بغداد ـ «القدس العربي»: سلّم متظاهرو محافظة ذي قار العراقية رسالة تتضمن «أهداف الثورة السلمية» وتعرض لإجراءات القمّع التي تعرضوا لها على يد السلطات، إلى ممثلة الأمم المتحدة في العراق، جنين بلاسخارت وسط اتخاذ إجراءات احترازية خشية من أنباء تفيد باستهداف ساحة الحبوبي في مدينة الناصرية، من قبل مسلحين مجهولين.
وقال علاء الركابي، أبرز الناشطين المدنيين على مستوى العراق ومحافظة ذي قار على وجّه التحديد، في منشور على صفحته في «فيسبوك»، أمس الجمعة. «تمكنا بعد أن تلقينا دعوة من بعثة الأمم المتحدة من تحديد موعد مع السيدة جنين بلاسخارت ممثلة الأمم المتحدة في العراق، وتم يوم الخميس اللقاء معها، وتم تسليمها رسالة تتضمن أهداف ثورتنا السلمية وكل العنف والجرائم التي تعرضنا لها وأعداد الشهداء والجرحى والمعاقين وكل التحديات ومطالبنا للمرحلة الحالية».
وأضاف مستعرضاً نصّ الرسالة التي سلمها ممثلو متظاهري ذي قار إلى الممثلة الأممية: «أننا في محافظة ذي قار وبعد مرور 4 أشهر على حراكنا السلمي وبعد سقوط أكثر من 120 شهيدا من شبابنا وأكثر من 1200 جريح، جئنا هنا لننقل من خلالكم رسالتنا إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى المجتمع الدولي بأن هذا الحراك الذي انطلق في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 والذي اشترك فيه كل أطياف الشعب العراقي هو حراك ومطالبات سلمية وفقا للقانون والدستور العراقي والمعايير الدولية ولكن جوبهنا بعنف مفرط من قبل الأجهزة الأمنية».
وأكمل: «سقط العديد من الشهداء برصاص القناصة اعتبارا من يوم 10/1 وتم استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع من مسافات قريبة ضد المتظاهرين مما أدى إلى إصابات مباشرة في الفم والعين والجمجمة تسببت في وفاة البعض، وسقوط أعداد كبيرة من الجرحى»، لافتاً إلى أن «لم يتم التحقيق في حالات القتل برصاص القناصة ولم يتم إلقاء القبض على أي من المرتكبين، ولم يتم اتهام جهة معينة، علما أنها حصلت في عدة محافظات في نفس الوقت».
وتابع: «انتشرت تقارير أن قنابل الغاز المسيل للدموع كانت أثقل من العبوات العادية بثلاث مرات، وأن مسافة إطلاقها تصل إلى (400 م) بدل (150م) وهذا يثير التساؤلات والشكوك، هل كانت هذه القنابل للاستخدام المدني لتفريق المتظاهرين أم للاستخدام العسكري، وقد صرح وزير الدفاع العراقي أن هذه الأنواع من قنابل الغاز المسيل للدموع لم يتم استيرادها من قبل أي جهة حكومية، فمن أين أتت؟ وكيف وصلت إلى أيدي القوات الأمنية؟! علما أننا في مفارزنا الطبية الميدانية تعاملنا مع حالات اختناق شديدة تشبه في أعراضها السريرية حالات الاختناق في غازات الأعصاب».
المرحلة الثانية
ومضى قائلاً: «في يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر انطلقت المرحلة الثانية من المظاهرات السلمية، ومنذ الساعات الأولى قامت القوات الحكومية باستخدام القوة المفرطة المميتة والاستعمال المكثف لقنابل الغاز المسيل للدموع بأنواع مختلفة والرصاص الحي والرصاص المطاطي وبنادق الصيد»، مشيراً إلى أن «في يوم الخميس 28 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي حصل هجوم مسلح عنيف استخدمت فيه الأسلحة الخفيفة والمتوسطة بقيادة المجرم جميل الشمري وكان حصيلتها أكثر من 70 شهيداً و400 جريح».
ووفق الركابي، فإن حصيلة ضحايا الحراك الاحتجاجي في العراق منذ انطلاقة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بلغ أكثر من 600 قتيل، وأكثر من 20 ألف جريح و4 آلاف معاق، مبيناً أن الخسائر البشرية بهذا الحجم تحصل فقط في حالة «الحروب بين جيوش بلدين، وحالة الكوارث الطبيعية بحجم كبير»، معتبراً أن ما حصل من قمّع يعدّ «جريمة بحق الإنسانية».
أنباء عن اقتحام ساحة الحبوبي تدفع معتصمي الناصرية لتعزيز تحصيناتهم وسط استنفار أمني
واستدرك: «خرجنا جميعا بمظاهرة سلمية ولم نحمل سلاحا ولم يتم الاعتداء على أي مؤسسة عامة او ممتلكات خاصة. الشباب اليائس من الحياة والمستقبل خرج ليطلب الحياة والمستقبل في بلد هو من أغنى البلدان وشعبه من أفقر الشعوب وأقل الخدمات».
وأضاف: «أننا كناشطين نود أن نبين أن كل حراكنا سلمي وإن حصلت فيه بعض السلوكيات غير المقبولة، فإنها كانت مرفوضة من قبل غالبية المتظاهرين، لقد جئنا اليوم ونحن نمثل جزءا من شرائح عديدة اشتركت في الحراك السلمي راجين نقل مطالبنا المشروعة الى السيد الأمين العام»، مطالباً بـ«إحالة المسؤولين الحكوميين عن أعمال العنف والقمع والقتل الى المحاكم الدولية لانتهاكهم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان»، إضافة إلى «الضغط على الحكومة العراقية للإسراع في تنفيذ مطالب المتظاهرين المشروعة والالتزام بالمدد الدستورية»، فضلاً عن «تدخل المنظمة الدولية لايجاد حل لتخفيف التوتر وترسيخ السلم الأهلي والاستقرار في عموم العراق».
ميدانياً، وبالتزامن مع زيارة وفد متظاهري الناصرية إلى بغداد، رفع المحتجون في ساحة الحبوبي لافتات طالبت بتدخل الأمم المتحدة لتحقيق مطالب المتظاهرين وحمايتهم.
حكم انتقالي
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة للافتة المُعلقة بشكلٍ طولي من أعلى مبنى مشرف على الساحة مكوّن من أكثر من طابقين، متضمنة رسالة بـ«ست لغات» هي (الانكليزية، والفرنسية والصينية والإيطالية والروسية والإسبانية)، تطلب تدخل الأمم المتحدة لحماية المتظاهرين وحل الأزمة الحالية، وتشكيل حكم انتقالي في العراق للعبور من الأزمة الحالية، والتخلص من الأحزاب الفاسدة، وإنهاء ظاهرة القتل والخطف والتهديد. في الأثناء، تناقل متظاهرو وناشطو ذي قار عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنباء تفيد بعزم مجاميع مسلحة شنّ هجومٍ على ساحة الحبوبي مركز الحراك الاحتجاجي في ذي قار.
ووفق تلك الأنباء، فإن المعلومات تفيد بتوجه مجموعتين تحملان السلاح، الأولى من قضاء الشطرة شمالي المحافظة، والثانية من ناحية العكيكة جنوبي المحافظة إلى ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية من أجل الهجوم عليها.
على إثر ذلك اتخذ المعتصمون «إجراءات احترازية» لتأمين الساحة، من بينها وضع الحواجز الكونكريتية عند مداخل شارع النيل باتجاه ساحة الاعتصام، من دون غلق جسر الحضارات أمام حركة المرور.
المعلومات التي وصلت إلى المحتجين، دفعت قيادة شرطة ذي قار إلى نشر قوات إضافية في محيط ساحة الحبوبي «تحسباً لمواجهة أي حالة طارئة»، تعيد إلى الأذهان الهجوم المسلح الذي تعرض له المحتجون في الساحة ليل 27 كانون الثاني/ يناير الماضي والذي أدى إلى مقتل وإصابة أكثر من 10 متظاهرين.
وذكرت قيادة شرطة المحافظة في بيان صحافي، «بناء على توجيهات قائد شرطة محافظة ذي قار والمنشآت العميد المهندس الحقوقي ناصر لطيف الأسدي وعلى خلفية تداعيات التهديد من جهات مجهولة والتي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي حول محاولة تلك الجهات اقتحام ساحة الحبوبي التي يتخذها المتظاهرون للمطالبة بالحقوق المشروعة، اتخذت شرطة ذي قار عدداً من الإجراءات الأمنية تضمنت انتشار دوريات أفواج الطوارئ على مداخل مدينة الناصرية ومداخل مربع المدينة القديم ومتابعة الحالات المشتبه بها والتأكد من منها وتأمين التقاطعات الرئيسية والجسور». وحسب بيانها استخدمت شرطة المحافظة «كافة الوسائل الأمنية بما فيها القوة القتالية والاستخبارية ومكافحة المتفجرات وإدارة وتدريب الكلاب البوليسية لتفحص الساحات والمناطق المفتوحة وإجراء مسح وتفحص كامل ودقيق».
وأكد البيان «أمسكت مديرية شرطة النجدة والدوريات مدعومة بمفارز قتالية، محيط ساحة الحبوبي والفروع المؤدية إليها وإجراء التفتيش الدقيق للأشخاص والدراجات النارية وعدم السماح بتقرب السيارات من الحبوبي».
وبين مدير عمليات الشرطة أن «قوات الشرطة مستمرة بواجباتها دون ملل متخذة تدابير الحيطة والحذر وعلى استعداد تام لمواجهة الحالات الطارئة إن وجدت».
كذلك، قال مدير إعلام الشرطة العميد عبد الهادي خليفة إن «هناك تعاونا ملحوظا بين القوات الأمنية والمتظاهرين شاكرين تعاونهم معنا وامتثالهم للإجراءات الأمنية التي تنفذها القيادة للحفاظ على أمن المحافظة وسلامة أبنائها الطيبين».
في الموازاة، استذكر المعتصمون في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، أمس الجمعة، مرور الشهر الرابع على حراكهم الاحتجاجي الذي انطلق في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وفيما تستمر أحزاب السلطة بـ«تسويف» مطالب الحراك الاحتجاجي الذي امتد إلى جميع محافظات الوسط والجنوب.
ووجّه المتظاهرون في ساحة التحرير، أمس، رسالة إلى «الضمير العالمي والإنساني والرأي العام الدولي»، شكوا خلالها من «أساليب جديدة» تعّمد السلطات إلى استخدامها، ضمن سلسلة إجراءات القمّع والقتل والخطف والتعذيب التي تعرضوا لها منذ بدء حراكهم الاحتجاجي.
وجاء في نصّ رسالة «شباب انتفاضة تشرين»، «نحن شباب العراق كسرنا بصمود أساليب القمع المتمثلة في القنص والرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وحرق الخيم وخطف الناشطات والنشطاء واعتقالهم وتعذيبهم وانتزاع الاعترافات بالقوة والتخويف ابتكرت حكومتنا العراقية (التي تقول أنها تتعامل معنا بابوية) أسلوب القنص بواسطة بنادق الصيد في صورة بشعة وجرح العشرات جراء ذلك».
وأضافوا في رسالتهم: «بعد أن استمعنا الى إدانة ممثليكم الحكوميين والبعثة الأممية ها نحن نتوجه لكم أيها المدافعون عن حقوق الإنسان لنصرة قضيتنا العادلة والإنسانية، فنحن نريد عيشا كريما، وحكومتنا تستجيب لنا بالقتل وأساليب العنف»، مشيرين إلى أن «الفعاليات الدولية المساندة لحقوق الإنسان توجه صفعة قوية لمن ينتهك حقوقنا في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي والحياة الحرة الكريمة، لذا، نناشدكم أن تستعجلوا في استخدام كل إمكانيات الضغط على الحكومة العراقية للكف عن القتل وترويع المحتجين».