إذا تسنى لك يوماً دخول معمل علمي، أو رؤية فيلم تسجيلي يتحدث عن التجارب التي تجرى على الفئران، وظهر في الفيلم، أو رأيت على أرض الواقع كيف يتم إعطاء الفئران عقاقير قد تتسبب في موتهم الفوري، أو تؤثر على حالتهم الفيزيائية، فيصابون بالشلل، أو يحدث لهم خلل فيزيائي، أو قد تؤثر العقاقير على حالتهم النفسية، فيصابون بالانطواء أو الهيستيريا. هل يمكنك وصف ردة فعلك حينئذٍ إزاء مخلوقات لا حول لها ولا قوة، على الرغم من يقينك التام أن تلك التجارب لخدمة البشرية؟ وماذا لو علمت أن تلك التجارب نفسها تتم بالقسوة نفسها على البشر؟ والمفاجأة الكبرى، إنك ذاتك صرت جزءا من سلسلة التجارب الكبرى هذه.
فلم يكتف العلماء بدراسة الظواهر والمشاهدات الخاصة بتجاربهم المعملية والسريرية، بل صاروا يطمحون إلى التجريب على الملايين، أو حتى المليارات دفعة واحدة لدراسة سلوكهم وردات أفعالهم. وبهذه الطريقة يصير من السهل توجيه الشعوب لما تقتضيه المصلحة السياسية لدولة ما. ومن أنجح التجارب في ذلك المجال تلك التي تتحكم في المسار النفسي للبشر. فعلى الرغم من تعقيد العقل البشري، وصعوبة كشف اللثام عما تنطوي عليه تلافيفه، إلا أنه بات من السهل التسلل إليه بعد معرفة كيفية دخول مسار عتبة الدماغ المطلقة Absolute Threshold Level (ATL) الذي موضعه الإدراك الواعي للإنسان Conscious Awareness. وكانت أسهل الطرق للعلماء لبث تلك التجارب على أوسع نطاق، هي غزو عالم الترويج والإعلام، فعلى الرغم من حداثة هاتين الوسيلتين، إلا أنهما استطاعتا حفر مكانة طاغية في حياة البشر، لدرجة أنه صار من المستحيل الاستغناء عنهما. ومن خلالهما، تتم السيطرة على العقول بالتحكم في نزعاتها، من خلال ما يسمى بالرسائل الضمنية، التي أيضاً تسمى بالرسائل المشفرة، أوالرسائل المموهة Subliminal Messages ، وجميع تلك الرسائل مصممة لتجتاز عتبة الدماغ المطلقة، للاستقرار في العقل الباطن، ليطيع وينفذ ما يملى عليه من أوامر.
ومن الجدير بالذكر أن الرسائل الضمنية هي الشكل المتطور لما تم استحداثه من وسائل للسيطرة على الدماغ، خلال حقبة الخمسينيات، وتم استخدامها لاحقاً في مشروع أم كيه أولترا الاستخباراتي. وفي تلك الحقبة، كان المستهدف من التجربة أفرادا بعينهم. ومن ثم، كان لابد من الوصول لعتبة الدماغ المطلقة بأقصر الطرق، ومنها كان يسهل بث الرسائل لدماغ الأفراد قيد التجربة. وفي ذلك الوقت، كانت تستخدم الرسائل المسجلة Looped Messages .
وكان الأفراد قيد التجربة يتلقون الأوامر أثناء النوم، أو في وقت الفراغ على شكل تعليمات، أو حكايات، أو أوامر محددة مسجلة على شريط يتم تشغيله وإعادته مرات عدة أثناء النوم. وتلك العملية تتحكم في المسار النفسي للفرد، فيبدأ ينفذ ما أملي عليه من أوامر، وكأنما يفعل ذلك بمحض إرادته. وتلك الطريقة للسيطرة على الدماغ هي الشكل المتطور للتنويم المغناطيسي، الذي كان مستخدما بشدة حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي. ولما كان يتم إجراء التجربة على نطاق أفراد، عندما أثبتت الرسائل المسجلة فاعليتها الكبرى، تم استحداث الرسائل الضمنية للسيطرة على جماعات.
الرسائل الضمنية تعمل على جميع حواس المرء الخمس، لتوجهه بفاعلية تفوق قوة التنويم المغناطيسي. وبدون شك، استخدامها في مجال الدعاية والإعلان هو الاستخدام الأقل ضرراً.
ويجب ملاحظة أن كلا من الرسائل المسجلة والرسائل الضمنية تستهدف العقل الباطن للإنسان Subconscious؛ لأنه هو المحرك الرئيسي للبشر. وبالنظر للقدرة الذهنية للبشر، نجد أنها تتألف من ثنائي متفاعل، لا يمكن أن ينفصم أحدهما عن الآخر، ألا وهما: الوعي Conscious واللاوعي Subconscious. ولكل منهما أهمية كبرى ليعمل الذهن البشري بكامل قدرته العقلية. وحال حدوث خلل في أحدهما، تنهار القدرة العقلية. فالوعي عادة ما يعمل فوق مسار عتبة الدماغ المطلقة (ATL)، فهو الذي يمنح الإنسان السيطرة التنفيذية على الذهن. فمن خلال الوعي، يتسنى للبشر التفكير، والشعور، وتكوين الأحكام على الأشياء، وهو واع تماماً لكل أفعاله. أما اللاوعي ـ وهو المصطلح الذي أطلقه رائد الطب النفسي الممنهج العالم الألماني سيجموند فرويد ـ فهو تلك القدرة الخفية التي تقبع تحت عتبة الدماغ المطلقة؛ لتعمل دون مستوى الوعي. ومن ثم تصير كمخبأ سري لجميع الرغبات، والدوافع، والأفعال، وتوجهنا لنفعل أشياء دون أن نعي لماذا نفعلها. فعلى سبيل المثال، قد تجد نفسك حانقاً عند رؤية أحدهم بدون سبب، أو قد تأخذ في الصراخ والعويل على أمور هي أصلا لا تستحق هذا الكم من الانفعال، لدرجة أنك قد تستغرب ردة فعلك هذه المبالغ فيها. لكن مع التفكر، تجد أن ذلك رد فعل لكبت صار خانقاُ لك، ولا تعلم كيف تعبر عنه. ويلاحظ أن اللاوعي ذو أهمية كبرى للإنسان، حيث أن كم المعلومات التي يعالجها ويخزنها اللاوعي تفوق تلك المخزونة بالوعي بنحو 18 ألف مرة. ويمكننا أن نطلق على اللاوعي الصندوق الأسود للعقل البشري.
وقد استفاد العلماء من دراستهم للاوعي، وعلموا كيف يوجهون رسائل مباشرة له توجه البشر لينفذوا أوامر عينها. ويجب ذكر أن نظريات التسويق الحديثة منشأها نظريات لعلماء الطب النفسي، لبث رسائل ضمنية. فكانت البداية عام 1956 عندما قام العالم جيمس فيكاري ببث رسالة ضمنية في أحد الأفلام قيلت سريعاً، لكن كان لها مفعول السحر حتى وقتنا الحالي. فقيل على لسان أحد أبطال الفيلم: «جعان كل فشار، عطشان إشرب كوكا كولا». وبالفعل، بعد هذا الفيلم زادت نسبة مبيعات كوكا كولا نحو الثلث، ولا يزال المنتجون يسوقون منتجاتهم على هذا النحو لفاعليته. وبالتأكيد، لا نغفل مدى هوس العالم كله بمنتجات شركة أبل للإلكترونيات Apple، وكلما فكرنا في منتجاتها نشعر بذكاء شديد ينتاب المرء، لما تبثه من رسائل ضمنية بسبب حلولها الذكية، وذاك هو السبب وراء هوس البشر بجوال الآي فون. وبالتأكيد، لا يمكن إغفال هوس جميع سكان الأرض بالشوكولاتة بسبب الإعلانات التي تصور شلال من الشيكولاتة اللذيذة وتزيد الإحساس بأهمية شرائها بسبب وصفها بنعوت ساحرة بصوت مغر جذاب، يختتم بفتاة رائعة الجمال تلعق الشوكولاتة في إغواء.
فالرسائل الضمنية تعمل على جميع حواس المرء الخمس، لتوجهه بفاعلية تفوق قوة التنويم المغناطيسي. وبدون شك، استخدامها في مجال الدعاية والإعلان هو الاستخدام الأقل ضرراً. ونعترض جميعاً في كل يوم لرسائل ضمنية، تبدل من سلوكنا وأفعالنا، لكن للأسف، أغلب هذا التوجيه غالباً لا ينصب إلى ما فيه خير وصلاح البشرية، لما يحويه من سموم لزعزعة المجتمعات، أو لتحويل البشر لآلات روبوت خالية من التفكير والفضول، وتفعل ما تؤمر به.
٭ كاتبة من مصر