ريجيس آرنو ويان روسو في “الهارب”: ماكرون ومنظومته لم يعترضوا على احتجاز كارلوس غصن في اليابان

سمير ناصيف
حجم الخط
0

هل كان سقوط رجل الأعمال الفرنسي ـ البرازيلي ـ اللبناني الأصل كارلوس غصن، الرئيس والمدير السابق لمؤسسة رينو ـ نيسان لصناعة السيارات، وإخضاعه للمحاكمة في اليابان نتيجة لمؤامرة نظمها خصومه في المؤسسة؟ أو تشاركت وانخرطت في هذه العملية جهات يابانية ـ فرنسية ـ أمريكية، ربما انزعجت من توسع نفوذه في الاقتصاد العالمي إلى درجة تتخطى المسموح به لشخصية من العالم الثالث؟ علماً أن المجموعات المالية الضخمة الأمريكية ـ الأوروبية (وبينها الفرنسية) تتحكم بالاقتصاد الغربي وتهيمن عليه؟

في كتاب صدر مؤخراً بالفرنسية بعنوان “الهارب، أسرار كارلوس غُصن” يشير المؤلفان الصحافيان الفرنسيان الخبيران منذ فترة طويلة في شؤون اليابان ريجيس آرنو ويان روسو، إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كذلك الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، لم يدعما غُصن في محنته، والاثنان مرتبطان بشكل مباشر أو غير مباشر بمنظومة المصارف والمؤسسات المصرفية والمالية الفرنسية.

علماً أن هذه المنظومة أوصلت ماكرون إلى الرئاسة على حساب خصمه الديغولي فرانسوا فيون ومارين لوبن (زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية). ماكرون، وعندما كان وزيرا للمالية عام 2015 حاول رفع مساهمة الحكومة الفرنسية في شركة رينو الفرنسية للسيارات من 15 إلى 19.74 في المئة لمواجهة أجندة كارلوس غصن، المدير العام ورئيس مجموعة رينو ـ نيسان، الذي كان يحاول دفع مجموعة رينو ـ نيسان باتجاه القطاع الخاص إلى درجة أكبر، ولكن مساهمي الشركة وبنسبة 82 في المئة صوتوا في مصلحة غصن (عام 2018) وأعيدت مساهمة الحكومة الفرنسية في رينو إلى 15 في المئة. وأيدّ المساهمون بقاء غصن كمدير عام ورئيس مجلس إدارة للشركة حتى عام 2022 وعارضوا طروحات ماكرون وحلفائه.

وتزامن هذا الأمر مع دعوة أقامتها زوجة غصن الأولى (اللبنانية الأصل) ريتا قرداحي ضد زوجها بتهمة محاولة خنقها أيدتها وسائل الإعلام الفرنسية علماً أن غصن تزوج ثانية بسيدة ساهمت في الاشراف على عملية فراره من اليابان نهاية عام 2019 وهي لبنانية أيضا واسمها كارول نحاس.

كما يذكر الكتاب أن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، كان بدوره سلبياً ومتحفظاً إزاء كارلوس غصن واعتبر أنه كقائد لمجموعة رينو ـ نيسان امتلك حرية فاقت ما يجب ان يمتلك وانه كان يحتقر الآخرين في القيادات السياسية والاقتصادية الفرنسية (ص 161 ـ 163).

يوضح الكتاب بالتفصيل لماذا تعرض كارلوس غُصن للاعتقال في اليابان بعد رحلة له إلى طوكيو من لبنان في عام 2018 وبعد توقيفه ومحاكمته هناك، التي اعتبر غصن بانها لن تنتهي بسهولة مما اضطره مع زوجته، إلى تنظيم عملية هروب “جيمس بوندية” من اليابان بمساعدة عميلين (أحدهما أمريكي، والآخر لبناني) ووصوله إلى لبنان بداية عام 2020.

يقول المؤلفان إن التحضير لعملية الفرار جرى أسابيع قبل وقوعها بواسطة وحدة كوماندوس متخصصة أشرف عليها الأمريكي مايكل تايلور (59 عاما) الذي عمل سابقا في القوات العسكرية الأمريكية وتحول لاحقاً للعمل الأمني الخاص، وجورج الزايك، المقاتل السابق في “القوات اللبنانية”. وقد أسسا معاً شركة أمنية صاحبها تايلور تتخصص في إنقاذ المختطفين في الشرق الأوسط والعالم.

ويوضح الكاتبان أنه وفي نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2019 أدرك كارلوس غصن أنه سيظل محتجزاً في اليابان لسنوات عديدة بسبب النظام القضائي المعقد، وقرر ترتيب عملية هروبه بواسطة تايلور والزايك، وخصوصاً أنه كان يقضي أياماً سوداء في المحاكمة اليابانية المجحفة والمستمرة إلى اللانهاية، حسب قوله.

التهمة الموجهة إلى غصن كانت أنه ومعاونه السابق غريغ كيلي احتالا على شركة “نيسان” اليابانية للسيارات عبر إخفاء وثائق تحويلات مالية لغصن من شركات سعودية وخليجية حوّلت إليه شخصيا لتأمين كفالة ليستخدمها في تعامله مع مصارف يابانية وضع حسابات شخصية فيها، بينما كانت هذه التحويلات من المفترض ان تكون موجهة لشركة نيسان. واستخدمها غصن ككفالة لم يستطع تأمينها بسبب خساراته في استثماراته الضخمة في البورصة العالمية بعد انهيار شركة “ليمان” الأمريكية المصرفية العالمية. وقد أجرى غصن، حسب قول الادعاء، هذه التحويلات باسمه ومن دون إبلاغ مجلس إدارة الشركة عنها.

غصن من جهته، اعتبر انه كان يفعل ذلك للاستمرار في إدارة الشركة في مرحلة صعبة كانت تمر فيها، وان انهياره مالياً كان سيؤثر على الشركة سلباً لو حدث بالفعل.

في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019 ارتدى غُصن ثيابا مموهة وخرج من موقع إقامته الجبرية في طوكيو وذهب إلى فندق “غراند هايات” حيث التقى تايلور والزايك وذهبوا بواسطة القطار إلى اوساكا ومكثوا في فندق قريب من مطار (كانساي) المخصص لرحلات الطائرات الخاصة.

ومن هذا المطار، استقلوا طائرة إلى إسطنبول (مطار اتاتورك الخاص القليل الاستخدام) وانتقلوا بعد وصولهم إلى تركيا إلى طائرة خاصة أخرى نقلتهم إلى مطار بيروت حيث دخل كارلوس غصن إلى لبنان بجواز سفره الفرنسي مع بطاقة هويته اللبنانية، وانتقل إلى شقته في ضاحية الأشرفية في بيروت الشرقية حيث استقبلته زوجته كارول، وحيث كان قد ترك هذه الشقة للمرة الأخيرة في 81 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 في طريقه إلى طوكيو غير مدرك ما ينتظره هناك!

وتساءل المؤلفان والصحافيون الفرنسيون واليابانيون واللبنانيون الذين تواجدوا في المؤتمر الصحافي الذي عقده غصن في بيروت، إذا كانت لديه أي فرصة لإثبات براءته في المحاكم اليابانية خلال احتجازه، وجواب المؤلفين كان كلا، لأن النظام القضائي الياباني لم يكن ليمنحه أي فرصة للخلاص من دون ان يعترف بذنبه كما صوّره المدعي العام الياباني المنحاز لشركة “نيسان” اليابانية وكوزارة الصناعة اليابانية الذي كان يدعو إلى استمرار الاعتقال والمحاكمة. ويقولان إنه لو اعترف غصن بذنبه (حسب ما رغب خصومه) فإنه كان سيقع في موقع أسوأ مما كان فيه. كما أن غصن لم يثق بأن القاضي الأعلى كان يدير الأمور، بل كان صاحب الأمر الناهي المدعي العام الياباني المتواطئ مع “نيسان” تحت قيادتها الجديدة المنحازة ضده.

وقد انتقد بعض المقربين من غصن في اليابان (وبينهم محاموه) القرار من طوكيو، ولكنهم عبّروا عن تفهمهم له، أما غصن فاعتبر أن خياره كان إما الموت في السجن أو الفرار.

ويؤكد الكاتبان في الفصل الأول أن غصن تصوّر انه بعد نجاحه في قطاع الأعمال في فرنسا واليابان وانتشاله لشركتي صناعة سيارات فرنسية ويابانية بارزتين من الانهيار، فإن قيادات ورؤساء ومسؤولي هاتين الدولتين سيدعمونه في محنته خلال توقيفه، وسيساهمون في إنقاذه، خصوصاً الرئيس ماكرون سيتدخل شخصياً لدى اليابان وحكومتها للإفراج عنه، ولكنه لم يفعل ذلك. كما ظن غصن أن الرئيس الأمريكي ترامب المؤيد لرجال الأعمال الناجحين في العالم، سيقول كلمته في هذا المجال خصوصاً ان باستطاعته التأثير على رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، ولكن أحداً من هؤلاء لم يرفع اصبعه في هذه القضية، علماً أن القادة العالميين (وبينهم ماكرون وترامب) اجتمعوا في اوساكا في وقت منعه خلاله القاضي الياباني من فرصة الاجتماع بزوجته كارول، ما أثار لديه الشكوك بأنهم لم يكترثوا أو تواطئوا إزاء ما قد يتعرض له وان الوقت حان للفرار (ص 253).

والأسوأ من ذلك أن زوجته كارول، اتُهمت بتقديم شهادة مزورة في المحكمة لصالحه ما زاد في قلقها ودفعها للقيام بدور رئيسي في تنظيم عملية فراره والاشراف على نجاحها.

ويؤكد المؤلفان أن رجلي الأعمال الخليجيين، السعودي خالد الجفّالي والعُماني سهيل البهوان، دعما غصن في الحصول على الكفالة المالية عندما طلبها منهما، ولكنهما تخليا عنه لاحقاً، فيما أيده معظم اللبنانيين ورحبوا بعودته إلى لبنان سالماً، وكانوا قد أسسوا مجموعات داعمة للإفراج عنه. كما رفض القادة اللبنانيون الاستجابة لطلبات القضاء الياباني باسترداده بحجة عدم وجود اتفاقيات تبادل متهمين بين البلدين واستناداً إلى أن القضاء الياباني لم يستجب لاستفسارات القضاء والقيادات اللبنانية عن وضع ومصير غصن خلال الاعتقال في اليابان.

من الجدير بالذكر أن شركات أمريكية حاولت سابقا استقطاب غصن للقيادة وللعمل لديها. وقد جسَّ نبضه في هذا المجال رؤساء شركات “جنرال موتورز” و”فورد” للسيارات، ولكنه فضل البقاء في موقعه مع نيسان-رينو وربما ندم لاحقاً، حسب المؤلفين. بيد أن مجموعات صغيرة في شركة “نيسان” اعتبرت غصن يراهن بمصير الشركة ويسعى إلى تذويبها برينو، وهي (حسب المؤلفين) مجموعات عنصرية يابانية قريبة من خصومه في اليابان وفي نيسان.

وقد عومل غصن في السجن الياباني معاملة سيئة. وكان الأمن يتصرف معه (خصوصاً في البداية) بقساوة ويمنعه من المقابلة أو الاتصال المباشر بالمقربين منه وخصوصا بزوجته.

وكان قد تم توقيفه في المطار لدى سفره في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2018 وكأنه مجرم ثبتت إدانته، وسُلب هاتفه، ومُنع الاتصال بالخارج أو بمعاونيه المقربين في شركة “نيسان”، وبقي 130 يوما قيد الاعتقال. ولكنه ظل رافضا التوقيع على وثيقة تثبت إدانته. وعُيّن في مكانه خصومه الذين شهرّوا به وبفترة إدارته للشركة، علماً ان بعضهم علِموا مسبقاً، وقبل سفره، بانه سيُعتقل لدى وصوله إلى طوكيو، ولم يبلغوه ذلك، ومنهم مسؤولون أوصلهم غصن إلى مناصبهم القيادية في الشركة ولكنهم خانوه.

وقد تواطأت وزيرات فرنسيات مع موقف السلطات اليابانية بشأن غصن، وبينهن وزيرة الدولة آنييس بانيير روناشير والاقتصاد السابقة كريستين لاغارد.

وقالت الأولى ان ليس لديها شيء لتقوله إزاء توقيفه، فيما قالت لاغارد (التي أصبحت لاحقا رئيسة المصرف المركزي الأوروبي) من غير المقبول أن يحصل أمثاله من مدراء شركات تساهم فرنسا فيها على مخصصات مالية ضخمة في ظل الأوضاع المالية منددة بصعود كارلوس غصن إلى القمة في عالم الاقتصاد والمال، وتضامنها مع المنظومة الساركوزية /الماكرونية المعترضة على دور غصن في النهوض باقتصاد فرنسا وإنجاح شركاتها داخلياً وعالمياً.

Regis Arnayd & Yann Rousseaux: Le Fugitif – Les screts de carlos Ghosn

Editions Stock, Paris 2020

265 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية