بغداد «القدس العربي»: أظهرت مقاطع فيديو انتشرت أخيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، رفض عدد من المصابين بفيروس «كورونا» الامتثال لأوامر الحجّر أو العزل الصحي، الأمر الذي عدّته مفوضية حقوق الإنسان (رسمية) بأنه يأتي لأسباب أبرزها غياب الوعي الصحي وإشراك القوات الأمنية في حجز المرضى، ناهيك عن عدم وجود أماكن «ملائمة» للعزل.
علي البياتي، عضو المفوضية، قال لـ«القدس العربي»، «أشرت في وقت سابق إلى أن منظمة الصحة العالمية تولي اهتماماً بموضوع (وصمة كورونا) التي لها أسباب كثيرة منها الجهل في تفصيلات المرض ونسب الوفيات»، مبيناً أن «الوعي الصحي في العراق ضعيف، ولا نتوقع أن يعرف جميع الناس تفصيلات المرض، بالإضافة إلى فقدان الثقة بالمؤسسات الطبية، ناهيك عن الآليات التي اتُخذت في مناطق الحجر، خاصة في المحافظات الجنوبية، والاستعانة بمخيمات متروكة كانت مخصصة للنازحين وتعتمدها كمواقع للحجر، ألغي هذا الأمر في وقت لاحق، أو في مستشفيات قيد الإنشاء ولا تتوفر فيها الخدمات الأساسية».
واعتبر أن أحد أسباب امتناع المصابين بالفيروس تسليم أنفسهم للحجر الصحي، هو «الدور غير المبرر لإشراك القوات الأمنية بشكل مباشر وجعلهم في مواجهة مع المريض، هذا يعدّ انتهاكاً لحقوق الإنسان وإلغاء لدور المؤسسات الصحية»، مشيراً إلى «أننا بحاجة إلى القوات الأمنية لكن يجب أن لا تكون في الواجهة. كان المفروض أن تكون جهة مساندة للكادر الصحي». وأضاف: «تخيّل وأنك جالس في منزلك وتأتي دوريتان للشرطة ومعها 10 منتسبين و5 آخرين من الصحة. توقّع ردّة فعلك، وأنا لا أعرف شيئاً عن المرض، سوى إنه أثار الرعب في قلوب الناس»، منوهاً بأن «جميع تلك الأمور تخلّف ردّة فعل».
واستعرض مجموعة من الحوادث قائلاً: «في كربلاء تم حجر امرأة في مخيم للنازحين (سابقاً) غير ملائم، الأمر الذي دفعها إلى الهرب وإبلاغ عائلتها بأنهم سيأتون لفحصكم وحجركم جميعاً، مما دفع بالعائلة إلى الهرب أيضاً، وبقيت الجهات الأمنية تبحث عنهم وكأنهم متهمون أو مجرمون أو إرهابيون».
وفي حادثة أخرى، موثّقة بالفيديو، وقعت في محافظة البصرة، ذهبت الكوادر الصحية برفقة القوات الأمنية إلى منزل فتاة ثبتت إصابتها بالمرض، غير أن والدها امتنع عن تسليمها وقال لهم: لا يوجد مرض اسمه كورونا. هذا كذب منكم»، حسب البياتي، الذي فسّر هذه الحادثة بأنها «متوقعة، لأن هذا الرجل أمّي وليست لديه أيّ معلومات عن المرض، الأمر الذي يؤدي بالنهاية إلى طرد الكادر الطبي».
البياتي لـ«القدس العربي»: فقدان الثقة في المؤسسة الطبية وراء رفض العزل
وفي إشارة إلى واقعة أخرى، لم يتأكد البياتي من مكان حدوثها، يواصل حديثه قائلاً: «يظهر في الفيديو شاب يبدو أنه مصاب بالفيروس وهو يرفض إخراجه من المنزل، غير أن القوات الأمنية تجبره على دخول سيارة الإسعاف بالضرب».
