يتساءل كثيرون من الباحثين والأكاديميين الاختصاصيين في التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط إذا كان مارك سايكس، المفاوض البريطاني الأساسي في اتفاقية سايكس بيكو التي وُقعت بين بريطانيا وفرنسا في عام 1916 بعد سقوط الدولة العثمانية، شخصاً مخادعاً أخفى عن قصد عن حلفاء بريطانيا العرب كونه أجرى مفاوضات سرية مع الركن الفرنسي في هذه الاتفاقية فرانسوا جورج بيكو وأنهما توصلا إلى تقسيم جغرافي ـ سياسي للمنطقة لا يتناسب مع وعود الإمبراطورية البريطانية لقادة المنطقة العرب الذين تحالفوا معها ودعموها في الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا وحلفائها.
في كتاب صَدرَ مؤخراً عن سيرة ونشاطات فضلو حوراني، أحد قادة المجموعة العربية الأصل في مدينة مانشستر البريطانية، التي دعمت ماديا ومعنويا الحملة البريطانية في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى بعنوان: “فضلو حوراني التاجر الهادئ في مانشستر” يوضح مؤلفاه سيسيل وزلفا حوراني (نجل وحفيدة فضلو) الكثير من الأمور عن هذا الموضوع، علماً أن فضلو حوراني، اللبناني الأصل وشخصيات عربية بارزة أخرى في مجموعة مانشستر، التقوا مارك سايكس شخصياً وقدموا إليه تبرعات من مجموعتهم التي سميت آنذاك “الجمعية السورية في مانشستر” لدعم حملة الجنرال البريطاني اللنبي التي هزمت الجيش المؤيد لألمانيا والدولة العثمانية واحتلت فلسطين وسوريا وجوارهما بمساعدة الشريف حسين.

يقول المؤلفان في الفصل الرابع بعنوان: “فضلو والحرب العالمية الأولى” كانت هناك جمعيتان عربيتان بارزتان في بريطانيا أيدتا قوات الحلفاء في هذه الحرب إحداهما في مانشستر بقيادة حوراني والأخرى في لندن بقيادة باتريس دو زغيب، اختلفتا حول أهداف وطبيعة التأييد للحلفاء، فمجموعة مانشستر كانت تدعم التعاون البريطاني الميداني والسياسي بشكل رئيسي مع الشريف حسين لتأسيس دولة عربية موحدة بقيادته كما وعدت بريطانيا، تضم سوريا وفلسطين والعراق وما سمي لاحقاً بالأردن ولبنان والحجاز، فيما كانت مجموعة زغيب تهدف إلى نشوء دول متعددة في المنطقة تؤمن حقوق الأقليات الدينية والاثنية واللغوية بشكل أساسي وليس لإنشاء مجموعة قومية ضخمة تذوب فيها هذه الأقليات، أي أن مجموعة مانشستر كانت ضد الموقف الفرنسي آنذاك الساعي إلى الهيمنة الفرنسية على سوريا ولبنان، وسلخ سوريا عن فلسطين وإبرام صفقة تعطي فلسطين وجوارها للانتداب البريطاني في مقابل انتداب فرنسا على سوريا ولبنان، وهذا ما حدث في اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916. وقد اجتمع فضلو حوراني مع زغيب، كما تواصل معه من خلال الرسائل المتبادلة بينهما في مطلع عام 1918 وتبين من هذه الرسائل وجود تصادم بينهما بالنسبة لأي جهة ستحل في السلطة مكان السلطة العثمانية في الشرق الأدنى والجزيرة العربية، وإذا كانت ستكون سلطة مركزية عربية موحدة (حسب حوراني ومجموعة مانشستر) ويحظى جميع سكان هذه الدولة بالحقوق نفسها، كما في التشريعات الأوروبية حيث الدولة تمثل الوطن، أو في المقابل بأن الدولة تمثل مجموعة من الأقليات الدينية والثقافية واللغوية في دول متفرقة أو في كيانات فدرالية داخل هذه الدول (كما في موقف زغيب).
ويبدو مما ورد في هذا الفصل، أن مارك سايكس كان “يلعب على الحبلين” في مشاوراته مع المجموعتين العربيتين ويمارس الازدواجية وأن فضلو شعرَ بهذا الأمر ولكنه لم يرغب بالخلاف والمواجهة مع سايكس وخصوصاً لأن المجموعتين العربيتين لم تمتلكا صفة رسمية بل كانتا تشاوريتين وداعمتين للحلفاء تسعيان لإثبات ولائهما لسياسات بلد المهجر الذي تعيشان فيه.
