تونس: هل ما زالت الأحزاب السياسية تغري الشباب؟

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: تشهد الساحة السياسية التونسية ظاهرة لافتة برزت خصوصا في السنوات القليلة الماضية وهي متواصلة إلى اليوم، وتتمثل هذه الظاهرة في عزوف الشباب عن ممارسة النشاط السياسي والانخراط في الأحزاب السياسية بمختلف انتماءاتها وتوجهاتها. وتتعدد أسباب العزوف وتتنوع وتختلف من حالة إلى أخرى لكنها تلتقي حول ثلاثة أسباب رئيسية منها ما هو قديم ومنها مستجد وفرضته متغيرات الساحة السياسية التونسية.

وتمثل هذه الظاهرة معضلة بكل المقاييس تقتضي ايجاد الحلول العاجلة في هذه الديمقراطية الناشئة التي تحتاج إلى أحزاب سياسية قوية قادرة على التخطيط ووضع البرامج وتنفيذها حين تصل إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع. ولا يمكن لهذه الأحزاب التي يحتاجها البناء الديمقراطي، باعتبارها تعبيرا عن التنوع الفكري والإيديولوجي داخل المجتمع، أن تنجح من دون شباب يتكون ويتمرس صلبها على الممارسة السياسية ويأخذ المشعل القيادي في المستقبل، وإلا اندثرت هذه الأحزاب وعانت البلاد من فراغ قيادي.

ولا يقتصر العزوف على المشاركة في العمل السياسي داخل هذه الأحزاب فقط، بل يتجاوزها ليطال الامتناع عن التصويت في الانتخابات وهو ما برز خصوصا في السنتين الأخيرتين اللتين شهدت فيهما البلاد عديد الاستحقاقات (انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية وانتخابات المجلس الأعلى للقضاء). ويطال العزوف الشبابي خصوصا الانتخابات المحلية أو البلدية وأيضا التشريعية ولكن بدرجة أقل في الانتخابات الرئاسية باعتبار أن المخيال الشعبي التونسي ما زال يعتقد أن السلطات الأهم هي في يد رئيس الجمهورية رغم أن النظام تغير وأصبح بمقتضى دستور سنة 2014 شبه برلماني تؤول فيه أغلب الصلاحيات التنفيذية لرئيس الحكومة.

سيطرة الشيوخ

لقد دأبت الأحزاب السياسية التونسية على عدم تمكين فئة الشباب من احتلال مواقع قيادية في صلبها وتستعملهم فقط كحطب في المعارك السياسية التي تخوضها وكذلك في الحملات الانتخابية للدعاية للمترشحين وإلصاق صورهم في الأماكن المخصصة لذلك. أما الهرم القيادي فيقتصر على كبار السن والشيوخ الذين بلغوا من العمر عتيا ويتمسكون بمواقعهم إلى الممات ولا يستقيلون من مناصبهم حتى وإن فشلت أحزابهم في الوصول إلى الحكم وذلك خلافا لما يحصل في الغرب وفي الديمقراطيات العريقة التي تعتبر مراجع في هذا الإطار.

وقد جعل هذا الأمر نسبة إقبال الشباب على الانخراط في الأحزاب السياسية ضعيفة جدا باعتبار أن الشاب التونسي سواء أكان وطنيا أو قوميا أو إسلاميا أو يساريا يدرك سلفا أنه لن يجد نفسه فاعلا داخل الأحزاب الموجودة على الساحة وسيتم توظيفه لخدمة أجندات بعينها من دون أن تكون له سلطة القرار. وتضم أغلب الأحزاب التونسية منظمات شبابية وطلابية يقتصر تمثيلها في أعلى الهرم القيادي على رئيس هذه المنظمة دون سواه والذي يكون حضوره في اجتماعات المكتب السياسي صوريا وغير ذي جدوى.

وفي هذا الإطار يقول الناشط السياسي والحقوقي والمرشح للانتخابات التشريعية الأخيرة عن دوائر الخارج باديس الكوباكجي لـ “القدس العربي” إن من المفارقات أن تونس التي يتم الحديث فيها اليوم عن بناء ديمقراطي عماده الأحزاب السياسية لا تمارس فيها الديمقراطية داخل هذه الأحزاب. فرئيس الحزب التونسي، حسب الكوباكجي، والذي هو عادة المؤسس لهذا التجمع السياسي الذي يضم حملة الفكر والتوجه ذاته، يتمسك برئاسة الحزب إلى حد الممات ولا يؤمن بالتداول بمعية الفريق المحيط به والذين لا يتركون المجال لبروز قيادات شابة جديدة تمرست على القيادة، وهو ما يهدد بحصول الفراغ القيادي في تونس في المدى المتوسط والبعيد.

خيبة أمل

ويشعر كثير من التونسيين من فئة الشباب، وبعد مضي تسع سنوات على اندلاع الثورة، بخيبة أمل كبرى من ممارسات الأحزاب السياسية التي أوصلت البلاد إلى هذه الحالة الاقتصادية والاجتماعية المزرية وذلك بعد الحماس الذي انتاب هذه الشريحة خلال السنوات الأولى وجعلها تقبل على الانتماء إلى هذا الحزب وذاك. وبالتالي لم تعد هذه الأحزاب جاذبة للشباب بل منفرة إلى أبعد الحدود خاصة مع العراك اليومي فيما بينها تحت قبة البرلمان والذي تنقله شاشات التلفزيون مباشرة إلى عموم التونسيين.

وفي هذا الإطار يرى الكاتب والإعلامي هشام الحاجي في حديثه لـ”القدس العربي” أن هناك نفورا غير مسبوق من قبل التونسيين من الأحزاب السياسية التي تتحمل في المقام الأول المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع ولم تنجح في المرور بالبلاد إلى بر الأمان بعد 14 كانون ثاني/يناير 2011. ويتساءل محدثنا كيف يمكن لهذا الشباب أن يقبل على الانخراط في هذه الأحزاب في ظل هذا الوضع المزري من كافة النواحي؟ هل انتشلت هذه الأحزاب السياسية الشبان من الفقر طيلة عقد من الحكم الثوري؟ هل وفرت لهذه الشريحة العمرية مواطن الشغل ليحقق الكرامة التي طالب بها خلال الثورة وأسقط من أجلها نظام بن علي؟

ويضيف الكاتب والمحلل السياسي التونسي قائلا: “لقد انخرط كثير من الشبان التونسيين في الأحزاب السياسية مع بدايات سنة 2011 أملا في التغيير من خلال هذه الأحزاب واجتهدوا لإيصالها إلى الحكم، لكن وبمجرد وصولها تنكرت لهم ولمطالبهم. فلم يتم تحقيق هذه المطالب التي أسقط من أجلها بن علي من جهة، ولم ينل هؤلاء منافع ذاتية مثل التعيين في المناصب الهامة في الدولة ما جعل أغلبهم يبتعدون عن المشهد السياسي ويختفون من الساحة، وقد يتحولون مستقبلا إلى وقود لاضطرابات اجتماعية لا تبقي ولا تذر خاصة بعد تقرير البنك الدولي الأخير الذي صنف تونس من بين الدول الأفقر في العالم بعد أن كانت تحتل مراتب متقدمة في التنمية عربيا وافريقيا وحتى بالمقارنة مع بلدان من أوروبا الشرقية ومن أمريكا اللاتينية وآسيا.

اندثار الأحزاب

وشهدت تونس ظاهرة غريبة تمثلت في اندثار عديد الأحزاب السياسية وهو ما زاد من نفور الشباب من الأحزاب بعد أن مل التنقل من حزب إلى آخر في ساحة سياسية متغيرة وغير مستقرة على كافة المستويات. فبعد حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي حكم البلاد طيلة ستين سنة وذلك إثر الثورة، لم يبق في البلاد من حزب منظم سوى حركة النهضة فيما تاهت بقية الأحزاب في ساحة مليئة بالمتغيرات والتناقضات السياسية.

فقد اندثر بداية حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يرأسه الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي وانقسم إلى أحزاب متعددة بعد أن كان مكونا رئيسيا في الترويكا التي حكمت بعد الثورة، شأنه شأن حزب التكتل من أجل العمل والحريات الضلع الآخر للترويكا برئاسة مصطفى بن جعفر والذي حصل في الانتخابات الأخيرة على صفر من الأصوات من دون فواصل. ثم جاء الدور على حركة نداء تونس التي تشتتت بين حافظ قايد السبسي ومحسن مرزوق ويوسف الشاهد وهو ما جعل شباب النداء في حيرة من أمره خصوصا بعد رحيل المؤسس رئيس الجمهورية السابق الباجي قايد السبسي.

ففي عشرية واحدة أطلت على المشهد أحزاب سياسية كثيرة بشعارات براقة أبهرت وأغرت الشباب فانخرط فيها بنية البناء والتشييد وتحمس للشعارات المرفوعة وخاض المعارك السياسية من أجلها بحماس منقطع النظير. لكن تبين مع الوقت أن هذه الأحزاب أوهن من بيت العنكبوت وأنها مجرد مشاريع سرعان ما انهارت وهي في الحكم تاركة هذا الشباب التائه في حيرة من أمره وأمام حتمية مراجعة خياراته التي تذهب في أغلب الأحيان باتجاه مقاطعة الحياة السياسية برمتها نهائيا بعد أن ذهب وقته وجهده وماله سدى.

تقاليد راسخة

في المقابل يرى البعض أن نفور الشباب التونسي من الأحزاب والحياة السياسية عموما قديم وسابق للثورة التي حصلت مع نهاية سنة 2010 وبداية سنة 2011. فقد جعلت سنوات الديكتاتورية التونسيين يتحدثون في كل شيء إلا شؤون الحكم وسياسة البلاد والعباد. فليس من باب الصدفة أن يتم الاستنجاد بفؤاد المبزع والراحل الباجي قايد السبسي وغيرهما من كبار السن بعد رحيل بن علي عن تونس، باعتبار أن الشباب المتمرس بالشأن السياسي لا وجود له في تونس مما فرض الاستنجاد بمن عمل مع الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.

وقد انصرف الشباب التونسي في ذلك الوقت إلى الاهتمام بأشياء أخرى مثل الفن والرياضة على وجه الخصوص وذلك تعويضا للحرمان من الممارسة السياسية، وقد استمر هذا الأمر إلى ما بعد الثورة وإن بدرجة أقل، حيث انخرط البعض في الأحزاب السياسية رغبة في تغيير الأوضاع. كما انعكست هذه الثقافة أيضا على التونسيين في بلدان المهجر حيث يعتبر هؤلاء من أقل الجاليات العربية والإسلامية ممارسة للنشاط السياسي في البلدان الغربية وذلك رغم وجود عديد النخب الفاعلة من المهاجرين التونسيين القادرين على النجاح.

وفي هذا الإطار تقول الناشطة الحقوقية التونسية آمنة الشابي لـ”القدس العربي” إن الشباب التونسي عموما كان لديه اعتقاد راسخ في أن ممارسته للسياسة خارج إطار الحزب الحاكم السابق ستجعله محل ملاحقات أمنية وقضائية وربما تؤدي به إلى السجن. ورغم مناخ الحريات الذي برز بعد الثورة إلا أن الشباب التونسي، وحسب محدثتنا، لم ينخرط بقوة في الأحزاب السياسية باعتبار لم تترسخ لديه تقاليد في الممارسة السياسية، وحتى من انخرط من هؤلاء ندم في أغلبه في السنوات الأخيرة نتيجة لعجز هذه الأحزاب عن بناء نفسها من جهة وعن إنقاذ البلاد وتلبية المطالب الشبابية من جهة أخرى.

وتضيف الشابي قائلة: “انتظرنا أن تتغير الأمور بعد الثورة ويقبل الشباب على الممارسة السياسية داخل الأحزاب لكن للأسف لم يحصل ذلك وبقي هذا الشباب بعيدا في عمومه عن الأحزاب التي لم تقدم خطابا يستهوي هذه الشريحة العمرية. وسيزداد الحال سوءا ما في ذلك شك خلال السنوات المقبلة مع هذه الأزمة الحزبية التي تعيشها تونس والتي جعلت أحزابا كبرى تندثر رغم فوزها في الاستحقاقات الانتخابية”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية