضات كبرى، لم تتوقف لعقد من الزمن. يمكن اعتبار هذه الانتفاضات محاولة شجاعة لمواجهة تلك الظروف الخانقة، فقد تصدى آلاف المحتجين بأجسادهم لأكثر آليات السلطة إثارة للألم. ولكنّ هذه المحاولة قد لا تحقق الكثير إن لم تترافق بجهد واعٍ، لإيجاد وسائل تمكّن البشر من السيطرة على شروطهم الحياتية: استعادة الحق بمدنهم ومنتجاتهم وتقرير مصيرهم الذاتي.

دائرة مفرغة

متابعة تطورات الانتفاضات العربية لا تدفع دوماً للتفاؤل. عانى الحراك الاجتماعي دوماً من مشكلتين أساسيتين: الأولى هي ضعف الحيز المديني، ما جعل البنى الأهلية، كثيراً من الأحيان، الهيكل الاجتماعي الأكثر فعالية لمقاومة سلطة الدولة، يظهر هذا واضحاً في حالة سوريا وليبيا واليمن. قد تخوض العُصب والمجموعات التقليدية حروباً شرسة مع السلطة، ولكنها تبقى جزءاً عضوياً من الأزمة وليست حلاً لها. فما تؤدي إليه هذه الحروب هو إعادة إنتاج للسيطرة الأبوية، أكثر شراسة وأقل فعالية في الآن ذاته، فهي من جهة تفرض أشكالاً شديدة الإيلام من الرقابة والقمع، ومن جهة أخرى لا تستطيع ملء الفراغ، الذي خلّفه انهيار سلطة الدولة. ما يجعل المجتمعات تنحدر لحال قريب من «حال الطبيعة»، بكل توحشه وصراعاته الهمجية، مع كبت شديد للرغبة يُنسب عادة للحضارة، يمكن اعتبار هذا تحللاً لاقتصاد الألم العربي نحو الأسوأ.
المشكلة الثانية هي عدم القدرة، حتى في حال وجود حيز مديني أكثر تطوراً، على ابتكار أساليب تنظيمية تؤمن امتلاك المحتجين لسلطة مضادة، تمكّنهم من السيطرة النسبية على شؤونهم الحياتية وانتزاع مساحات من سيطرة السلطة القائمة. يبدو هذا العجز في انتفاضات الجزائر ولبنان، وكذلك تونس إلى حد ما. وهنا يبدو أنه لا يوجد بديل عن اقتصاد الألم القائم.

الحراك الاجتماعي في الدول العربية لا يبدو مرشحاً للخمود، الموجة الثانية من الربيع العربي كانت أكثر تطوراً بشكل نسبي من موجته الأولى، وربما نشهد قريباً موجة ثالثة.

بكل الأحول فإن الرغبة التي فعّلت هذه الانتفاضات مهددة بإنتاج نقيضها. فبدلاً من إنشاء فضاءات جديدة للتحرر، قد تجد المجتمعات نفسها في حالة أسوأ مما كانت عليه، ما يشجع الثورات المضادة والمحاولات العبثية لترميم الهيمنة القديمة. في حين يترك الفشل في تحقيق الرغبة ثوار الماضي يغرقون في حالات عميقة من اليأس والاكتئاب. هذه الدائرة المفرغة باتت مألوفة بشكل خاص في البلدان التي كانت سبّاقة في محاولات التغيير، ومصر مثال مهم على ذلك.

مبدأ الاستمرارية

رغم كل هذا فإن الحراك الاجتماعي في الدول العربية لا يبدو مرشحاً للخمود، الموجة الثانية من الربيع العربي كانت أكثر تطوراً بشكل نسبي من موجته الأولى، وربما نشهد قريباً موجة ثالثة. فمادامت العوامل التي تخنق أبسط رغبات البشر موجودة وفاعلة، سيستمر الناس بالتحرك ضدها، خاصة في مجتمعات فتية مثل المجتمعات العربية.
يمكن تفسير هذا بمبدأ الاستمرارية Conatus لسبينوزا: كل ما هو موجود في الطبيعة يبذل جهداً لإثبات وجوده وحفظه، وهذا ينطبق على البشر بالطبع، فهم كائنات راغبة، وقادرة على وعي رغبتها، ولذلك لا يمكن أن يبقى البشر جامدين في ظروف لا توفر لهم إلا الألم والموت.
إلا أن هذا السعي الوجودي – الطبيعي للاستمرار، قد يتخذ أشكالاً كارثية إذا حركته انفعالات سلبية، مثل الخوف والحزن والحقد. وقد يكون منطلقاً لتأسيس أطر أكثر تحرراً وعقلانية إن بُني على الانفعالات الايجابية مثل، الفرح والشجاعة والمحبة. هنا تكمن أهمية العمل الثقافي والتنظيمي، ودور النخب، التي ظلمتها الرطانة الشعبوية العربية طويلاً، رغم أنه لم تتوفر أصلاً شروط مناسبة لتطور نخب فعلية في العالم العربي. ليس السعي لمساعدة البشر على التخلص من العوائق، التي قيّدت طويلاً فهمهم وممارستهم لرغباتهم، ترفاً في الوضع العربي. وكذلك فإن وعي البعد الاجتماعي والطبقي للانتفاضات لا يتعارض مع أهمية قضايا الحريات الفردية. ولهذا فربما كان التركيز على مشاعر الفرح بالتحديد، في العمل والحيز العام والحياة الشخصية، أفضل فعل ثقافي لمواجهة تجهّم الدولة والبنى الاجتماعية العربية التقليدية.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية