■ السحر هو ممارسة خبيثة يستعين فيها المشعوذ بقوى خارقة للطبيعة، تتجسد في شكل مخلوقات لها القدرة على أن تفعل ما لا يستطيع أن يفعله البشر. وقديماً، عرف السحر بأنه طقس ديني ظهر في قارة افريقيا منذ عشرة آلاف عام، وكان من أهم الديانات الافريقية في العالم القديم. لكنه اندحر مع تشتيت القبائل، ثم انتقل إلى غرب افريقيا، حيث تمركز في دولة بنين. ومع بدء تجارة العبيد، خاصة إلى الأمريكتين، انتقلت تلك الديانة وتمركزت في أمريكا الجنوبية، ولا تزال حتى الآن رائجة، في هاييتي والبرازيل. وتبعاً لممارسة المشعوذ ونيته، يكون نوع السحر. فهناك سحر أبيض يتم استغلاله في أعمال الخير، وآخر أسود يتم استغلاله في أفعال شريرة. ولا يزال المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجي حائرين في وصف تلك الطقوس؛ فالبعض يصنفونها كعلم، وآخرون يجزمون أنها ديانة فقط.
وعلى الرغم من أننا ننظر في عالمنا الحديث لتلك المسألة بعين الارتياب والاستغراب، لكن في ما يبدو أن ممارسة السحر انتقلت من الممارسات الطقسية البدائية للممارسات العلمية النفسية الحديثة، التي تستهدف السيطرة على الدماغ. وبدون شك، السحر الأسود في العصر الحديث يتمثل في ما يعرف باسم «الرسائل الضمنية» التي صارت من أهم علوم العصر الحديث، وكأن العقائد تتراجع القهقرى، ولكن بعد تغليفها برداء حديث. والمشكلة في ذلك تكمن في أن مشعوذ البلاط صار الطبيب النفسي الموهوب، الذي له قدرات فائقة تمكنه من السيطرة على المليارات من الآدميين، في مناطق مختلفة على وجه الأرض؛ أي أن قدراته السحرية تفوقت على أي مشعوذ في العصر القديم. وكأي مشعوذ، يستهدف علماء الطب النفسي، قوة خفية تكمن في العقول البشرية، التي لم يتم اكتشاف إلا نحو 5% من دهاليزها، لتعقيدها الشديد، على عكس القوى الخارقة، التي بات من السهل تعريفها. فالقدرات الذهنية في العقل البشري مقسمة لقسمين: العقل الواعي Conscious، والعقل الباطن Subconscious ولمخاطبة أي منهما يجب معرفة موضع اجتياز عتبة الدماغ المطلقة Absolute Threshold Level. ولمخاطبة أي منهما، تم تخصيص نوعين من الرسائل. فالرسائل المخصصة للعقل الواعي تسمى برسائل فوق العتبة Supraliminal Messages، لوقوع العقل الواعي فوق عتبة الدماغ المطلقة. ويستقبل الدماغ تلك الرسائل من خلال إثارة محفزات فوقية Supraliminal Stimuli تثير ردود أفعال عصبية، تستهدف تغيير السلوك بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، تواجد الإنسان في بيئة همجية تجعله بمرور الوقت يحاكي تصرفاتهم، والعكس بالعكس صحيح.
ولن يضيع أطباء العلم النفسي تلك الفرصة بدون إجراء تجربة على جماعات وليس على أفراد، لإثبات قوة النظرية العلمية. فأقيمت تجربة في سوبرماركت إنكليزي لتسويق نوعين من الخمور، أحدهما فرنسي والآخر ألماني، يتمتعان بالسعر والجودة نفسيهما. وللتأثير على جمهور المتسوقين، قام السوبرماركت بتشغيل موسيقى فرنسية يوماً، واليوم التالي موسيقى ألمانية، وصار الحال على هذا المنوال في وضع تبادلي. وبفحص النتائج، تبين أن نسبة مبيعات الخمور الفرنسية الصنع تزيد بمعدلات مذهلة عندما يتم تشغيل موسيقى فرنسية. وكذلك، هو الحال للمبيعات الألمانية من الخمر عند تشغيل موسيقى ألمانية. والسبب تهيئة العقل الواعي لما يبث إليه من رسائل. وفي الطريقة نفسها، لربما اتباع الطريقة نفسها لترويج السلع حالياً في المتاجر. فمنذ لحظة دخول السوبر ماركت، هناك ملصقات إعلانية ترويجية في كل مكان لهذا المنتج. وكذلك يتواجد المنتج نفسه في أماكن متفرقة في السوق، مع انتشار مندوبي مبيعات له يلبسون ملابس تحمل شعار الشركة في كل السوق. والتأثير الأكبر يكون باختيارهم فتيات في مقتبل العشرينيات، يتمتعن بنسبة عالية من الجمال، ويبدين سلوكا ودودا للجميع، سواء ممن يعرضون عليهم المنتج، أو ممن يرغبون في شراء منتج آخر، لطبع صورة ذهنية للمنتج وخصائصه لأطول وقت في وعي جمهور المتسوقين.
