كورونا: تاريخ لا أحبه وروايات لا أتمناها

أتابع ما يجري في العالم من أثر الوباء الغريب المفاجئ.. كورونا. لقد قرأت كثيرا عن الأوبئة في التاريخ، ولم يكن غير الطاعون هو الذي انفرد بالشعوب والجيوش. لقد عرف الطاعون مصر وعرفه المصريون، بعد أن دخلها العرب في القرن الثامن الميلادي. لم أقرأ عنه في العصور السابقة، فرعونية أو يونانية أو رومانية إلا نادرا، لكنه صارعلامة في التاريخ المصري بعد ذلك حتى عهد محمد علي.
لم يأتِ بعد محمد على في القرن التاسع عشر إلا مرة وانتهى بسرعة. الطاعون مصدره الحشرات مثل، البق والبراغيث، لذلك كان يصيب الجيوش التي تمضي وقتا طويلا في الحروب في الصحراء، بدون أماكن للاستحمام، وتحمله الفئران في الشوارع والبيوت القديمة، بالإضافة إلى هذه الحشرات. صار عمل الحكام في كل الدول التي تعاقبت على مصر بعد ذلك من الأمويين أو العباسيين أو الفاطميين، أو الأيوبيين أو المماليك أو العثمانيين، هو نهب خيرات البلاد. مُنع المصريون من دفن الموتى في المقابر، باعتبار المقابر حرام فصاروا يدفنونهم في منازلهم، بعد أن كانوا يجعلون المقابر منذ الفراعنة في غرب القرى، حيث أوزوريس إله الآخرة عند غروب الشمس. صارت المدافن فقط للحكام الذين أرادو احتكار الدنيا والآخرة.
لم يكن للمصريين ثمن أمام أي جندي من هذه الممالك، فما أسهل ما يقتله أو يأخذ مقتنياته ويعلقه على خازوق في منطقة المقطم، فكاد المصريون يندثرون، حتى إنهم، وقد كانوا ما بين عشرة واثني عشر مليونا عند دخول العرب في القرن الثامن الميلادي، صاروا مليونين إلى مليونين ونصف المليون عند وصول نابليون بونابرت في نهاية القرن الثامن عشر، أي فقد المصريون ما بين ثمانية وعشرة ملايين غير الذين ولدوا في تلك الفترة. لم يكن المصريون يشاركون في الجيوش، لقد تم استبعادهم عن الجيوش منذ العصر اليوناني، ولم يعرفوا الجيش من جديد، هم أقوى جيوش المنطقة أيام الفراعنة، ومن ثم لم يمت أحد منهم في الحروب، لا بسبب الطاعون ولا بسبب القتال. كان الموت والفناء بسبب القهر. كان نابليون وراء اختفاء الطاعون، حين أمر بمنع الدفن في البيوت وبتخصيص امرأة في كل شارع لإرغام النساء على عرض فرش البيت للشمس كل يوم جمعة، ومن لا تفعل ذلك تعاقبها بالضرب بالخيزرانة على مؤخرتها في الشارع، حتى في عصر إسماعيل الرجل المستنير كان لا يتخلى عن إبادة القرى التي تتمرد على سياساته في جمع الضرائب، ليبني عاصمته الفرنسية الطراز . لكن في النهاية اختفى الطاعون وتطورت الحياة المدنية ولم يستطع فؤاد بعد إسماعيل ولا الإنكليز إبادة قرى كاملة.
أسماء القتلى في ثورة 1919 سجلها عبد الرحمن الرافعي في كتبه كاملة. ومع التمدين ازداد عدد السكان وتطورت المدن وصارت مصر أم الدنيا، يأتي إليها الغرباء من كل العالم يجدون فيها ملاذا من الفقر أو الظلم أو الاضطهاد. لم أقرأ عن طاعون انتشر في العالم مثل الكورونا إلا الأنفلونزا الإسبانية في أوائل القرن العشرين، التي حصدت الملايين. عرفت بأوبئة في افريقيا مثل الإيبولا، ولكن كل هذه الأوبئة ظلت بعيدا عن العالم العربي ومصر. منذ انفجر وباء الكورونا في الصين بدأ ينفجر بسرعة رهيبة في بلاد أخرى مثل إيطاليا وإيران، ويظهر بأعداد قليلة في بلاد مثل فرنسا وأمريكا والسعودية والإمارات والكويت وقطر وعمان.

للأسف أشعر بالرعب، ليس من هذا الموقف المصري من الدول الخارجية، لكن أن يكون تجليا أيضا لموقف داخلي من أهلها.

كل هذه الدول أوقفت رحلاتها إلى مصر، حتى إسرائيل أغلقت الحدود، بينما مصر لم تعلن ذلك من جانبها، ولا تزال رحلات سياح صينيين تأتي حتى كتابة هذا المقال. كل هذه الدول صارت تتعامل مع مصر باعتبارها مصدرا للوباء، بعد اكتشاف حالات قادمة منها من الأجانب، وحالات احتجزت فيها من الأجانب والمصريين معا. وهذا حق هذه الدول، لكن مصر لا تمارس هذا الحق من أجل مواطنيها أيضا لا أعرف لماذا؟ إنه حق مرهون بحالة الوباء، وليس له أي معنى سياسي، لكن مصر لا تفعله بينما الآخرون يفعلونه.

للأسف أشعر بالرعب، ليس من هذا الموقف المصري من الدول الخارجية، لكن أن يكون تجليا أيضا لموقف داخلي من أهلها. لقد رأينا الحشود الرهيبة بالآلاف على معمل التحليل المركزي للفوز بشهادة خلو من المرض، وهي الشهادة التي طلبتها دولة مثل السعودية، وانتقد الكثيرون، ومنهم عضو مجلس الشعب هيثم الحريري أن يكون هناك معمل واحد فقط، وأن يكون سعر الكشف العادي ألف جنيه، والمستعجل ألفين ونصف. طبعا التصور عند الدولة أن هذا مبلغ ليس كبيرا على العاملين في الخارج ، بينما يجب أن يكون التصرف عكس ذلك تماما. أن تكون الكشوف بمبلغ بسيط، وأن يتم الاتصال بالدول التي طلبت ذلك أن تمارس هي نفسها الكشف على العائدين، أو كما قرر بعضها احتجازهم خمسة عشر يوما في منازلهم، وهي المدة التي يظهر بعدها المرض، وفي حالة التخلي عنهم تقدم لهم التعويض المناسب. هذا هو عمل الدولة وليس تنفيذ تعليمات الدول الأخرى. الكارثة التي تسبب لي الرعب حقا هو وضع الواقع، وزيادة سكانية سببها هذه المرة ليس التمدين، لكنه التخلف والوهابية وسجون مكتظة. ربما يتم النظر في الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، لكن أحدا لم يشر من قريب أو من بعيد فيما يمكن أن يحدث في السجون المكتظة بالمسجونين. طبعا يمكن منع الزيارات، أو أن تكون من وراء زجاج للجميع وليس للسياسيين فقط، كما هو حادث، لكن الذين يعملون في السجون من ضباط وعساكر وعمال ويخرجون ويعودون كل يوم، أليس من الممكن أن ينقلوا العدوى. هل هناك ضرورة لهذه الأعداد الكبيرة التي أكثرها على ذمة قضايا لم تحسم وبالذات من السياسيين الذين هم على ذمة قانون الحبس المفتوح، الذي يصل بالمتهم إلى أربع أو خمس سنوات سجنا، ثم الإفراج لأنه في الأصل لم يفعل شيئا. لا أتكلم عن المشاهير فقط، لكن عن الجميع. وإذا كانت السجون ضيقة فالشوارع التي هي في الفضاء، والمباني المخالفة وأكوام الزبالة في الطرقات ومواسير الصرف الطافحة وغير ذلك من مظاهر تقاعس المحافظات عن عملها، أليست مجالا أكبر لانتشار هذا المرض.
في الضيق وفي الفضاء كل النُذر بتحوله إلى وباء يعصف بالمصريين، ولن تفيد فيه كل أحاديث الفضائيات ومن يسمونهم متخصصين يقولون إن الحر يقتل الفيروس، أو إن أشعة الكهرباء فوق المترو تقتله ولا خوف من الزحام في المترو، وغير ذلك من العبث. نحن نرى العالم كله يقوم بتعقيم محطات المترو وعرباته. إننا أمام وباء طافح في كل العالم وأخشى ان يدفع المصريون ثمنا أكبر من الصين مصدر المرض. أتمنى أن لا يأتي يوم يذكر المؤرخون وقوع الوباء في مصر، ويكتب الكتاب روايات عما جري! المؤرخون والكتاب الجدد طبعا لأن الكورونا لن تبقي على الأقدم.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية