في مكتبه في أحد أحياء بغداد، حيث جمعٌ من الموظفين المحيطين به، وزحام من الضيوف من بغداد ومن محافظات العراق الأخرى. قد لا يكون لديه ما يكفي من الوقت لإجراء حديث متواصل مطول معه للإجابة على الكثير من التساؤلات حول روايته “سنين الغضب” وخلفيات كتابتها وحقيقة شخوصها التي قال عنها إنها شخصيات حقيقية وإن أبطال روايته هم من معارفه وأصدقائه خلال رحلة عمره الطويلة.
كان سؤالنا الأول عن كثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقه، وكيفية التوفيق بين تلك المهام والتفرغ لكتابة النصوص الروائية، وأحيانا الشعر الذي قرأ لنا بعضا منه لكنه قال انه لا يفكر بنشره.

هو مؤسس أول صحوات العراق والأمين العام للجبهة الشعبية العراقية وعضو معهد السلام العراقي، الشيخ وسام الحردان الذي ينهمك هذه الأيام بإعادة تفعيل كيانه السياسي “التجمع الوطني لأهل العراق” الذي أسسه في عام 2014 لتمثيل “بغداد والمحافظات المنكوبة التي عانت الكثير من الإهمال والظلم والتدمير، وضرورة حث أبناء تلك المحافظات على النهوض بواقعهم على المستويات كافة” كما يقول الحردان في بداية حديثنا معه قبل الدخول في تفاصيل روايته الجديدة “سنين الغضب”.
الحردان، كما قال لنا معرفا عن نفسه وتوجهاته السياسية والفكرية، إنه “من الرعيل الأول للقوميين العرب، ومن عشاق القومية العربية منذ الطفولة حيث تأثرت بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية”.
“كنا في طفولتنا وخلال سنوات الدراسة في كافة مراحلها، نتظاهر ونهتف لأجل فلسطين والقدس، كنا نتبرع بما أمكن من خلال الحملات في المدارس، وكنا نتوق للقتال إلى جانب الفدائيين من أجل تحرير فلسطين” ويقول، “كانت وستظل فلسطين والقدس عزيزة ومقدسة”.
الشيخ وسام عبد إبراهيم الحردان، الذي ينتمي إلى أكبر قبائل محافظة الأنبار، قبيلة الدليم، هو من مواليد عام 1954 في قضاء الفلوجة التابع لمحافظة الأنبار، ودخل للدراسة في معهد المهن الصحية عام 1974 لكنه لم يكمل دراسته حيث فصل من المعهد لأسباب سياسية تتعلق بانتمائه لحركة القوميين العرب.
يعد الحردان مؤسس أول مجلس للصحوات في العراق، ولا يزال يشغل رسميا منصب “قائد صحوات العراق”.
صدرت له ثلاثة كتب، الأول يحمل عنوان “أسرار الصحوة وخفاياها الجزء الأول” ويتحدث فيه عن بدايات تشكيل مجالس الصحوات في العراق والأسباب التي دفعته إلى ذلك بالتنسيق مع عدد من عشائر محافظة الأنبار، بينما يكمل في كتابه “أسرار الصحوة وخفاياها الجزء الثاني” مسيرة الصحوات العشائرية ونجاحها في قتال تنظيم “القاعدة” في بلاد الرافدين بزعامة الأردني أبو مصعب الزرقاوي قبل تشكيل ما يعرف باسم “الدولة الإسلامية في العراق” بزعامة أبو عمر البغدادي والتي قاتلتها مجالس الصحوات ونجحت في طردها من المدن العراقية إلى معسكرات صحراوية عام 2007.
وبعد طباعة روايته الأولى التي حملت عنوان “سنين الغضب” لدى الحردان أربع روايات أخرى قيد الطبع هي “فرسان الزمن الصعب” وتتحدث عن رجال المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي، ورواية “تل الحرمان” و”المخبر والدولار” و”حمدان الأبله” وجميعها كما يقول الحردان في لقاء “القدس العربي” به، تتحدث عن فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي وصلة شخوصها بماضيهم قبل الاحتلال، وهي بالتالي أشبه بتوثيق مرحلة من أهم مراحل التاريخ العراقي المعاصر.
وعلى الرغم من أن وسام الحردان مدمن على قراءة الشعر العربي ونظمه، كما يقول، لكنه يفضل كتابة الرواية على قرض الشعر لأسباب تتعلق برؤيته بأن “الراوي يختلف عن الشاعر في جوانب عدة تتعلق بمساحة حرية التعبير وانفتاح الآفاق أمام الراوي للتصرف واستثمار ثراء لغتنا العربية بالمفردات”.
ويستطرد “بإمكان الشاعر ان ينظم مئة بيت مثلا أو حتى أكثر، في حين يستطيع الراوي ان يوظف عشرات آلاف الكلمات في رواية من مئات الصفحات ما يتيح أمامه الإبحار في خيالات أبعد والتعبير عن دواخله بمفردات يتقبلها القارئ بفهم سلس، ويستسيغها جمهور أوسع من جمهور الشعراء الذين في العادة هم من متذوقي الشعر وممن لهم اطلاع واسع على معاني المفردات ومرادفاتها”.
كما أن الرواية في الغالب، تختلف عن القصة، “فالرواية الهام علوّي وليست نتاج دراسة أو تعليم، وهي بالتالي تتفوق على القصة بإضافات تشويقية وسرد يجذب القارئ ويتوه به في خيالات تنقله عبر الزمان والمكان إلى عوالم أخرى غير محسوسة”.
وعن روايته “سنين الغضب” يقول إنها “خلطة متجانسة بين الرواية والتاريخ والسياسة والدراما الحديثة التي تسهل للقارئ أن يسرح بخياله معها فيستطيع الجيل الجديد أن ينسج من خياله أعمالًا أجمل وأكثر ايقاعاً لتوقظ ضمائر العالم أجمع عن معاناة أبناء شعب بائس عانوا من الظلم على مدى سنين طويلة من حياتهم”.
وهي في الحقيقة “تجسيد، بل توثيق، لأحداث واقعية عاشها أبطال الرواية منذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وهي الحرب التي شاركت فيها وعشت لحظاتها وساعاتها لسنين طويلة، وأبطال روايتي سنين الغضب، هم أشخاص حقيقيون، بعضهم ولاعتبارات خاصة استخدمت أسماء مستعارة، أما الآخرون فبأسمائهم الحقيقية، وهؤلاء ممن عايشتهم عن قرب خلال سنوات الحرب التي انتهت بينما بعضهم وقع في الأسر أو قُتلوا أو نجوا ليكونوا مقاومون للاحتلال الأمريكي بعد عام 2003”.
هؤلاء المقاومون الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية، “هم في الحقيقة متميزون عن حملة السلاح الآخرين من الجماعات الإرهابية، هذه الجماعات التي تقتل لأجل القتل، هي تقتل الجميع، وفي الرواية أتحدث عن أحد أبطالها من المقاومين، عن همّام الضابط في الجيش العراقي قبل الاحتلال، أحد قادة المقاومة منذ الساعات الأولى للاحتلال يتمكن من القبض على الأمير عمر، أحد قادة الجماعات الإرهابية ويرفض إعدامه على الرغم من توفر الأدلة على انه مندس ولا صلة له بالمقاومة انما هو قائد في أحد فصائل المتطوعين العرب نفذ عمليات غادرة ضد قادة المقاومة، ومنها اعدام النقيب أيسر بتهمة الخيانة”.
لكن الحقيقة، ووفق ما يروي في “سنين الغضب” وبعد القبض على الأمير عمر والتحقيق معه من قبل همّام على مدار يومين متتاليين، تبين انه “يقود مجموعة من المتطوعين مكونة من 25 متطوعا ويدعى كوركيس قدم إلى العراق من أوروبا عبر لبنان ثم سوريا، ويتحدث العربية بطلاقة وضليع بتقاليد العرب وتعاليم الإسلام ويملك أموالا طائلة مكنته من تولي قيادة المجموعة وفق معيار ان من يملك المال هو الأحق بان يكون صاحب القرار”.
وكان الهدف من اعدام النقيب أيسر، كما يرد على لسان الأمير عمر خلال التحقيق معه، “كي نزرع الخوف في صفوف المجاهدين حتى لا أحد يأمن لصاحبه ونخلق حالة انعدام الثقة بينهم”.
كان قرار المجموعة التي يقودها همّام، اعدام الأمير عمر (كوركيس) بصفته “جاسوسا” لكن همّام كان له رأي آخر.
رأى همّام بالاتفاق مع مجموعته، تسليمه إلى أسرة النقيب أيسر لدفع تهمة “الخيانة التي شاعت عنه بعد إعدامه من قبل الأمير عمر” وسيكون لإثبات جاسوسية الأمير عمر براءة للنقيب أيسر ورد اعتبار لسمعته وانصافا لأسرته وهي من تحكم عليه.
يقول الحردان إن أحداث الرواية أثبتت للقارئ ان “المقاومة العراقية ليسوا قتلة، انما مقاتلون يدافعون عن الأرض والعرض وعن القيم خلافا للجماعات الإرهابية التي دخلت معترك القتال باسم المقاومة العراقية بفعل رأس المال والتمويل متعدد الجوانب ضمن تكتيكات قوات الاحتلال التي نعترف انها نجحت إلى حد ما في ابتلاع أجزاء أساسية ومهمة من جسد المقاومة العراقية التي هي حق مشروع تكفله القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة لكل مواطني البلد الذي يقع تحت احتلال أجنبي”.
وبين سطور رواية “سنين الغضب” يتحدث الحردان عن امرأة مسنة تدعى “بدرية” من محافظة الأنبار، ويقول عنها انها قاتلت الاحتلال في الوقت الذي تلاعب فيه شيوخ بعض العشائر بالمقاومة وبوصلتها وتوجهاتها وأهدافها.
الحاجة بدرية بنت الأنبار، التي قُتل زوجها في الحرب العراقية الإيرانية “استقبلت في بيتها همّام ومجموعة من المقاومين الذين نفذوا عملية ضد قوات الاحتلال بعد ان أوصد شيخ عشيرتها الباب أمامهم للاختباء من ملاحقة قوات الاحتلال”.
لكن “الوشاة” أبلغوا جماعة التوحيد والجهاد (نواة تنظيم الدولة) عن الحاجة بدرية ونشاطاتها ومساعدتها لمقاتلي المقاومة العراقية الذين “يختلفون منهجيا عن تلك الجماعة التي أمر أحد قادتها بإحضار الحاجة بدرية للتحقيق معها”.
لكن الحاجة بدرية التي تتولى إعالة خمسة أيتام، بدلا من ان تسلم نفسها لعناصر التوحيد والجهاد، اعتلت سطح منزلها الطيني لتقاومهم وتشتبك معهم وتقتل ثلاثة منهم قبل ان يفجروا المنزل بعبوات ناسفة قضت عليها وأطفالها.
أثارت الحادثة غضبا في أوساط أبناء المنطقة، كما يقول، ليعود همّام ثانية إلى سلاحه وإعادة تشكيل مجموعة قتالية من رفاق الأمس بعد أشهر من ترك السلاح.
يصف الحردان واقعة تفجير بيت “الحاجة بدرية” انها شكلت انطلاقة جديدة لحملة السلاح من المقاومين للاحتلال والمجموعات الإرهابية هذه المرة.
ويتجاوز الحردان في روايته أجواء الحرب سواء العراقية الإيرانية أو مقاومة الاحتلال الأمريكي إلى مزيج منها يختلط بالجانب العاطفي للصحافي “حمدان” العامل في جريدة “الجمهورية” والمقاتل ضد إيران وقصة الحب التي عاشها مع زميلة له وانتهاء بانهيار العلاقة الزوجية بينهما وتحوله إلى شخص مدمن على الكحول ومن ثم إلى مقاتل في صفوف الحشد الشعبي في سياق ما يصفه لـ”القدس العربي” بأن “الحروب التي خاضها العراق أحرقت الأخضر واليابس، بل وهشمت الإنسان جسدا وروحا ليكون الصحافي حمدان جزءا من هذه المعاناة التي لا يبدو اننا سنشهد نهايتها في الأفق المنظور”.
وتتحدث الرواية عن الطبيب نزار الذي يعيش قصة حب في أحد أقفاص الأسر الإيرانية مع الطبيبة التي كانت تتردد على علاجه، سعاد، الإيرانية التي تتكلم العربية والتي هي الأخرى تعيش قصة حبها للأسير نزار وتثير غيرة طبيب إيراني زميل لها ليقوم بنقله إلى مدينة إيرانية أخرى ليجد نفسه أمام خيار ان يصبح من “التوابين” أي المتعاونين مع إيران في التحقيق مع الأسرى وتعذيبهم، أو أن يتم حجزه في أقفاص انفرادية، وقد اختار هذا ليكون بعيدا عن تأنيب الضمير والتعاون مع إيران التي تحارب بلده.
لكن الطبيب نزار، ووفقا لقوانين تبادل الأسرى عبر الصليب الأحمر الدولي، عاد إلى وطنه ليجد نفسه أمام مستقبل كالح في سجن الاستخبارات العسكرية بتهمة التعاون مع الإيرانيين، وهي تهمة باطلة مصدرها “الوشاة” من الأسرى الذين سبقوه بالعودة إلى العراق قبل الاحتلال.
بعد الاحتلال، استعاد نزار حريته لكنه لم يجد أي إثبات لشهادة تخرجه من كلية الطب جامعة بغداد، بل كل السجلات المتعلقة بدراسته لم يعد لها وجود، بل انه حاول الوصول إلى زملائه بالدراسة أو مدرسيّه في الجامعة بدون جدوى، يقول الحردان إنهم “بين معتقل أو مغترب أو مقتول غيلة أو متوفى”.
تشاء الصدف ان يلتقي نزار مع همّام في بغداد ويستعيدان ذكريات طفولتهما وصباهما معا، “نزار الشيعي يلتقي مع همّام السني في أوج استعار الحرب الطائفية عام 2006 ويدور بينهما حديث حول النزعة الطائفية المقيتة وكلاهما يتأسف للحال الذي وصل إليه أبناء الوطن الواحد”. ويضيف، ان هذه أحداث حقيقية أرويها على لسان نزار وهمّام مع لمسات تضفي عليها أجواء المقاومة والحرب والحب والواقع الأليم الذي نعيشه اليوم وهو نتاج أحداث وتراكمات لعقود”.
وسام الحردان: “سنين الغضب”
مؤسسة الرشيد للثقافة والإعلام، بغداد 2020
167 صفحة.