في “مطلعٍ، وربما خاتمةٍ، عندما لا تكون سويّاً تماماً لتعرف أن ما تراه الآن هو الظلّ، وحده الظلّ”؛ وعندما لا يكون مجدياً النظرُ إلى أوراق لعب البوكر بيدك لتعاني غواية اللحظة في تكهّن أن تسجدَ آن أُمِرْتَ، وأنت أُمِرْتَ بأن لا تسجدَ، ثمّ يكون أمامك تكعيبية “ريلكه”، أو طلقة نارٍ في رأس “تراكل”، أو أن تخرج من أوهام يقينياتك لغواية أن “ترعى الظلام وتلون الهواء”، في انتظار من أحببت… أو في قراءتك مجموعة الشاعر الفلسطيني النمساوي نائل بلعاوي: “ما يشبه الشعر”، الأولى التي أصدرها بعد زمن مديد من التردّد في هزّ يقينك، وأنت ترى الرّجل الذي أطلقتَ عليه سهمك ظاناً أنه غزالك في غابة الظلال، يرتدي ثيابكَ ولديه نفس شاربيك، وربما ندبةَ الجبين التي تعيدك إلى طفولتك يوم سقط ابن الجيران من على درّاجتك:
“ولديً هذا الشخص الذي يحمل اسمي وملامح وجهي
وتلك حكاية طويلة، ليست مهمة
ولكنها مربكة
فهو يعرف عني الكثير:
كيف أنام وكيف أصحو
كيف تصيبني الحدائق والكلاب بِحيرة غريبة
ولماذا أسير في آخر الليل وحيداً
وكيف انتهيت إلى حب ما لا يُطال؟
لديً كل شيء، كما ترى :
أصدقائي اللصوص والشعراء
صديقاتي اللواتي يعتقدن بأني أصلح للحب
وهذا الشخص الذي يعرف عني الكثير
ويعرف أن الحياة البسيطة والممتعة هذه
هي محض خديعة محكمة
هي حيلة أخيرة
وهي لا تنتظر شيئاً
لا شيء
سوى طلقة واحدة هذا المساء
أو في الليلة القادمة”.

“ما يشبه الشعر”، مجموعة شعرية نادرةٌ بقيمةِ دهشةٍ، وبعذوبة رضابِ معرفةٍ ومتعةٍ وغنى، مع تميّزٍ فريد في غواية إعادتنا إلى العقود المفصلية من قرننا الذي سبق، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وإلى إبداعاتها التي صنعها الألم: من تكعيبية الشاعر العظيم ريلكه، إلى مآسي انتحار العديد من الفنانين والشعراء مثل الشاعر النمساوي جورج تراكل والفنان الهولندي فان غوخ، وإلى صفق الباب بيد العبث، في وجه عالم توحّش فيما مضى، ويتوحّش الآن في حاضرنا ليضعنا على شفا قبلةٍ من فنائنا.
وهي مجموعةٌ متفرّدة في انتمائها بألقٍ، إلى قصيدة نثر ما بعد الحداثة، رغم تذكيرها لنا بتكعيبية وسوريالية وعبث ما قبل الحداثة، واستخدامها أرفع ما يميّز أساليب قصيدة النثر، في السّرد الشعري الذي يتهادى على إيقاعات الحكاية، وفي السّخرية الرفيعة التي ترمي رماح هزّ اليقين إلى الصدور الغافلة. كذلك في العبث الذي يُدير ظهره لأوهام الصّواب كي يعيد العالم للصّواب، وفي الإدهاش الذي يطلقه التركيب الشعري الصادم في إعادتنا إلى دواخل أنفسنا، حيث تتجلّى الكوابيس والأحلام ودهاليز الجحيم وممرّات الحدائق في ألوان وإيقاعات رقص النور والظلال.
وفي النهاية أو البداية ربما، وفقاً لفلسفتها، هي مجموعةٌ شعرية تربك من يدرسها في تقديم مثال على مثال من قصائدها، فيلجأ بتقديمها كلها على مذبح دراستها.
على صعيد البنية الظاهرة، ينسجم بلعاوي في هيكلة مجموعته، مع فلسفة قصائدها في العبث، ولكن أيضاً باحترافية لاعب حظّ قدير، فيرميها كما نرد الحياة، وتجري ببساطةٍ تحت عنوان “ما يشبه الشعر”. إنها متراصفةً بترقيم متسلسل لأعداد اثنين وأربعين قصيدة، وبعنوان لكلّ واحدةٍ منها يَظِلّها بشبه انسجام كامل معها، ويُتبِع بلعاوي قصائدَه هذه بقصيدة “ما يشبه الحب” التي تتناغم مع عنوان المجموعة من دون رقم، وبسبعة “مقاطع يتيمة”، من دون همّ سؤال قارئ فضوليّ إن تساءل لماذا هي يتيمةٌ، ولماذا هذه القصيدة بلا رقم؟
ويفصح الشاعر عن بعض همومه في تلميس القارئ لمفاصل فلسفته ولغته وتراكيبه، بمدّ كلمة “ما يشبه” التي تلمّ المجموعة بـ”ما يشبه الشعر” إلى (ما يشبه الخوف ــ ما يشبه الموت ــ وما يشبه الحبّ) كعناوين لقصائد مفصلية. وكذلك بمدّ ومركزة كلمة الغواية التي تحتل دوراً مهماً في فلسفته الشعرية ومفرداته، إلى ما يمكن وضعه تحت عنوان قصائد الغواية في المجموعة، وهي: (غواية الوحيد ــ غواية النسيان ــ وباب الغواية). ويترك الشاعر بقصديّة أو دونها، حيث لا فرق، البابَ مفتوحاً للقارئ في أن يضيف غوايةَ الحرية أو غواية الذئب التي يستخلصها من قصيدة “عن الحرية”، وأن يضيف ما يشاءُ من غواياتٍ تفتحها له طبيعته وذكرياته ورغائبه التي ستنفتح متفاعلة مع غوايات قصائد الشاعر: “أن لا تملك شيئاً /غير هذا القميص الذي تحب/ وثلاثة أحذية جلديّة للصيف/ والذكريات التي لا تعرف كيف تركلها/ وتنساها/ أن لا تنتظر أحداً/ غير العشيقة في البهو الأنيق/ عند باب المحطة ، أسفل الدرج/ أن لا تعود إلى بيتٍ أو بلادٍ/ مستسلماً لخديعة الوجد المفاجئ/ ومكائد الرجوع/ أن لا تفتش في السراب عن أمل بائس بالنجاة/ وأن لا تحلم الا بذاكرة الصقر/ وحواس الذئاب الشريدة/ تلك هي الحرية يا صاحبي/ تلك هي .. بسيطة وعارية/ وأنا حر”.
في البنية العميقة يمكن للقارئ تلمّس فلسفة الشاعر التي تضيف المتعةَ على تلمّسها ثقافةٌ عميقة تحاور تركيبات وفلسفات وانتحارات شعراء وفنانين تركوا بصماتهم على اللوح المحفوظ للإنسان. ويمكن له ضمن ما يقتنص في تلمّسه، رؤيةَ روح المكان الذي ينقله الشعر من مدينة أو حيّ أو شارع أو عمارة أو شقّة أو غرفة، أو سرير؛ حيث تتراقص هذه الروح بإيقاعات وألوان تجوالها، إلى مدنِ وأحياءِ وشوارعِ وعماراتِ وغرفِ وأَسِرّة البشر، حيثما تواجدوا وتواجدت عوالمهم واحتياراتِهم في وجوه هذه العوالم.
ويمكن لقارئ “ما يشبه الشعر”، باسم ما يفتح الشعر على الكشف، أن يدخل العوالم الموازية التي تتشظى عليها نفسه، وأن يشارك الشاعر إحساسه بعدم الركون إلى الثبات، فكل شيء هو في الحقيقة ما يشبهه. ليس هذا من زاوية الرائي نفسه إذ تتغير لحظته فحسب، وإنما أيضاً من زوايا ما يراه الآخرون حول أنفسهم وغيرهم، وقد تضيف ذاكراتنا أيضاً بخيالات رغائبها ومخاوفها أحداث وشخصياتٍ لم تسجّلها عدسات اختراقات الزمن إن حدثت المعجزة.
كما يمكن لقارئ هذه المجموعة رؤية لغة الشعر وعيشه، بتألّق تفرّدها، وتراكيب الجملة الشعرية التي تعكس وتجسّد الأحلام والرغبات والمخاوف بجرأة رؤية النفس عاريةً مكشوفةً دون خوفٍ أمام مراياها.
ويمكن للقارئ أيضاً خلال توغّله في عيش القصائد، وهو ما سيحدث على الأغلب، استحضارَ نبذات من عوالمه التي ستتداخل مع عوالم أسلوب الشاعر في الغواية: “السماء برتقالية/ بخيط أزرق لا يكاد يُرى/ ونجمة واحدة/ خافتة/ كأنها شبق يزول/ باعة ورد متعبون/ روائح كستناء توتّر الحواس/ رذاذ شهوات دفينة تتساقط من حولها/ فتضيء وتجرح/ هذا كل ما تبقى لدينا من الليل/ أقول لها/ يكفي لقبلة أخرى، تقول”.
ويمكن للقارئ بعد عيشه واستحضاراته، إدراكَ ما يصرّح به شاعر الغواية نفسه له، في أن الغواية في لحظات إبداعها متعِبة للغاوين، الذين سيقعون في تمنّي الخلاص من عبئها، وعيش تخفّفهم وحرّيتهم منها.
ويمكن للقارئ ختاماً التعرّف على الشاعر ورؤيته ومواقفه، فهو ولد في فلسطين عام 1966، ونزح مع عائلته إلى الأردن بعد هزيمة 1967. هاجر شاباً إلى فيينا في النمسا حيث يعيش الآن ويعمل. نشر العديد من النصوص الأدبية والشعرية والمقالات في صحف ومجلات عربية، وله العديد من الترجمات. انعكست رؤيته الشعرية وذكاء التقاطه الشعري في مواقفه الإنسانية التي انحاز فيها لثورات الربيع العربي، وكشف فيها بذكاء ودقة مخاتلةَ مواقف شعراء وفنانين ومثقفين من هذه الثورات كما حدث في مشاركته كشف الموقف التعيس للشاعر أدونيس، في مسألة طلبه إصلاح النظام من بشار الأسد، ومخاطبته له بـ”سيدي الرئيس”.
نائل بلعاوي: “ما يشبه الشعر“
الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2019
104 صفحة.