تونس-“القدس العربي”: عانت الساحة الثقافية التونسية كثيرا من ظاهرة غلق قاعات السينما أو من اضطرار أصحابها إلى بيعها لتحويلها إلى فضاءات تجارية هدفها الربح المادي عوض نشر الثقافة والنهوض بالذوق العام. فالأرقام تشير إلى أن البلد كان يضم حوالي 95 قاعة سينما سنة 1957 تاريخ إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية ولم تبق منها اليوم سوى بضعة قاعات تعد على أصابع اليد.
ولولا إنشاء مدينة الثقافة في السنوات الأخيرة، التي ضمت قاعات سينما جديدة بالإضافة إلى قاعة الأوبرا الكبرى المبهرة التي يمكن استغلالها لعرض الأفلام ولسهرات الافتتاح والاختتام للمهرجانات، لحصلت الكارثة ولربما عجزت البلاد عن تنظيم التظاهرات السينمائية الكبرى. كما أن تشييد قاعات سينما في بعض الفضاءات التجارية الكبرى الخاصة ساهم في السنوات القليلة الأخيرة في عودة الاهتمام بما يعرض في قاعات السينما في بلد لديه أعرق المهرجانات السينمائية العربية والافريقية على الإطلاق وهو مهرجان قرطاج السينمائي أو مهرجان أيام قرطاج السينمائية كما يسميه التونسيون.
لكن لماذا اندثرت قاعات السينما في بلد يمكن اعتباره القطب الثقافي لمنطقة المغرب العربي بامتياز وذلك بالنظر لعراقة مهرجاناته في شتى الفنون وأهميتها وذيوع صيتها إقليميا وقاريا ودوليا، وبالنظر أيضا إلى اهتمام شعبه بالثقافة وإقباله بكثافة على مختلف العروض والتظاهرات الثقافية وانفتاحه على محيطه العربي والافريقي والمتوسطي وعراقة حضارته التي اهتمت بالفنون منذ ما قبل العهد القرطاجي أي قرونا طويلة قبل ميلاد المسيح؟
الإرادة السياسية
يرجع البعض تراجع أعداد قاعات السينما في تونس إلى غياب الإرادة السياسية الحقيقية للنهوض بهذا القطاع والتي يجب أن تتضمن المحافظة على القاعات وتطويرها وتدعيمها بأخرى إن لزم الأمر. فلم تهتم السلط السياسية المتعاقبة منذ الاستقلال بنزيف دور العرض السينمائية التي بيعت بأبخس الأثمان في أكثر من مدينة وتحولت إلى قاعات لإقامة الأعراس وفضاءات تجارية لبيع الملابس الجاهزة وغيرها.
ولعل المستغرب أن هذا حصل أيضا في فترة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي عرف عنه تشجيعه للثقافة وخصوصا النشر والكتاب والمسرح الذي أقام له ركحا في قصر قرطاج وجلب إليه الفرق المسرحية لتقديم العروض. كما يستغرب أن يحصل هذا في زمن وزراء الثقافة الذين عينهم بورقيبة وعلى رأسهم الأديب التونسي محمود المسعدي الذي كتب للمسرح أشهر مؤلفاته على الإطلاق وهو كتاب “السد” الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.
يرى البعض أن السبب في تخلي الدولة عن قاعات السينما للخواص هو ظهور التلفزيون الذي أصبح يستغل في الدعاية السياسية للسلطة الحاكمة بدل السينما التي اهتمت بها الدولة مع بدايات الاستقلال في مجال الإنتاج على وجه الخصوص. ووجد الخواص أنفسهم في وضعية لا يحسدون عليها بسبب ارتفاع الضرائب وتراجع سعر الدينار وهو ما جعل أسعار الأفلام المستوردة تتضاعف مقابل تراجع الإقبال الجماهيري على قاعات السينما إذا تم استثناء أيام معدودة سنويا بمناسبة مهرجان أيام قرطاج السينمائية الذي يشهد إقبالا جماهيريا يفوق الوصف.
وساهم انتشار الفيديو في البداية ثم أجهزة dvd والكمبيوتر في عزوف الجماهير عن قاعات السينما بعد أن أصبح بالإمكان الحصول على أحدث الأفلام بأبخس الأثمان ودون عناء. فأصبحت محلات بيع واستئجار أشرطة الفيديو هي التي تستقطب عموم التونسيين ثم لاحقا محلات نسخ الأفلام على الأقراص المضغوطة بعد أن أصبح الفيديو وأشرطته من الماضي. وجسد التونسيون تعطشهم لقاعات السينما من خلال الحضور بكثافة قياسية إلى القاعات لمشاهدة أفلام المهرجانات السينمائية وعلى رأسها مهرجان أيام قرطاج السينمائية ونجوم السينما والمخرجين الذين يقدمونها للجمهور الحاضر مباشرة قبل عرضها.
وتجدر الإشارة إلى أن الغلق لم يقتصر على قاعات السينما في العاصمة، فقد أغلقت في الثمانينات على سبيل المثال قاعة الأطلس بمدينة صفاقس، وقاعتا فوكس والنجمة بمدينة سوسة، وقاعة الصحراء في مدينة توزر الجنوبية التي تعتبر بوابة الصحراء التونسية. أما عن القاعات الشهيرة التي أغلقت في العاصمة فهي الشنزيليزيه والقدس وستوديو 38 وغيرها وتحوّلت قاعات أخرى إلى فضاءات تجارية على غرار قاعة السينما البلماريوم وقاعة الكابتول فيما تحولت قاعة سيني سوار في وقت ما إلى محل للملابس المستعملة وقاعة سيني فوكس في باردو إلى قاعة أفراح.
أسباب أمنية
ويقول الصحافي التونسي الخبير بالشأن الثقافي مختار التليلي لـ “القدس العربي” إن تونس العاصمة خلال سنوات الستينات كانت تضم حوالي 120 قاعة سينما خلافا للولايات الأخرى وكانت صناعة السينما تعتبر أمرا هاما وحيويا للمواطن التونسي وتلقى اقبالا كثيفا. ويتابع: “لاحقا تحولت العديد من قاعات السينما إلى مقار تجارية، مثلا في تونس العاصمة كانت هناك قاعة سينما كليبار في لافاييت وهي مخصصة للعائلات خاصة من سكان حي بلفدير الذين كانوا يفضلون السهر ضمن جو عائلي في هذه القاعة ومتابعة آخر الأفلام والأعمال السينمائية لكنها تحولت إلى مقر تجاري. أما سينما الكابيتول في شارع بورقيبة فأصبحت قاعة للماركة التجارية العالمية للملابس زارا. أما صالة سينموند فقد أغلقت وتحولت إلى قاعة لبيع الأثاث وأيضا في البلدة العتيقة كانت هناك قاعة سينما لوديان أغلقت وباتت مخزنا تجاريا”.
أما عن أسباب تقلص قاعات السينما فيحيل محدثنا السبب إلى انقلاب 7 تشرين الثاني/نوفمبر الذي شهدته تونس وما تخلله من قرارات أمنية كأن يكون آخر موعد لانطلاق قطار الضاحية الجنوبية للعاصمة هو العاشرة مساء. مما حدا بسكان هذه الضاحية خاصة منطقة حمام الأنف والزهراء الذين كانوا يأتون في القطار للسهر في شارع بورقيبة ومشاهدة الأفلام، إلى الامتناع تدريجيا عن السهر إلى ما بعد العاشرة ليلا. ومع الوقت اندثرت قاعات السينما لأنها لم تعد تشهد إقبالا.
وحدث آخر أيضا كان وراء هذا العزوف عن السينما وهو اضراب 26 كانون الثاني/يناير 1978 أو ما يسمى بالخميس الأسود، فقد أصدرت حينها وزارة الثقافة قرارا بأن يكون آخر توقيت لعرض الأعمال السينمائية والمسرحية هو التاسعة ليلا وبقيت هذه العادة سائرة المفعول إلى يومنا هذا. فكان أمرا بوليسيا وأصبح عادة ثقافية. ولا حقا مع التطور الكبير الذي شهده عالم الإنترنت باتت عديد الأفلام السينمائية متاحة للمشاهدة في المنزل وهذا قلصّ من إقبال التونسيين على قاعات السينما وأدى كذلك إلى اندثارها. أما عن واقع السينما اليوم فيقول التليلي “تونس تفتقر إلى سياسة سينمائية واليوم الإقبال على مشاهدة الأعمال السينمائية بات مرتبطا بالمهرجانات الكبرى فقط والمناسبات الثقافية مثل أيام قرطاج السينمائية وغيرها”. ويرى أن الأمل ضعيف في إعادة تنشيط هذا القطاع “لأن الأحزاب السياسية الموجودة اليوم تفتقر إلى رؤية ثقافية”.