البحث عن الله

إبراهيم عبد المجيد٭

أكبر كمية دعوات إلى الله بأن ينقذنا من الوباء والبلاء، ترتفع الآن في كل العالم، وتجد لها مساحة كبيرة جدا على صفحات الميديا. لن أقول كيف ترعرع في وادينا الطيب كل هذا الإيمان، لأن الأصل في الديانات كان بحث الإنسان عن معين، أو عن ملاذ في هذا العالم الصعب.
فالإنسان الأول البدائي الذي لم تكن لديه القدرات على مواجهة الطبيعة من حوله، بكوارثها وحيواناتها المفترسة وأنهارها الفائضة، التي تغرق كل شيء، بما فيها من حيوانات ضخمة، وكلها عوامل هدم لحياته، أصابه الارتباك الذي أنتج سؤالا كيف يتجنب كل هذه الظواهر القاتلة. ماذا يحدث لو أحبها وطلب منها الشفاعة والانتصار له، ألا يمكن أن تساعده بالابتعاد عنه إذا كانت خطرة، وبمناصرته ودعمه إذا كانت طيبة. خضع لها ووضعها في مكان أعلى منه، ورسم لها أشكالا على حيطان كهوفه، وصمم لها تماثيل صغيرة يتطلع إليها كل يوم، وصارت آلهة متعدد بتعدد البيئة والمكان. سواء حدث أم لم يحدث أن ساعدته بابتعاد شرها، أو تقوية قدراته علي التحمل، فقد استقر في روحه أنه الآن يتجنب الأشرار منها، ويساعده الخيرون. وسواء كان يعرف أو لا يعرف، فحالة الاقتناع الروحي تغير في الكون فيستجيب له، أو يرى هو كذلك، إذ يتغير سلوكه ويضيع منه الهلع العظيم مما حوله، وتبدو الحياة وقد صارت أجمل وأقل خطورة.
إنها حالة الاقتناع الروحي، التي يستجيب لها الكون حولك وما زالت، فيمكن لك فجأة أن تتذكر بشغف حبيبا غائبا فتجده أمامك، عابرا أو يدق عليك التليفون أو الباب. لم تكن إذن عبادة الحيوانات وغيرها كُفرا، لكنها كانت بنت التفكير التشخيصي للإنسان البدائي، الذي هو أقرب إلى تشخيص الأطفال في التفكير. لقد عبدت قبائل أو جماعات، حيوانات مثل التمساح والجعران في مصر والصقور وغيرها في الصحارى والأنهار مثل، النيل الذي كانت تقدم إليه القرابين. وحتي الآلهة المُتخيلة كنت تجد لها رؤوسا من الطيور أو الحيوانات. والقربان بدون تفكير عميق هو مثل الهدية التي تقدمها لحبيب لك ليرضى عنك، أو يحتفل بك. بالمناسبة أكثر القرابين في الدنيا تم تقديمها للنساء! وقعت الواقعة التي تحدث في كل الأديان، فقد ازداد تعظيم هذه الآلهة بإقامة المعابد وصار لها كهنة. كان فيها الجانب الطيب إذ أُلِّفت الأفكار الصالحة ونُسِبت إليها، أو وضعت على لسانها، باعتبار أنها الضامنة للعدل الذي اتسع بعيدا عن الكوارث ليشمل العلاقات بين الناس نفسها.
وكما أن هذه الآلهة تبعد شرور بعضها وشرور الطبيعة، وتأتي بخير البعض، فلابد ستفعل ذلك مع البشر، ومن هنا تشابه كل ما كتب أو نقش على المعابد القديمة في حضارات مثل الفرعونية والبابلية والآشورية، وهي الأقدم بين الحضارات. تشابه في ترسيخ العدل وعقاب الظالم، وهكذا صارت باعثة على الأمل.
حدث الجانب الآخر من بناء المعابد وظهور الكهنة، إذ تعاظم سلطانهم وصاروا مراكز قوة كبيرة في وجود الحاكم، فجاء حاكم مثل أخناتون يقول إنه إله واحد هو الشمس، ليتخلص من قوة الكهنة الذين صار من عملهم الكسب، غير القوة التي جعلتهم، باعتبارهم ممثلي الآلهة كأنهم آلهة لا يأتيهم الخطأ من خلفهم أو من أمامهم، وهو الأمر الذي تكرر في كل الأديان التوحيدية أيضا للأسف. عانت منه المسيحية كثيرا حتي بداية العصر الحديث، ولايزال يعاني منه المسلمون، فغير مسموح انتقاد من يسمونهم علماء الدين، كأنهم تلفعوا بغمامة من الإله. وانتعشت كلمة كافر بعد الأديان التوحيدية، وهي تعني من لا يرى أمامه فصار من لا يعبد الله كافرا، لأنه لا يرى أمامه الدين الجديد، وحين غزا العرب بلدا واسعا مثل مصر، أطلقوا على القرى البعيدة كفورا، ولا يعنون أنها كافرة لكنها بعيدة عن الأنظار.

ومادام الله فكرة للحماية من شر الأرض بحيواناتها وبشرها، فهو الأقرب في الكوارث الكبرى، رغم أن الحل الوحيد لها هو العلم والتقدم العلمي، لكن من ينتظر حتى يتم هذا، فالموت راضيا أعظم من الموت انتحارا، والنتيجــــة السيئة ستكون قدرا فلنتوسل إليه.

لا تجد ذلك في شرق آسيا، حيث الديانات البوذية والكونفوشية، فتجد الشخص الذي ينحني لتمثال صغير لبوذا في البيت وهو خارج إلى عمله، يمكن أن يأتي غاضبا إذا لم يوفق في الخارج، يحطم التمثال الصغير ويشتري أو يصنع آخر في اليوم التالي، أو يلومه وينظر إليه غاضبا معاتبا. لا يتخلى في كل الأحوال عن عبادته فالفكرة القديمة أن الدين مريح، لا تزال هي الفكرة الأكثر صوابا حتى الآن، فكم من آلاف يقع عليهم ظلم النظم الديكتاتورية، ولا يملكون إلا «حسبي الله ونعم الوكيل»، فتستمر الحياة. ورغم آلاف السنين التي مرت فعدد المؤمنين لم يقل أبدا عن عدد الملحدين وعدد المفكرين المؤمنين لم يقل أبدا عن عدد المفكرين الملحدين، أما الفنانون الذين قد لا يقيمون الصلاة ولا الشعائر الأخرى، فهم يشعرون وهذا حقيقي، أن حبل الإيمان متصل بالله، الذي يوحي إليهم بما يفعلون، وتجد الموهوبين منهم من أكثر الناس تعاطفا مع الغير ويصل التعاطف إلى حد الجنون مع ما يبدعونه، بل يرون بإدراك أو بغير إدراك أن ما يبدعونه هو العالم وما حوله هو الوهم. هكذا صار الإيمان قرين الحياة على طول التاريخ لا يفسده إلا كهنته والحكام المحبون لهذا النوع من الكهنة، شيوخ السلطان في كل زمان ومكان.
ومادام الله فكرة للحماية من شر الأرض بحيواناتها وبشرها، فهو الأقرب في الكوارث الكبرى، رغم أن الحل الوحيد لها هو العلم والتقدم العلمي، لكن من ينتظر حتى يتم هذا، فالموت راضيا أعظم من الموت انتحارا، والنتيجــــة السيئة ستكون قدرا فلنتوسل إليه.
هكذا أرى التدفق الإيماني حولي في العالم، الذي امتد ليشمل أيضا بعض الحكام، حتى الذين هاجموا قرارات من نوع إغلاق المساجد والكنائس، فهم لا يختلفون عمن أغلقوها، فهؤلاء يعرفون أن الله لا يعني الاستسلام وهو في غني عن عبادتنا له، وأولئك لا يريدون غضبا من الله أكثر كما يتصورون. لقد صار الله محورا في الباطن والظاهر حتى لو كان كثير من اللاجئين إليه الآن قد اقترفوا في الدنيا كل الآثام، حكاما بقتل وظلم الشعوب، وشعوبا بالافتراء على بعضهم بعضا، والنهب الشائع بينهم وغير ذلك مما تراه حولك. لا يختلف الاقتراب من الله عن الفكرة الأولى أنه طلب للحماية، بعده سيعود الظالمون إلى ظلمهم والباغون إلى بغيهم والقتلة إلى قتلهم، والمساكين سيظلون على رضاهم بالقدر المحتوم، وسيرى الجميع أن ما حدث في الدنيا من موت بالآلاف لم يكن سيئا، بل تنبيها من الله سرعان ما يعودون عنه إلى ما يفعلون. هكذا سيظل الدين ملجأ لتفادي الرعب ومكانا للطمأنينة كما هو من البداية، ويستمر الإنسان في محاولة امتلاك العالم والتربص بالآخر، وحين يصيبه العجز يلجأ إلى الله.
لا يسبب لي كل هذا الإيمان الذي يندلق كالسيل على الميديا أي مثير للسخرية، فكما كان يفعل البدائي يفعل المتحضر، وستظل الإنسانية أضعف من كل مظاهر القوة التي يبديها البشر على بعضهم، وسيظل الحكام أضعف من كل مظاهر البطش التي يبدونها علي محكوميهم، حتي لو كانت الآلهة تضحك علينا في السماء.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية