في هذه الأيّام والأزمنة اللاّتوصف واللاّتُسَمّى، قد يلجأ بعض المتَقَدّمين في السنّ إلى مخزون الذاكرة، مما قرأوا أو سمِعوا عن أيّامٍ وأزمنةٍ أكثر إشراقاً، بل أقلّ عتمةً مما نحن فيه. وقد يكون الملجأ الأول في حياة الأندلس وأيّامها. ولكن مهلاً. هل كانت تلك الأيّام والأزمنة دائماً أفضل مما نحن فيه ونعانيه؟ أشكّ في ذلك، على الرغم مما نقرأ في كتُب التاريخ، بل في أغلبها، التي تتغنّى بزمان الوصل في الأندلسِ. بلى لقد قاسى أهل زمان الوصل، ذلك البعيد-القريب، من حروبٍ وصراعاتٍ بين الأمراء والخلفاء وأمثالهم. وقد قاسَوا كذلك من الطاعون، الوباء، الموت الأسود، الذي انتشَر على مراحل، في العصور الوسطى في أوروبا، ولم تَسلَم منه الأندلس، ولا بعض بلاد الشرق الأوسط، والعربية كذلك.
ولكن بين هذه وهذه، كانت ثمّة أيّام وفترات في حياة الأندلسيّين نغبُطهم عليها، لا نحسدُهم؛ لأن الغِبطة أن تتمنّى أن يكون لكَ مثل ما لدى الآخرين، والحَسَد هو رغبتُكَ، معاذ الله، أن تزولَ تلك النعمة مما لدى الآخرين.
في أواسط القرن الثالث عشَر، كانت الحواضر الأندلسية الكبرى تتساقط بأيدي الإسبان، مثل مرسية وإشبيلية. لكننا نرى في تلك الأيّام العصيبة من يُعنى، مثلاً، بصنوف الطعام وشؤون المطبخ، مثل إبن رزين التُجَيبي من أهل مرسيه، الذي أخرج كتاباً لمؤلّف مجهول بعنوان “فُضالة الخُوان في طيّبات الطعام والألوان” يذكر فيه بعض الوصفات “المشرقية”. وفي كتاب آخر للتُجَيبي يذكر إبراهيم إبن المهدي الذي تولّى الخلافة زمناً، وربما كان كتابه أول كتاب بالعربية يذكر “أطايب الطعام” أيّام الخليفة هارون الرشيد 809م. وثمة فصول في الكتاب عن التغذية والصحة والحِميَة ويتّضح من كتاب التُجَيبي تقارب الأذواق في الطعام وشؤون المطبخ بين مدن الأندلس والعراق. إلاّ أن المطبخ الأندلسي، ربما بتأثير من البربر الذين حملهم طارق بن زياد في فتح الأندلس، يفضِّل لحم البقر والعجول على لحم الضأن في المطبخ المشرقي.
وطارق بن زياد بربري أمازيغي، ولد عام 670م في مدينة سوق أهراس في شمال شرق الجزائر، على بعد 40كم من الحدود التونسية، وهي بلد القدّيس أوغسطين (352-430م) أيضاً. وكانت المدينة سوقاً لبيع الأسود والحيوانات الضارية! لكن طارق المسلم حمل معه رجال الأمازيغ الذين اعتنقوا الإسلام وسار بهم إلى فتح الأندلس عام711م وسُمِّي الجبل في أعالي طنجة باسمه، لأنه من تلك الأصقاع دخل هذا القائد الكبير إلى الجنوب الأوروبي فطبع الحياة باسمه في بلاد “فندالس” التي تحوّرت إلى “أندلس”. في هذه البداية الحربية التي استمرّت في البلاد المفتوحة، كيف لنا أن نفهم اهتمام أهل الأندلس بشؤون الطعام والمطبخ، بينما كانت الأخطار حولهم يمكن أن تنفجر في أي وقت؟
وثمّة صورة أخرى بهيجة في حياة الأندلسيّين، على الرغم من بعض المخاطر المحيقة بالبلاد، من حروب يشنّها الإسبان على العرب المسلمين الذين حملتهم الفتوح إلى إسبانيا. من ذلك صورة الحياة الخاصة لدى بعض عرب الأندلس، مما نقرأ في سيرة المتصوّف الأكبر الشيخ محي الدين بن العربي (1164-1240). هنا أحاديث كثيرة عن الأطعمة والفواكه التي كان يُعنى بها الأندلسيّون. من ذلك التين الذي كان يُجلَبُ من إشبيلية ومالقه مما تذكره الأشعار مثل قول أبي الحجّاج المالقي:
مالَقةٌ حُيّيتَ يا تينَها الفُلكُ من أجلك يأتينها
ما نهى طبيبي عنه في عِلّتي ما لطبيبي عن حياتي نهى؟
كان التغزّل بالأطعمة والفواكه لا يتوقّف، على الرغم من الحصار الذي طوّق به الموحِّدون مدينة مرسية، بلد الشيخ محي الدين.
وصُوَر الحياة في الأندلس لا يمكن أن تتجاوز فنون العمارة، ابتداءً من قصر الحمراء نزولاً إلى فنون العمارة في الحمّامات الشعبية. نقرأ وصفاً لحمّامات النساء في مرسية كما في غيرها من المدن الأندلسية. كان حمّام النساء في الأندلس أشبه بالنادي الأدبي، تجتمع فيه النسوة طوال الصبحيّة أو طوال الظهيرة. وتزدان أروقة حمّام النساء وجدرانه الرخاميّة بأبياتٍ من الشِعر مثل:
إن حمّامنا الذي نحن فيه
ماء فيه وأيّة نار
قد نزلنا به على ابن معينٍ ورَوَينا عنه صحيحَ البُخاري
وعند دخول النسوة إلى الحمّام تقوم الخادمات المرافقات بتنظيف دكّة الجلوس بالماء والحامض، ويُرَشّ عليها ماء الزهر. من بين الحاضرات
الشاعرة نزهون القلاعية الغرناطية، التي راحت تُنشِد لابن بَقِي :
حمّامنا كزمان القيظ مُحتَدِمٌ
وفيه للبَردِ صَرٌّ غير ذي ضَرَرِ
فتُجيبها الأُخرى بقولِ الأعمى التُطَيلي:
ضِدّانِ يَنعُمُ جِسمُ المرءِ بينَهُما كالغُصنِ يَنعُمُ بين الشَمسِ والمطَرِ
وكانت “الطيّابة” تضَع على رأسِ السيّدة المُغتَسِلة مخلوطاً من الورد والقرنفل والخزامى، لتَقوية شَعر الرأس، ثم تعود بخليطٍ من قشور الجوز الأخضر المدقوق والمضروب بدهن السمسم، لأنه نافع في تسويد الشَعر!
هذه الأوصاف الباذخة قد تكون مما يوجَد في مجتمع عِلية القوم، لكن ما هو أدنى من ذلك لا يُستَبعَدُ أن يوجَدَ في ما دون ذلك من مستويات.
لم تكن مظاهر الحياة السعيدة هذه في بلاد الأندلس خُلواً من المنغِّصات والمخاطِر. ففي عام571هج/1175م حلّ وباء الطاعون ببلاد المغرب والأندلس، كما حلّ قبله ببلاد أوروبية أُخرى، فدُعيَ باسم “الموت الأسود”.
وقد وصل هذا الوباء إلى الأندلس عبر السفُن القادمة من بلاد بعيدة، تحمل السِلَع، وتكثُر في مخازنها السُفلى الجرذان والفئران التي تتسبّب في تلوّث الهواء الذي يتنفّسه الناس فينقل إليهم المرض. وقد استمرّ الطاعون في الأندلس أكثر من سنة ونصف، ومات من الناس كثيرون، حوالي 200 كل يوم، ومنهم أشياخ الموَحِّدين، والخليفة أبو يعقوب وأخوه. ونقرأ مثل هذه الأوصاف في كتاب الإنكليزي دانيال ديفو بعنوان “يوميّات عام الوباء” الذي ضرب لندن عام 1665.
وإلى جانب الوباء كانت هناك مخاطر الحروب التي يشنّها الإسبان المسيحيّون على الأندلسيّين المسلمين الفاتحين، مما وصل إلى شكله النهائي في ما دُعيَ باسم “حرب الاستِرداد” التي انتهت في 1/1/1492 بخروج آخر ملوك الأندلس أبو عبدالله الصغير. نجد الشعر ماثلاً في وصف ذلك الانكسار، نتيجة الخصومات بين الأمراء وانعدام الوحدة، إذ خاطبت أم الأمير في خروجه من غرناطة وهو يبكي:
إبكِ مثل النساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِ
لقد دام زمان الوصل بالأندلس ثمانية قرون بدأت بدخول طارق بن زياد القائد المسلم الذي كان من أول أعماله غير الحربية عند دخوله الأندلس أنه وجد الأمير الإسباني يضطهد اليهود، وكان منهم جالية كبيرة في الأندلس. فكان ذلك الأمير المسيحي يفرض على من بلغ السابعة من العمر من اليهود أن يعتنق المسيحية بالإكراه. فأوقف طارق ذلك الإجراء، وهذا ما يُذكر للقائد المسلم الذي لا يرضى بالظُلم بسبب الاختلاف في الدين.
لكن طارق سُرعان ما استدعاه إلى دمشق الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، مع زميله القائد الآخر موسى بن نُصَير. وتذكر التواريخ أن الوليد كان يطمع بالاستحواذ على ما غَنِمَ القائدان من ذهب ونفائس، ليستبقيها لنفسه دون بيت مال المسلمين. وكان الوليد سكّيراً خليعاً، يُروى عنه أنه مرّةً لعِبَت الخمرة ّبرأسه فأخذ المصحف الشريف ووضعه على عمود ورماه بسهم ومزّقه وهو يُنشِد:
إذا ما جِئتَ رَبّكَ يومَ حَشرٍ فقُل يا ربِّ مزّقني الوليدُ
ولا يُعرف ما جرى لطارق وزميله بعد تلك المقابلة الملكية. فقد قيل إن الوليد قد قضى عليهما. وقيل إن الوليد قد نزع عن طارق كل ما يُعينه على العيش، وقيل إن طارق كان يجلس بباب الجامع الأموي يستجدي لقمة العيش. وليس من سبيل إلى التحقّق من تلك الأخبار، لكن طارق لم يَعُد له أثر بعد تلك المقابلة. وهذا أبعد ما كان منتظراً لرجلٍ أنجز ما أنجز لدولة العرب والإسلام.
جادك الغيثُ إذا الغيثُ همى يا زمان الوصلِ بالأندلُسِ.