بيروت-“القدس العربي”:إذا كانت الحكومة الجديدة التي نالت ثقة مجلس النواب في 11 شباط/فبراير طلبت لنفسها فرصة لتثبت جدارتها بالعمل بعيداً عن السهام السياسية من هذه الجهة أو تلك كي تخرج بخطة إصلاحية تتضمن كيفية التعامل مع الأزمة غير المسبوقة واستحقاقات دفع اليوروبوندز بعد طلب مشورة صندوق النقد الدولي ورفض حزب الله الخضوع لرأي هذا الصندوق، إلا أن مبادرة رئيس الحكومة حسّان دياب خلال جلسة مجلس الوزراء إلى فتح النار على من سمّاها “الاوركسترا” التي تعمل ضد مصلحة البلد وتحرّض على الحكومة لدى الدول الشقيقة لمنعها من مساعدة لبنان مالياً فتحت الباب على مصراعيه لكتلة المستقبل وباقي القوى السياسية التي تعتبر نفسها معنية بكلام دياب لنفض الغبار عن أسلحتها والاستعداد للهجوم على هذه الحكومة، إنطلاقاً من أن رئيسها اختار الاصطفاف إلى جانب التيار الوطني الحر وتحميل الحريرية السياسية ضمناً مسؤولية ما وصلت إليه البلاد من إنهيار.
وجاءت أولى الردود من “كتلة المستقبل” التي رأت أن دياب “انضمّ إلى فريق المسوّقين لتراكمات السنوات الثلاثين الماضية، وتحميلها مسؤولية تفاقم الدين العام، من دون تحديد الجهة الأساسية المسؤولة عن الدين منذ عام 1998”. واعتبرت أن كلامه “مرفوض ويصبّ في إطار الحملات التي تستهدف الرئيس الشهيد رفيق الحريري والسياسات الحريرية التي انتشلت لبنان من حال الدمار”.
ثاني الردود جاءت من رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي استغرب كيف “لم نرَ من الخطة الإصلاحية الشاملة شيئاً حتى الآن” سائلاً “ما الذي يمنع الحكومة من إغلاق المعابر غير الشرعية وإيقاف عقود موظفين وتغيير كل قيادة الجمارك؟” وقال “يسعون لتأمين الأموال من الخارج، في حين أن لدينا أموالاً يمكن تفعيلها لترتيب أمورنا”.
وتزامن كلام دياب في مجلس الوزراء مع سفر الرئيس سعد الحريري إلى الإمارات من دون أن تتبيّن نتيجة هذه الزيارة التي لم يُعرَف إذا كانت قادته إلى المملكة العربية السعودية أو قطعها عائداً إلى بيروت، وعلى الرغم من أن دياب لم يشِر صراحة إلى الحريري إلا أن المعطيات أظهرت أنه هو وبعض حلفائه هم المقصودون بتعبير “الاوركسترا”. وما جعل البعض يتوقّف عند كلام رئيس الحكومة أنه لم يرتجل هذا الموقف بل كان مكتوباً على ورقة مطبوعة سلفاً جاء فيها “هناك أناس في لبنان عملهم محصور بمحاولة تشويه صورة هذه الحكومة، وهمّهم أن تفشل الحكومة، وأن نعجز عن التعامل مع أي أزمة حتى ولو كانت النتيجة هي ضرر على لبنان وعلى اللبنانيين. واضح أن هناك جهة، أو جهات، تمارس الألاعيب، ومحاولات تشويه الحقائق، والتزوير، والتزييف، والاستهداف الشخصي عبر اختلاق أكاذيب وروايات ورمي اتهامات وتغيير في الحقائق. لكن المؤسف أكثر أن هذه الجهات تحرّض على البلد، وتحاول قتل كل أمل بإنقاذ البلد وتخفيف الضرر عن اللبنانيين، الذي تسبّبت فيه ممارسات على مدى 30 سنة”. وأضاف “لا تهتم هذه الجهات بأن البلد ينهار، المهم عندهم أن تفشل الحكومة وأن لا تنكشف عوراتهم والموبقات التي ارتكبوها وأدت إلى الأوضاع الخطيرة التي يعيشها البلد اليوم على كل المستويات: المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. واضح ان هناك أوركسترا تعمل ضد البلد، ليس ضد الحكومة، لأن الحكومة تحاول العبور بلبنان من النفق المظلم الذي حفرته هذه الأوركسترا نفسها. عندما اكتشفت هذه الأوركسترا أنها لم تستطع العثور على أي خطأ لهذه الحكومة، بدأت تحرّض في الخارج ضد لبنان لمنع الدول الشقيقة والصديقة من مساعدة لبنان مالياً ومنعه من الانهيار”.
وكان رئيس الحكومة امتنع منذ نيل حكومته الثقة عن أي إطلالة إعلامية في انتظار قيامه بإنجاز إصلاحي معين وإثبات استقلالية حكومته، الأمر الذي يعوّل عليه كي تُفتَح أمامه أبواب الدول الخليجية التي يتكّل عليها من أجل دعم لبنان على الخروج من أزمته الاقتصادية والمالية المنهارة، فيما يبدو أن قرار بعض الدول الخليجية مرتبط بقرار الولايات المتحدة الأمريكية التي تترقّب توجّهات السياسة الخارجية لحكومة دياب ومدى تحرّرها من خيارات حزب الله وتعبيرها عن التوجّهات العربية واللبنانية أولاً بعيداً عن محور الممانعة.
وفي الانتظار، ما زالت واشنطن والرياض تلتزمان التحفّظ تجاه الحكومة من دون أن تصدر عن أي من العاصمتين أي اشارات سلبية أو ايجابية. ويبدو أن دياب يدرك المطلوب منه ولذلك فهو يعبّر أمام زواره عن رأيه في أن الأزمة التي يمرّ بها لبنان ليست فقط اقتصادية ومالية بل لها أيضاً جوانب سياسية، وهذا ما جعله يخرج عن صمته في خلال جلسة مجلس الوزراء مصوّباً على “الاوركسترا” ومعرباً عن شعوره بأن الدول الشقيقة والصديقة لن تتخلّى عن لبنان. وفي اعتقاده “أن إنهيار لبنان سيتسبّب بضرر على كل الذين تخلّوا عنه”.
اللافت أن الرئيس دياب أدرك المدى السياسي الذي أعطي لكلامه في جلسة مجلس الوزراء، فحرص في جلسة أول أمس الجمعة على نفي الأبعاد السياسية، وقال حسب ما نقلت عنه وزيرة الإعلام منال عبد الصمد، انه “مُصر على عدم الدخول في السجالات” مؤكداً “ان عمل حكومته ليس سياسياً، ولا نريد ان نكون جزءاً من أي خلاف سياسي مع أي طرف” متمنياً “أن يقوم بأول زيارة إلى الدول العربية في النصف الثاني من شهر آذار/مارس” لكنه لم يُحدّد أي دولة عربية سيزور أولاً.
فهل ينجح رهان حسّان دياب الذي يؤكد في أكثر من مناسبة أنه لا يسعى إلى منافسة أحد في الزعامة أم يسقط في الامتحان نتيجة هيمنة حزب الله على القرار العام في البلاد؟