وعن دور الأعراف الاجتماعية والعادات العشائرية في عدم إمكانية الحجر على المصابين بفيروس «كورونا»، أوضح أن «هذا الأمر متوقع. الأعراف الاجتماعية هي جزء من مجتمعنا، لكن علينا أن نتقبل أولاً بأن هناك مرضا قبل أن نبحث رفض الشخص»، لافتاً إلى أن «سبب الرفض هو ليس الأعراف الاجتماعية فقط، بقدر ما كونها حجّة لدفع الموضوع أو إغلاقه».
وأكمل: «أنا كطبيب أعلم جيداً أن الحالات البسيطة التي تحدث في البيوت تمثل 95٪ من المرضى»، منوهاً بأنه «في الدول الكُبرى كبريطانياً مثلاً، حتى إذا كان المريض يحمل أعراض الكورونا، فإن الجهات الرسمية تبلغه بأن يبقى في المنزل، وفي حال أصيب بضيق في الصدر تتخذ السلطات إجراءاتها. هكذا تتعامل الدول، أي شخص حتى وإن كان مصاباً بالكورونا فلا داعي لفحصه وجلبه إلى المستشفى إلا كبار السنّ ومن لديهم أمراض معيّنة. هؤلاء لا يمكنهم مقاومة المرض وهم في المنزل».
وتابع: «الوضع في العراق يختلف. لا توجد سياسة دولة، ولا نعلم مع من نتعامل، فنأتي بالمريض وعائلته ونحجرهم، ليتم بعد ذلك حجر الطبيب والكادر الطبي أيضاً. هذه فوضى في الحكومة والمؤسسات ومن الطبيعي أن تنتقل إلى المواطن».
وأشار إلى أن «خلية الأزمة علقت كل الرحلات الجوية ولغاية 24 آذار/ مارس الجاري، ويوم أمس (الأول) وصلت طائرة الخطوط الجوية العراقية قادمة من الهند وعلى متنها 209 عراقيين، علمًا أن الهند فيها أكثر من 300 إصابة».
وأضاف: «أين كانت الحكومة وأين كانت السفارة العراقية في الهند عن هؤلاء»، مبيناً: «إذا كانت الحكومة بنفسها تخالف قراراتها فلماذا نلوم المواطن البسيط؟».
وبشأن التشكيك الشعبي بالأرقام والإحصاءات الرسمية لعدد المصابين بـ»كورونا» وحالات الوفاة، قال: «لا مصلحة لوزارة الصحة العراقية في إخفاء الأرقام، بل على العكس، كلما كشف العراق الأرقام الدقيقة حصل على دعم أكبر لوجستياً أو مادياً»، لكنه لفت في الوقت عينه إلى أن «الأرقام (إصابات) هي أكثر لكنها غير مُسجّلة».
وزاد بالقول: «إذا أخذنا النسبة العالمية للوفيات وهي (تقريباً 2٪)، ومقارنتها بالوفيات في العراق (17 حالة)، فإننا نحتاج إلى معطيات للخروج بنسبة مئوية (عدد الإصابات وعدد الوفيات)، وباعتبار أن عدد الإصابات يمكن أن يكون غير حقيقي بسبب الأرقام غير المسجّلة، فيما عدد الوفيات غير قابل للتغيير. وفي حال ضربنا الـ17 في نسبة 2٪، فسيكون لدينا نحو 800 مصاب كتحصيل حاصل، كما في بريطانيا عندما كان عدد الإصابات أكثر من 500 حالة، توقعوا أن يكون لديهم أكثر من ألف و500 إصابة»، مشيراً إلى أن «السلطات تعتمد نظرية الجبل الجليدي في إحصاء الإصابات بالأمراض المعدية، والتي تستند على إن القمة تكون ظاهرة فوق البحر (مُعلن)، غير أن البقية غاطسة ولا تعرف عنها شيء».