نجد الرسائل الضمنية التي تخاطب العقل الباطن المسؤول عن نحو 95% من العمليات الذهنية بعقل الإنسان. تلك الرسائل تخاطب الجزء الأسفل لعتبة الدماغ المطلقة مباشرة.
وتلك الرسائل فوقية؛ لأنها ملحوظة للعقل الواعي، والجميع يعلم الغرض منها. فمثلاً في حالة السوبر ماركت، يعلم جمهور المتسوقين أن تلك حيل ترويجية، لكن على الرغم من ذلك تؤثر فيهم، حتى قد تسمع البعض يردد أنه اشترى منتجا، على الرغم من أنه على دراية بأنه ذو جودة متوسطة، بدون أن يدري، معللاً بأن العرض كان مغريا، ومن ثم، من الأحرى أن نطلق على الرسائل الفوقية نوع حديث من «السحر الأبيض».
وعلى النقيض، نجد الرسائل الضمنية التي تخاطب العقل الباطن المسؤول عن نحو 95% من العمليات الذهنية بعقل الإنسان. تلك الرسائل تخاطب الجزء الأسفل لعتبة الدماغ المطلقة مباشرة. فردود الأفعال العصبية التي تثيرها تلك الرسائل، لا يمكن أبداً ملاحظتها لأنها تسلل للصندوق الأسود مباشرة في عقل الإنسان، الذي يسمى بالعقل الباطن. وغالباً، ما يتم استخدام الرسائل الضمنية لخدمة أغراض مشبوهة تنصب في مصلحة فرد أو جهة ما. ولدراية علماء الطب النفسي أن إثارة المحفزات الضمنية يكون من خلال محفزات حسية، اكتشف حديثاً وجود 37 من المدخلات الحسية، التي تندرج تحت سبع فئات، وهي: الرؤية، والسمع، والشم، واللمس، والتذوق، والدهليزية (من الجهاز الدهليزي في الأذن وهو ذاك الخاص بالتوازن والحركة)، وفتح الحس (والمقصود منه الوعي بالجسد). ويتربع على عرش المحفزات الحسية الرؤية والسمع، علماً، بأن العقل الواعي في حالة الرسائل الضمنية لا يتنبه لما يبث له من محفزات حسية سمعية وبصرية، الغرض منها تحفيز الشبكة الدلالية للمفاهيم في عقل الإنسان.
وكالسحر الأسود تماماً، استخدم العلماء الرسائل الضمنية في إثبات نظريات بدت لأول وهلة عادية، لكنها توسعت في تأثيرها الخبيث، فقد قام مثلاً العالم رونالد ميليمان عام 1982 بإجراء تجربة في سوبر ماركت لإثبات الصلة بين وتيرة الموسيقى والعملية الشرائية. فقام بتشغيل موسيقى سريعة الوتيرة يوماً، فتبين أن حركة المشترين باتت سريعة، بالنظر للخطى وردود الأفعال. أضف لذلك، ازدادت المعدلات الشرائية بنسبة 38.2%. وكان العكس تماماً عند تشغيل موسيقى بطيئة الوتيرة، ولأن للرسائل الضمنية تأثير السحر الأسود نفسه أو التنويوم المغناطيسي، استخدمها الزعماء السياسيون لتحقيق أهدافهم. ففي الحملة الرئاسية لجورج بوش الابن، عند نقده لخصمه آل غور ولخطته للتأمين الصحي، ظهرت على الشاشة في واحد على ثلاثين جزءا من الثانية كلمة «فئران» بأحرف بيضاء، وفي نهاية مقطع الفيديو ظهرت أيضاً بالسرعة كلمة «بيروقراطيين»، ما جعل جموع الشعب التي شاهدت مقطع الفيديو يطلقون هاتين النعتين على آل غور وحملته، في اتفاق لا يعلمون مصدره، وبالتأكيد، حسمت النتيجة لصالح جورج بوش الابن.
وعندما نتفكر قليلاً، نجد أن الماضي يعود دوماً، وهو مصدر الإلهام، فهو الساحر الخالد الذي يصيغ البشر وفقاً لقوالب واحدة يتغيير تغليفــــها على مرّ الأجيال. والسؤال الملــــح هنا، من يمارس السحر، خاصة الأسود منه؟ هل هم البشر أم حـــركة التاريخ؟
٭ كاتبة من مصر