الرباط -« القدس العربي»: يعبر الفاعل السياسي المغربي عن قلقه من حالة العزوف الانتخابي المتوقع في تشريعيات 2021، كمؤشر على العزوف السياسي للمواطن المغربي بفقدانه الثقة بالأحزاب وحتى المنظمات النقابية والأهلية وفشلهم في تدبير الشأن العام.
ويهيمن هذا القلق، كلما اقترب موعد تشريعيات 2012، على الخطاب الحزبي الذي يقول إن هناك تبخيساً ممنهجاً لعمل الأحزاب السياسية، وأن الهجوم على الأحزاب مستمر لقتل الإرادة المستقلة لها، وتحديد الأدوار التي يجب أن تلعبها بعض هذه الأحزاب التي سموها بالمصطنعة، مطالبين بممارسة نقد ذاتي حقيقي يغري المغاربة للذهاب إلى صناديق الاقتراع.
وشددت قيادات حزبية في ندوة نظمها حزب العدالة والتنمية (الحزب الرئيسي بالحمومة) في طنجة مساء الجمعة، حول «الاختيار الديمقراطي وأدوار هيئات الوساطة»، على أن «المعركة من أجل الديمقراطية ما زالت مستمرة، وعلى الأحزاب ألا تتهاون وتتخاذل وألا تسمح للمتخاذلين بأن يندسوا داخلها». وشارك فيها: محمد الخليفة القيادي في حزب الاستقلال، أعرق الأحزاب المغربية، وكريم التاج عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي سابقاً، ومحمد خيي البرلماني عن حزب العدالة والتنمية.
سؤال أساسي
وقال محمد الخليفة، وزير الوظيفة العمومية وإصلاح الإدارة السابق (2000-2002)، إن الوسائط وهيئات الوساطة موجودة بل وكثيرة، ولكن السؤال ما هي الأدوار التي تقوم بها؟ هذا سؤال أساسي يجب طرحه وإلا سنلبس ديمقراطيتنا حللاً جميلة جداً ولكنها في الواقع لا تصلح لمن يلبسها، لذا يجب عدم الاستهانة بآراء الناس والمجتمع، لأن «المجتمع يتتبع ولا توجد أمية سياسية عندنا في المغرب، هناك وعي كبير».
وأكد أن هناك حالة يأس عام وإحباط وانتظارية قاتلة في المغرب رغم الأوراش الكبرى التي أُنجزت ويتم إنجازها، حيث إن الواقع المغربي يقول إن الملك (محمد السادس) فتح 20 ورشاً كبيراً جداً يمكنه أن يغير وجه البلاد وندخل الحداثة عبر برامج تأهيل المدن والطرق الموانئ والطاقات المتجددة وغيرها، إلا أن المشكلة اليوم في المغرب هو الفساد الذي يطحن البلاد، مذكراً بما قاله الملك «إننا نقوم بأعمال كبيرة وأثرها لا تظهر على الجميع».
وقال الخليفة: «مشكلتنا ليس الدستور»، معتبراً أن دستور 2011 يعد من أفضل دساتير العالم ، «مشكلة المغرب هي من يطبق الدستور؟ الذي يطبق الدستور هو البرلمان وهو المشكلة، فالأحزاب قتلت من دون شفقة، من عام سنة 58 والمسلسل مستمر، وحين تصله النوبة يصبح منكمشاً وضعيفاً، رغم ادعاء بعضها القوة، وهو في الحقيقية ضعيف، وأقصد الأحزاب الوطنية، وفي كل مرحلة انتخابية يتم خلق حزب سياسي، ولولا حركة 20 فبراير (حراك الشباب المغربي في سياق الربيع العربي 2011) ماذا كان سيكون مصير المغرب؟».
ودعا القيادي الاستقلالي إلى الرجوع إلى الانتخابات الفردية، فتجربة الانتخابات باللائحة لم تنجح، وبالتالي يجب أن نعتمد على الانتخاب الفردي وعلى دورتين، ويرى أن التقطيع الانتخابي أضعف الأحزاب الوطنية ولم يكن بريئاً، لذلك لا يجب أن تشرف وزارة الداخلية على التقطيع الانتخابية، بل هذا دور البرلمان، فمن يتحكم في التقطيع الانتخابي هو الذي يتحكم في الخريطة السياسة». وقال: «كنا أثناء حكومة التناوب التوافقي قد طالبنا باعتماد النمط الحالي على أساس المعدل الأقوى لتطهير المشهد الحزبي من الأحزاب التي لا شعبية لها، بل وضعنا عتبة 6 في المئة، لكن للأسف خرج النمط بأكبر بقية وليس المعدل الأقوى، وخرجت العتبة بـ 5 في المئة والآن أصبحت 3 في المئة، وهناك من يطالب بحذف العتبة نهائياً».
وحيا الخليفة رئيس الحكومة سعد الدين العثماني «لأنه فتح ورش الانتخابات قبل عام من الاستحقاقات، ولأنه في عهدنا نحن كانوا يفتحون معنا الملف قبل 10 أيام فقط من الانتخابات، الآن نحن مع تحديد موعد ثابت للانتخابات خاصة البرلمانية، ضمن نص قانوني في يوم يتوافق عليه المغاربة كلهم». وعلى العثماني أن «يأخذ الأمور بيد من حديد وجدية فيما يخص نمط الاقتراع، من أجل العودة إلى اللائحة الفردية؛ لأن التجربة الحالية لم تنجح، لكن الانتخاب الفردي يجب أن يكون على دورتين وليس كما كان سابقاً، فالوعي ارتفع ولا يجب الاستهانة بآراء مجتمعنا».
وأوضح أن سبب دعوته لإجراء الانتخابات بالنمط الفردي على دورتين يأتي من أجل «إزالة الإبهام، لأن وزراء الحكومات التي تتشكل انطلاقاً من الانتخابات في نمطها الحالي، لا يربطهم رابط، لذلك نرى عدم الانسجام وتبادل الاتهامات بين مكونات الأغلبية». وكشف عدم موافقته على تخصيص «كوتة» للنساء والشباب، مقترحاً في النمط الفردي تخصيص ثلث الدوائر للنساء وللشباب يتنافسون مع بعضهم وحدهم، مشدداً على ضرورة إعطاء كافة الضمانات لإنجاح الانتخابات بشكل نزيه، «إشراف الداخلية يجب أن يُناقش، والهيئة المستقلة للانتخابات تترك الجميع مرتاحاً. ودون هذه الشروط، هل سيكون المغاربة فرحين ببرلمانهم ومؤسساتهم الدستورية؟»، لأنه «لا ديمقراطية دون أحزاب، أتكلم عن الأحزاب الحقيقية النابعة من رحم الشعب وليس أحزاب الإدارة»، ويأمل إعادة تشكيل الكتلة التاريخية بمشاركة العدالة والتنمية.
*تبخيس ممنهج للأحزاب
وقال كريم التاج، عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، إن الأحزاب السياسية المغربية في وضعية لا تحسد عليها، وهناك تبخيس ممنهج للأحزاب، وهجوم لم ينقطع، «لكن هذا الوضع ليس قدراً، وفي ما مضى كانت الأمور واضحة، كان هناك صراع بين السلطة والأحزاب الوطنية الديمقراطية، وقنوات التواصل حتى في عز الأزمات لم تكن تنقطع.وأضاف القيادي اليساري: «رغم أن النص الدستوري متقدم، إلا أن الهجوم على الأحزاب مستمر، وقتل إرادتها المستقلة، وتحديد الأدوار التي يجب أن يلعبها بعض هذه الأحزاب المصطنعة ودائماً في مواجهة معسكر الأحزاب الديمقراطية الذي يسعى إلى الدمقراطية والتغيير».
واعتبر كريم التاج أن تناول المجلس الأعلى للحسابات لميزانية الأحزاب أعطى للناس صورة مشوهة عن الأحزاب، مبرزاً أن تعامل مؤسسة دستورية من حجم مجلس جطو مع الأحزاب عبر تقارير قال إنها تركز على نفقات عادية وبدهية، تجعل الاعتقاد السائد بالمجتمع أن تلك الأحزاب فاسدة مالياً. وأكد أن المعركة من أجل الديمقراطية ما زالت مستمرة، وعلى التنظيمات الحزبية ألا تتهاون وتتخاذل وألا تسمح للمتخاذلين بأن يندسوا داخلها، مبرزاً حاجة إلى نخب وطنية قوية قادرة عل تطبيق نص وروح الدستور، لأن قضية تطبيق الدستور هو صراع في نهاية المطاف.
وقال التاج إن المشكلة الكبيرة التي يعاني منها المغرب بأكمله هي العزوف الانتخابي، مشيراً إلى أن مراجعة أنظمة وقوانين الانتخابات بات أمراً ضرورياً لإرجاع الثقة إلى الناس، ودعا لكي يكون التقطيع الانتخابي أمراً تشريعياً تحت إشراف البرلمان وليس تنظيمياً من طرف وزارة الداخلية، وضرورة عدم تكرار «إغراق صناديق الاقتراع كما وقع في انتخابات 2016، الذي أعادنا سنوات طويلة إلى الوراء»، وإعطاء ضمانات على أن اختيارات الناس في الانتخابات ستُحترم في تشكيل الحكومات المقبلة.
وأكد التاج أن «هناك تبخيساً ممنهجاً وهجوماً لم ينقطع ضد الأحزاب»، وأن الإعلام العمومي ساهم في ذلك خاصة مع بعض المحللين الذين يُرجعون كل الآفات للأحزاب، كما أن تناول المجلس الأعلى للحسابات لميزانية الأحزاب أعطت للناس صورة مشوهة عن الأحزاب «تعامل مؤسسة دستورية من حجم مجلس جطو مع الأحزب عبر تقارير تركز على نفقات عادية وبدهية للأحزاب، يجعل الاعتقاد السائد بالمجتمع أن تلك الأحزاب فاسدة مالياً». و»للأسف، هناك إجهاز على استقلالية الأحزاب واصطناع الخرائط الانتخابية والتدخلات، الأمر الذي أوصلنا إلى حالة يأس عامة وحيرة ونفور من العمل السياسي والحزبي وعدم الثقة، بل وعدم الإيمان بجدوى الاختيار الديمقراطي وأن الحل يكمن في التنمية والشغل، لكن لن يتأتى ذلك دون ديمقراطية».
وانتقد التاج الأعطاب الداخلية للأحزاب، وقال إن «إضعاف الأحزاب داخلياً وتنازلها عن بعض مبادئها وتطبيعها مع أمور غير ديمقراطية، كرس تلك الصورة المشوهة عن الأحزاب». وأن «المعركة من أجل الديمقراطية ما زالت مستمرة، وعلى الأحزاب ألا تتهاون وتتخاذل وألا تسمح للمتخاذلين بأن يندسوا داخلها».
*الالتفاف على نتائج الانتخابات
واعتبر محمد خيي الخمليشي، البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، أن شبح العزوف الانتخابي قد يعود بقوة في انتخابات 2021، لأن الناس تطرح بشكل واضح جدوى المسار الانتخابي بعدما شاهدوا عرقلة تشكيل الحكومة والالتفاف على نتائج الانتخابات، مؤكداً أن على الأحزاب ممارسة نقد ذاتي حقيقي يغري المغاربة للذهاب إلى صناديق الاقتراع.
وقال إن من المظاهر السلبية والمقلقة بالمغرب هي الهجرة بمختلف أنواعها، النظامية والسرية، مؤكداً أن نصف العاطلين ينوون الهجرة بل وحتى الطاقات والكفاءات والأطر، وهناك أرقام صادمة تقول إن 600 مهندس في التكنولوجيا الرقمية يغادرون المغرب سنوياً للبحث عن فرص أكبر، بالاضافة إلى تصاعد التعبيرات الجديدة في الاحتجاج التي تتجاوز المؤسسات، مثل أغاني الراب وجماهير الكرة ووسائل التواصل الاجتماعي، وتكون أحياناً راديكالية، ووصلت مؤخراً إلى مستوى خطير في أحد الأغاني، وهذا وجه آخر من أوجه تبخيس المؤسسات.