توفيق الحكيم كاتبٌ إنساني بالدرجة الرفيعة، ومن رواد الرواية والمسرح والقصص القصيرة، حيث تميّزت كتابته برؤية فلسفية نقدية فذة، تلجُ إلى ما يُكرّسُه الدينُ والمجتمع في النفس البشرية من تهيؤات ومشاهد وتوقعات، وتحرّكُ دوافع الخير والشر فيها، وتؤلب عليها مآخذ الضمير، وتحرث ما تبقّى من مآثر الحكمة والتحفيز الذاتي للتساؤلات.
في مجموعته القصصية «أرني الله»، يطرحُ الحكيم أسئلة فلسفية صوفية، قد تطرقُ باب التصوّف، أو تنفذ إلى مجاهل العقل، مستندةً إلى الشواهد والأدلّة واللغة السلسة الترغيبية للقارئ. لنتناول مثلاً ما جاء في قصته الأولى «أرني الله»، وفيها قصة رجلٍ ذهب باحثاً عن الله بين الخلق، بعد أن طلب منه طفله الصغير وألحَّ في الطلب، فانطلق سائلاً الناس، حتى أرشده شيخٌ إلى ناسكٍ يعيش في طرف المدينة، ليجيب له طلبه، فحذّره الأخير بعد وصوله إليه من صعوبة تحقيقه، ناصحاً إيّاه بمحبته حتى يبلغ رؤياه عندما يتكشّف لروحه، فيسأله الرجل أن يدعو له الله بأن يهب له مقدار درهم من محبته، فتعجّب الناسك واستهجن، وأجابه بأن يتواضع فهو يطلب الكثير، حتى توسّل إليه أن يطلب له مثقال ذرة فقط من هذه المحبة، بعدها خرج الرجل ولم يعد، وعندما هبَّ أهله للبحث عنه، وطرقوا باب الناسك ذهب معهم للبحث عنه، وسألوا عنه حتى وجدوه بين الجبال قائماً على صخرة شاخصاً ببصره إلى السماء، ولم يسمعهم عندما تكلّموا إليه، وعلّل الناسك السبب بأنّ نصف ذرة من نور الله تكفي لتحطيم تركيب الآدمي وإتلاف جهاز العقل.
في قصة «الشهيد»، تحليلٌ فلسفي ديني، يصنّف الخير والشرّ في دائرة التوازن المتلازم للحياة، المترابط بتركيبٍ أعجوبي من الحكمة والسببية، فيطرح قصة الشيطان إبليس عندما جثم على قدميه نادماً عازماً على التوبة، ليقصد «البابا» في الفاتيكان ثم الحاخام اليهودي، وأخيراً شيخ الأزهر، مستغفراً متوسّلاً أن يضمّه أحدهم إلى رعاياه التقيّين، ولكنه يطرد من مجلسهم لخوفهم من أن تنهار أركان دينهم إذا اختفى إبليس، الذي يلعب دور البطولة في الكتب المقدّسة عن مسرح الحياة، فيزهد الناس عندئذٍ في الدين، ويندثر الهدف الأساسي للتقوى بين الرعايا، ويُصلب الشرّ، فيزدحم الخير متفشيّاً بين الناس، حتى تغلق المحاكم أبوابها، ويفقد رجال الدين عملهم. بعد يأسه، يلجأ إبليس أخيراً إلى السماء، طارقاً أبوابها بصيحة وجعٍ أليمة، تنفذ إلى أعماقها، ليظهر له الملاك جبرائيل، فيعلن له توبته، ولكنّ الملاك يرفض أن يخلّ بالنظام الموضوع في السماء، فيأمره أن يعيش في الأرض كما عاش منذ الأزل، لأنّ زواله من الأرض يزلزل الأركان، ولم يكترث لدموعه وحزنه، فيعود إبليس إلى الأرض بتنهيدة حارقة شقّت صدر السماء وهو يولول صائحاً «إني شهيد».
توفيق الحكيم، كاتبٌ يطلّ على الاحتمالات الجوهرية للروح الفلسفية، متجليّاً بأفكار ديكارت بعناصرها الأساسية في البداهة والاستنباط، محتدماً بروح فكاهية ينضحُ بلّوره بأحاسيس جامحة لكاتبٍ خاض غمار الحداثة والتنوير.
في قصة «في سنة مليون»، تَقَص لأطماع النفس الإنسانية التي لا تقنع بأمرٍ مبرم، فقد تخيّل الكاتب كوكباً متطوّراً للأرض، حيث تبدّل العصر إلى وضعٍ يتعذّر على الخيال تصّوره، فتلاشت الحروب وانقطعت الأمراض، وتلاشت كلمة «موت»، فالبشر لا يموتون ولا يولدون، إذ انقرض الزواج وبات العلم يجهّز بكتيريا النسل الآدمي في معامله، حتى جاء يوم وعثر عالمٌ من علماء طبقات الأرض على جمجمة آدمية. كان الاكتشاف في زمنٍ كهذا بمثابة صدمة هزّت دار هيئة العلماء، إذ أصرّ العالم على أنّ وجود الجمجمة دليلٌ على الموت، بينما نفى العلماء الأمر برمّته، واتّهموه بالجنون، وأنّ الخيال شطّ به وأخرجه عن إدراك الحقيقة، مطالبين إيّاه بدليل قاطع. فينقذه الحظ بعد مرور مئات من السنين، ويضرب نيزك ضخمٌ وجه الأرض ويسحق رأس إنسان. يباشر العلماء فوراً في ترميم رأسه، ويخفونه خوفاً من انتشار حقيقة أنّ الموت قائمٌ لا ريب فيه. واعتقلوا العالم وحاكموه باستبدال رأسه ليحلّ محلّ تفكيره تفكيراً هادئاً بسيطاً، وبات هذا العالم بمثابة نبي، انتشرت دعوته واتّبعه المئات مبشّرين بما نصّت عليه رؤيته. وبعد ألف عام اشتعلت تلك العقيدة الدينية ووقعت ثورة جامحة، اقتحم فيه الثوار المعامل فتعذّر وصول الغازات المغذية، التي كانت الغذاء بدل الطعام الحقيقي للبشر في ذاك العصر، إلى الكثير من الناس، وظهرت أعراض المرض حتى ذاق الناس الموت، وعادت الأديان السماوية.
في قصة «اعترف القاتل» سخرية مريرة من بعض أحكام القضاة، الذين يحكمون على الجريمة بالبصر لا البصيرة، فيعاقب شابٌ مسكين بتهمة جائرة لم يدافع فيها عن نفسه لرغبته في الموت، لتسطر حيثيات الحكم بناءً على تركيبٍ هندسي بارع للجرم الزائف الذي لم يقترفه المتهم.
توفيق الحكيم، كاتبٌ يطلّ على الاحتمالات الجوهرية للروح الفلسفية، متجليّاً بأفكار ديكارت بعناصرها الأساسية في البداهة والاستنباط، محتدماً بروح فكاهية ينضحُ بلّوره بأحاسيس جامحة لكاتبٍ خاض غمار الحداثة والتنوير.
٭ كاتبة لبنانية