ومما أثبت الازدواجية في مواقف سايكس أنه كان يجتمع مع زغيب لتحضير البيانات التي سترسلها المجموعات العربية إلى وزارة الخارجية البريطانية والتي ستؤيد مواقفها ويأخذ في الاعتبار ميول زغيب نحو الموقف الفرنسي بالنسبة لفصل فلسطين عن سوريا (أي التقسيم) ولكنه يجتمع بعد ذلك بحوراني ويكيل له المديح على تأييد جمعية مانشستر الأساسي لبريطانيا وللجنرال اللنبي وعلى تمنياته لنجاح مهمة بريطانيا في إنشاء دولة موحدة حليفة لها بقيادة الشريف حسين تضم جميع المناطق العربية التي كانت تحت سلطة الدولة العثمانية.
ويقول المؤلفان إن الثقة من جهة مجموعة مانشستر بمارك سايكس كانت مهتزة، وشككت المجموعة بمواقفه منذ البداية، إذ لو لم تفصح روسيا وجود اتفاق بريطاني ـ فرنسي سري حول انتداب فرنسي على سوريا وجوارها، لما علمت المجموعة بذلك ولربما تحفظت في تقديم الدعم المالي والإعلامي لحملة الحلفاء.
ويؤكد الكاتبان أن الوالد أبلغ نجله انه سأل سايكس عن مبررات الموقف الغامض والمتردد لبريطانيا بالنسبة إلى إنشاء دولة قوية موحدة أو مجموعة دول تتقاسم بريطانيا وفرنسا النفوذ فيهما في المنطقة، وأن فضلو أحرج سايكس في هذا السؤال. وفي رأي فضلو فإن سايكس لم يكن محترفاً بما فيه الكفاية ليتسلم مهمة ضخمة كتقسيم المنطقة العربية برمتها، علماً أن أصحاب القرار الفاصل في هذا الشأن كانوا أعضاء الحكومة، البريطانية بقيادة لويد جورج واللورد كيرزون ووينستون تشرتشل (ص 79).
ويوضح المؤلفان في الفصل الثاني عشر بعنوان: “فضلو وفلسطين” أنه لدى طرح فضلو السؤال على مارك سايكس ما هو تفسيره للازدواجية والغموض في الموقف البريطاني بالنسبة لتقسيم المنطقة؟ أجابه سايكس: “منذ بداية مفاوضاتي مع فرانسوا جورج بيكو حول مستقبل سوريا أوضح بيكو أن ما يهم فرنسا أولاً في الشرق الأدنى العربي هو نفوذها الرئيسي في سوريا وما يهمها في أوروبا سيطرتها على منطقتي الألزاس واللورين”. وأضاف سايكس في رده أن “بيكو لم يقبل التراجع قيد أنملة عن موقفه إزاء تقسيم سوريا الكبرى. وبما أن بريطانيا لم ترغب في فشل المفاوضات مع فرنسا، فقد توصلت معها إلى تنازل وحل وسطي مساوم في الموضوع السوري. وهذا أفضل ما كنا قادرين على فعله” (ص 284).
وأبلغ فضلو نجله سيسيل في رسالة وجهها إليه عن الموضوع أنه لم يكن لديه إثبات للشك في ما قاله سايكس، ولكن من المؤسف أنه تمت التضحية بسوريا في كنف الأطماع الاستعمارية للدولتين البريطانية والفرنسية وتم تقسيمها إلى منطقتين جغرافيتين هما سوريا (الحالية) وفلسطين من دون التشاور مع الشعوب المعنية بالأمر، وتم بعد ذلك اعتماد سياسة: “فرق وقسِّم فتسُد” ما دفع الناس في المنطقة إلى الحسرة على أيام الحكم العثماني ـ التركي (ص 284).
أما بالنسبة إلى “وعد بلفور” (الذي تحقق في عام 1917) فإن الوضع كان حساساً، حسب ما قال فضلو في خطاب ألقاه في مانشستر، فحاييم وايزمان القائد الأساسي للحركة الصهيونية في بريطانيا أنجز اكتشافاته العلمية في حقل الكيمياء في جامعة مانشستر. وهذه الاكتشافات خدمت بريطانيا وحلفاءها في الحرب العالمية الأولى والثانية، وجلسَ على مقاعد البرلمان البريطاني لمدة ثلاثين عاماً ممثلاً مدينة مانشستر، وبالتالي فبذور “وعد بلفور” زُرعت في هذه المدينة.
وفي هذا الخطاب الذي ألقاه فضلو في جامعة مانشستر في عام 1943 أمام حضور دبلوماسي وأكاديمي رفيع، فرّقَ بين اليهودية والصهيونية فاليهود (حسب ما قال) “يطمحون بالعودة إلى فلسطين لممارسة معتقداتهم الدينية وللتنقل بحرية في ذلك البلد وربما لقضاء حياتهم فيه ثم الموت والدفن في أرضه، وهذا شأن لا يتعارض مع تعاليم الإسلام والمسيحية ولا مع مواقف سكان فلسطين، فالقرآن الكريم يعتبر اليهود من أهل الكتاب.
أما معارضة العرب والمسلمين للصهيونية فعاد إلى تشجيعها على هجرة اليهود المكثفة ودعمها للطريقة الجماعية التي تجري فيها هذه الهجرة ولاعتبارهم أنفسهم أصحاب الأرض، ومن ثمة بث هذه الأيديولوجية لدى قادة بريطانيا ودفعهم لإصدار وعد بلفور. أملاً في تحقيق طموحاتهم في المستقبل”.
وأضاف: “وعد بلفور أكد ضرورة عدم المس بحقوق السكان الأصليين ولكن من دون تحديد مَنْ هم هؤلاء السكان. المسؤولون في الحكومة البريطانية الذين قروا وعد بلفور ربما فعلوا ذلك بدوافع إنسانية وليس حصراً لدوافع دبلوماسية. وبالرغم من ذلك، فإن وعد بلفور كان منحازاً إلى جهة واحدة ولم يحدد هوية الذين يجب التعامل معهم بطريقة تضمن حقوقهم بل قال فقط: الذين هم من غير اليهود، وهذا قد يعني الفئات الاثنية الأخرى بشكل عام من دون تحديد السكان العرب الفلسطينيين (ص 287 ـ 288)”.
واعتبر فضلو في موقف لاحق له، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أن “تأسيس دولة حصراً يهودية في فلسطين من دون تطبيق أي شروط هو أمر سخيف وسياسة فاشلة” (ص 290).
الكتاب عموما لا يركز فقط على نشاطات فضلو حوراني في جمعية مانشستر العربية في مطلع القرن الماضي بل على حياته ونشاطاته عموماً. فهو كان رجل أعمال ناشطا في حقل المنسوجات والأقمشة، شأنه شأن كثيرين من المغتربين العرب في تلك المنطقة من بريطانيا وفي تلك المرحلة. وكان يتنقل بين بريطانيا والبرازيل ولبنان وأمريكا ويُشرف على أعمال خيرية ونشاطات ثقافية وتعليمية.
وقد درس في شبابه في “الكلية السورية البروتستانتية” في بيروت التي أصبحت لاحقاً “الجامعة الأمريكية”.
وخلال وبعد الحرب العالمية الثانية تأثرت أعماله التجارية في بريطانيا سلباً وتعرضت مكاتبه في مانشستر للقصف والتدمير عام 1940 وأصبح من الصعب جداً عليه القيام برحلاته التجارية. ولكنه لم يستسلم واستمر في العمل وأضاف إلى نشاطاته في التجارة دوراً اذاعياً تثقيفياً في “هيئة الإذاعة البريطانية” في لندن، كما وسع مشاريعه الثقافية والتعليمية في لبنان بعد الحرب وجمع التبرعات من المغتربين اللبنانيين والعرب في بريطانيا وأمريكا والبرازيل ونجح في إنشاء كلية ما زالت قائمة في بلدة مرجعيون الجنوبية اللبنانية مسقط رأسه الذي بقي وفياً له حتى وفاته.
توفي فضلو عام 1960 تاركاً أثراً كبيراً في عالم الاغتراب اللبناني والعربي. ومن أثره العائلي أبوّته لثلاثة من أبرز الخبراء في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي وهم جورج وألبرت وسيسيل حوراني. جورج حاضَرَ في أبرز الجامعات الأمريكية، وألبرت في كلية سانت انتوني في جامعة أكسفورد البريطانية وسيسيل مؤلف هذا الكتاب، كان مستشاراً للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ولولي العهد الأردني الحسن بن طلال.
Cecil and Zelfa Hourani: “Fadlo Hourani: The Quiet Merchant of Manchester”
Antoine, Beirut 2020
409 pages.