عندما يحكم نزلاء “السرايا الصفراء”!

حجم الخط
6

لا يكفي أن تقرأ العنوان بدون الغوص في المتن، لتكوين رأي حول مشروع القانون الذي يستعد النظام العسكري في مصر لإقراره، ويقضي بإدراج فضائيات بعينها ضمن الكيانات الإرهابية، فالنصوص كاشفة، على أنها «سلطة السرايا الصفراء» وهو الاسم الشعبي لمستشفى المجانين، فهل كان طلاؤه قديما باللون الأصفر ولهذا أطلق عليه المصريون هذا الاسم، أم أن هذا اللون له دلالة على حصول العقل على «إجازة بدون مرتب»؟!
تهوى السلطة في مصر أن تحيط بها ترسانة من القوانين التي تمكنها من البطش بأي كائن حي، على نحو يجعل من مبدأ «إقامة دولة القانون» يحتاج إلى مراجعة، لأنه بالقوانين التي يقرها عبد الفتاح السيسي في مصر، نسف هذا المبدأ نسفاً، فلو طلب أحد الآن بتطبيق القانون، لكان الطلب في حد ذاته يمثل جريمة، لأن النظام جاء بقوانين الغابة، التي هي عنوان الاستبداد والديكتاتورية وتسلط الحكم، ليجعل منها قوانين طبيعية! ولا تحتاج السلطة في مصر إلى هذا كله، كما لا تحتاج إلى قوانين تمكنها من البطش، لأنها تبطش بدون الحاجة إلى قوانين، فيقبع زميلنا محمود حسين، الصحافي في قناة الجزيرة في السجن منذ عامين ونصف العام، بدون تهمة وبدون محاكمة، وإذ تم رفع سقف الحبس الاحتياطي في حالته إلى سنتين، وإذ تقرر قضائيا الافراج عنه لذلك، فإن النظام أعاده إلى السجن باتهام جديد وبجريمة قالوا إنه ارتكبها في السجن، وهى الترويج لأفكار جماعة إرهابية، وهو الاتهام الرائج في مصر الآن، فاتهمت به «خلية الأمل» رغم أن المتهمين من اليسار المعادين لـ «الجماعة الإرهابية»، وقد وجه الاتهام إلى كمال خليل الناشط اليساري المعروف، فسأل من هي الجماعة الإرهابية المقصودة، فلم يردوا عليه، والسؤال نفسه طرحه على المحقق الناشط اليساري زياد العليمي، فحبسه المحقق خمسة عشر يوماً على ذمة الاتهام، على وعد بأنه في المرة المقبلة سيكون جاهزاً باسم الجماعة الإرهابية التي يتعاون «زياد» ومجموعته في نشر أفكارها، وعند التجديد لم يجد المحقق نفسه مطالباً بأن يفي بما وعد، وتم تجديد حبسه احتياطيا لأكثر من مرة! فما حاجة نظام يرتكب هذا الحرام القانوني، ليشرعن لاستبداده بتعديلات على قانون الإرهاب تُضحك الثكالى، ولا تبرر أمام المجتمع الدولي أي إجراء يتم بمقتضى هذه التعديلات في حال إقرارها، فهل يقبل العالم بأن توضع قناة الجزيرة مثلا ضمن الكيانات الإرهابية، وهل يصبح هناك احترام للقانون المصري إذ حدث هذا؟!

إلا الجزيرة

عندما علمت بأمر المشروع بعد الإعلان عنه، قلت إنه لا يمكن أن يقدم على وضع قناة الجزيرة ضمن الكيانات الإرهابية، وعندما اطلعت على النصوص، أيقنت أن كل شيء جائز من قبل نزلاء «السرايا الصفراء»، الذين أقدموا على هذه التعديلات، والتي تكفي لدخولهم التاريخ بظهورهم!
إنني أتفهم تماماً «الحمى» التي أصابت أهل الحكم وجعلتهم يقدمون على هذه الخطوة، لاعتقادي في البداية أن المستهدف بها قد تكون قنوات بعينها مثل «مكملين» و»الشرق»، فمن الواضح أنها أزعجت النظام الحاكم، وأرقته، وهو الذي كلما فكر في اغلاق قنواته، وتسريح العاملين فيها، ووقف برامج «التوك شو»، وجد نفسه بحاجة إليهم، بسبب ما يسببه له «إعلام تركيا» من صداع، ولهذا احتشدت الأبواق الإعلامية لتنال من هذه المحطات ومن رموزها، ولو بالخروج على قيم المهنة، وعلى القانون، الذي يحظر تماماً الخوض في الأعراض ويضع عقوبات مشددة على من يقحم نفسه في حياة الناس الخاصة!
بيد أن القوم وهم يشعرون بقوة هذه القنوات، مع ضعف امكانياتها، فانهم لا يراعون ذمة في الحملة عليها، وبدا واضحاً أن هناك توجيها من السلطة التي تدير الأبواق الإعلامية في مصر للقيام بهذه المهمة!
وهذه القنوات يعمل فيها عدد محدود من الموظفين، وبالتالي فإن وضعها في قوائم الإرهاب لا يمثل إجراءً كبيراً، وإن مثل خدمة عظيمة لهم، بالتأكيد على حقهم في طلب اللجوء، والحصول على جنسيات بلاد الفرنجة، إن لم يحصلوا على الجنسية التركية ووجد البعض رغبة في الهجرة إلى عالم أوسع وهو الأمر المغري للشباب فيهم، الذين يحق لهم بعد هذا أن يوجهوا التحية لعبد الفتاح السيسي لحسن تعاونه معهم!
في لحظة طيش، فكرت بعض الأجهزة الأمنية في عقاب المصريين المعارضين بإسقاط الجنسية، ورفعت دعاوى قضائية من محام بعينه، قال في مقابلة التلفزيونية إنه صديق السيسي وابن منطقته وأنه تربى معه، لكن هذه الدعاوى جرى رفضها، لأنه بإسقاط الجنسية ستفقد السلطات المصرية الحق في طلب القبض عليهم وترحيلهم إلى مصر، ثم كان التحفظ على اتخاذ إجراءات في البلاغات المقدمة ضدهم، لعدم تسهيل مهمتهم في الحصول على اللجوء، الذي تنقصه دائما الإجراءات الممسوكة بالمستندات لتقدم مع الطلبات، لكنه فعل هذا في ما يختص برفض تجديد جوازات السفر لكثيرين، فمثل خدمة لهم على المستوى الوظيفي، وهو كاشف عن أن من كان خارج «السرايا الصفراء» من أهل الحكم، قد دخلها!

نهاية مرحلة الرأي الآخر

فلا مشكلة في وضع هذه القنوات ضمن «الكيانات الإرهابية»، فلن يستفيد من هذا فقط من يعملون فيها، ولكن أيضاً مشاهديها، وقد بدأت هذه القنوات تسمم أبدانهم باستضافة من يدافعون عن نظام السيسي، لأن هناك غبشا في الرؤية دفع للاعتقاد أنهم لا بد وأن يكونوا الجزيرة حيث الرأي والرأي الآخر، وبهذا القانون سيسعدون بتوقف اطلالة محمود إبراهيم واخوانه، وسيفرض الرأي الواحد على الجزيرة فرضاً، لأن أي ظهور لأحد على شاشتها سيدرجه تلقائيا ضمن الكيانات الإرهابية، لتصادر المكافآت التي ترسل إليهم، وتمثل دليل ادانة للتعامل مع الكيانات الإرهابية، إن لم ينتبه الرقيب لظهورهم على الشاشة!
وهو من بين الأسباب التي جعلتني أقول إن القانون لن يشمل قناة الجزيرة، عندما توقف اطلاعي على العنوان فقط، وهناك أسباب أخرى على كل حال!
فليس كل من في الجزيرة يعارضون النظام، بل إن من بينهم مؤيدين له، ومن بينهم من يقضي اجازاته في مصر، وإن تردد كثيرون منهم في الصيف الماضي، لاعتقال أحد الصحافيين ممن لم يكن له في العير ولا في النفير، ولم يكن يملك حتى صفحة على «الفيسبوك»، ولم يضبط متلبساً بإعلان رأي سياسي، كما أن أحدهم منع من العودة إلى عمله بعد سحب جواز سفره، ووضع قناة الجزيرة على قائمة الكيانات الإرهابية من شأنه أن يدفع هؤلاء وغيرهم ممن لم يكن لهم موقف معلن من الانقلاب، للاستقالة!
في حكومات سابقة، كانت النظرة إلى العاملين في المؤسسات الكبرى في الخارج على أنهم قوى مصر الناعمة، وفي ذروة خلاف نظام مبارك مع الجزيرة، لم يتم إدخال المصريين العاملين في الجزيرة طرفاً ولو بوضعهم في قائمة التربص الأمني في مطار القاهرة، أو أمام أي جهة، مرة واحدة قال وزير الإعلام صفوت الشريف إنه قد يلجأ لإسقاط الجنسية عن مدير الأخبار بالقناة «صلاح نجم»، وتصديت له حينذاك، فالجنسية ليست تذكرة مترو ليسحبها، ويبدو أنه كان اعلان منه لامتصاص حملة إعلامية تتساءل لماذا لم يتم اتخاذ موقف ضد مكتب الجزيرة في القاهرة.
أدرك أن هذه أمة قد خلت، وأن السيسي لن يزعجه لو عاد كل المصريين العاملين في قطر، فهو يتقاضى أجرا مقابل هذا العداء، وسترتفع الفاتورة في حالة العودة وللأضرار الناجمة عن العودة لكن الدعم الإماراتي لن يصل إلى مستحقيه!
بيد أن هناك إشكاليات أخرى وهي أنه سيضطر لوضع كل العاملين في الجزيرة من الجنسيات الأخرى على قائمة الإرهاب وليس المصريين فقط، على الأقل سيمنعون من دخول مصر إن لم يتم القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة، فهل يقدر على هذا؟!
وهناك أمر مقدر لدى الأجهزة الأمنية، يتمثل في النهم في الحصول على المعلومات ولو كانت تافهة، ولو من نوعية أن فلاناً أكل ثلاث وجبات في اليوم، وفي مطار القاهرة كثيرا ما يفخر ضابط أمن الدولة بأن جدول الحضور الأسبوعي للعاملين يصله أولاً بأول وأنه يعرف دبة النمل داخل الجزيرة، وهو أمر على تفاهته يمثل شيئا مهما لدى دولة الضباط ويرضي غرورهم، وكثيراً ما كانت ممثلة الأجهزة لميس الحديدي تعلن عبر برنامجها أن لديها علما في كل تحركات ضيوف الجزيرة في فندق الشيراتون، وظلت تردد هذا الكلام حتى بعد تركهم للشيراتون بستة شهور، وهي لا تتحدث عن قدراتها الخارقة بهذا، ولكنها تنقل قدرة من تمثلهم على متابعة كل شيء!
ولهذا قلت إن الجزيرة ستكون خارج إطار هذا التصنيف لكن عندما طالعت النصوص أدركت أن كل شيء وارد في ظل إدارة نزلاء «السرايا الصفراء» للدولة المصرية، فمواد التعديلات القانونية تعيد تعريف الأموال التي تصادر، فتدرج من ضمنها النفط، فهل تملك «مكملين» أو «الشرق» نفطاً، كما أنها تنص على إسقاط العضوية في النقابات المهنية بجانب عضوية الأندية، بالنسبة للعاملين في هذه الكيانات الفضائية، وهو ما يؤكد أن المستهدف به هو كثير من المصريين العاملين في قناة الجزيرة. فشكرا لحسن تعاونكم معهم.
قديماً قالوا: «المجانين في نعيم»!

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية