أين الإعلام الليبي؟
هذا هو سؤال الوقت، بعد الانتصارات، التي حققتها قوات الحكومة الشرعية برئاسة فايز السراج، على ميليشيات خليفة حفتر، لا سيما وأن الأخبار تأتي من هناك شحيحة، ومعظم أخبار الانتصارات تأتي من قبل المهزوم وأعوانه وذبابه، وهم يطلبون عوناً عربياً، وامداداً دولياً!
قبل سنوات شاركت في برنامج رمضاني في مثل هذه الأيام يُنتج لصالح قناة ليبية تبث من إسطنبول، وتحمل اسم “الرائد”، والتي لملمت معداتها وأغلقت مقرها وغادرت إلى ليبيا، فلم يعد لهم حاجة للبث من الخارج، لكن يتردد أن محطات تلفزيونية أخرى تبث من تركيا تتبع الحكومة الشرعية، ولا نعرف عنها شيئاً، ولا يمكن الاعتماد على القنوات المصرية: “مكملين”، و”الشرق”، و”وطن”، في ما يخص الشأن الليبي؛ فمن الواضح أنها تفتقد للعلاقة مع مصادر الأخبار، وتعوض النقص فيها بخطاب حماسي، على أهميته لا يغني عن حقيقة الخبر، الذي صار شحيحاً وعزيزاً، والبحث عنه صار مثل عملية العثور على إبرة وسط “كومة من القش”!
حفتر و”يوتيوب”
ولا يمكن كذلك الاعتماد على الإعلام الجديد، نظراً للمحاذير التي يضعها عند تناول الشأن الليبي، فمنصة مثل “اليوتيوب” تحافظ على خليفة حفتر، وتتعامل معه على أنه “محمية طبيعية” لا يجوز الاقتراب أو التصوير، والكلام عن أنها يمكن أن تمثل إعلاما بديلاً للتلفزيون هو حديث ينتمي إلى الأساطير، فلا يزال التليفزيون متربعاً على عرشه لم يزحزحه الإعلام الإلكتروني، ونحن في مرحلة سقطت فيها الكثير من الأساطير عن هذا الإعلام، فقد جذب الناس إليه ثم انقلب يفرض شروطه التي تفتقد للموضوعية، وتكشف استبداد القائمين عليه فأصبحوا ينافسون وزراء الاعلام العرب في ممارسة القمع!
استدعى مارك ابن ابيه، عزاءً قديماً توجهت به لخالد مشعل في وفاة والدته ليؤكد لي أن هذا يخالف معاييرهم، ثم استدعى مجرد تصريح نشرته لحسن نصر الله وبدون توصيف نصه إن الحريري مسجون في السعودية، وقال الشيء نفسه: إن هذا يخالف معايير الفيسبوك، وعليه تقرر في الحالتين إزالة المنشور، وحرماني من البث المباشر لمدة تسعين يوماً.
ومن هنا فلا بديل عن القنوات التليفزيونية التقليدية، والتي لم نعثر لها على أثر في الحالة الليبية، فضلاً عن أننا لم نعثر كذلك على صحف الكترونية، أو حتى صفحات على “الفيسبوك” أو “تويتر” للحكومة تنشر فيها تصريحاتها، في وقت نشاهد فيه للمرة الأولى حرباً بدون متحدث عسكري، فهل هذا توجه فايز السراج واخوانه؟! ولماذا؟! وماذا سيعود عليهم من هذا التعتيم الإعلامي؟!
قوات الحكومة الشرعية حققت وتحقق الآن انتصارات هائلة على ميليشيات خليفة حفتر، وحررت الساحل الغربي، وبلغت المدن التي حررتها ثمان، في قول، وسبع في قول آخر، وذلك على خلاف ما كان يتردد في البداية بأن جملة المدن التي تم تحريرها ودحر العدوان فيها هي ما بين أربع وخمس مدن!
وقد نُقل على لسان السراج كلاما يليق بهذه الانتصارات، قبل أن يختفي، عندما أعلن عن تدمير الأليات العسكرية التي كانت بحوزة الميليشيات، وأن ما لم يُدمر سينقل للمتحف الحربي. وأرسل رسالة لأسر العناصر المعتدية: “أبناؤكم الذين بعثتم ليموتوا على أرضنا سنعيدهم لكم في توابيت برفقة وثائقهم الثبوتية”.
وهناك كلام عن أسر من السودانيين والمصريين في هذه المعارك، لكن ليس هناك تأكيدات أو نفي، فهل الصمت بهدف إبرام صفقة لتحريرهم في هدوء، وهل يلدغ القوم من جحر عشرات المرات، وهل يتصورون أن الأعداء سيقبلون بالهزيمة ويلتزمون في بنود الصفقة في ما يخصهم؟!
لا كلام في القاهرة
لا توجد جهة رسمية تقول ما يجري بالضبط. ولا توجد قناة تلفزيونية أو إعلام بشكل عام ينقل الحقيقة أو بعضاً منه بمهنية ويلتزم بالموضوعية في النقل، فبدت ليبيا بسبب هذا التعتيم وكأنها خارج حدود العالم وكأنها تقع على الأطراف البعيدة للكرة الأرضية!
لتظل الأسئلة مطروحة بدون إجابات، كم عدد القتلى في هذه المعركة؟ وما هي جنسياتهم؟ وهل من بين الأسرى فعلا أسماء كبيرة، كما يُعلن على صفحات البعض في الـ”سوشيال ميديا”، ربما من باب الأماني الطيبة؟!
في المقابل لا كلام في القاهرة ينفي أو يؤكد ما ينشر على الـ”سوشيال ميديا” من أسر أو قتل لعدد من الجنود المصريين، والإعلام الذي كان في المعارك السابقة التي يقودها خليفة حفتر، يشن جام غضبه على الحكومة الشرعية ويهينها، لا يفعل شيئا من هذا الآن!
الأذرع الإعلامية في مصر نجحت إلى حد كبير في تشويه صورة الحكومة الشرعية في ليبيا وتصوير قواتها على أنها ميليشيات غازية ومجموعات إرهابية، تواجه الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، والحكومة ليس لديها إعلام يرد على ذلك، ولو بوضع الحقيقة المجردة التي هي كفيلة بتوضيح الموقف ليقف الناس على أن قائد الميليشيات، والذي يحوز على دعم الثورة المضادة والموفد الغربي إلى ليبيا هو خليفة حفتر، العائد بعد ثلاثين عاماً قضاها في “الحضانات الأمريكية” لاكتمال نموه!
لم يخرج علينا أحمد موسى ليهاجم فايز السراج، ولم يتطاول عليه متطاول هذه المرة، فهل هذا دليل على صحة ما يتردد؟! والقوم أصابعهم تحت ضرس الحكومة الشرعية في ليبيا، ويعتمدون الآن المثل الانتهازي الذي يقول إن اليد التي لا تستطيع أن تقطعها قم بتقبيلها!
حتى لو أن هذا صحيحاً، فإن الهدنة ستكون من أجل الغرض الذي فرضها، فهل هناك من ضمن الأسرى قوات مصرية فعلاً؟
مهما يكن الأمر، فليس السيسي وإعلامه من يتجاهل ما يحدث في ليبيا التي يعتبرها امتداده الإستراتيجي، ليس لأنها دولة حدود وأن الإرهاب يأتي من هناك، فالحقيقة لم يثبت أن إرهابا دخل مصر من حدودها مع ليبيا، فالاهتمام بها راجع إلى أنه مكلف بمهمة افشال الثورة هناك، وفرض الجنرال المحمي بالإرادة الأمريكية والروسية، الذي ربته واشنطن واشترته موسكو، وإن كان المثل المصري يقول إن من ربى خير ممن اشترى. وإن كانت التربية عملية شاقة ومرهقة وقديما قالت العرب: “شراء العبد ولا تربيته”!
يوسف زيدان يفتي
الإعلام المصري لم يتجاهل فقط ما يجري في ليبيا هذه المرة، ولكنه في الوقت نفسه ذهب إلى قضايا الإثارة والإلهاء، وقد ختم برنامج الأجهزة الأمنية “التاسعة مساء” أسبوعه في استضافة “يوسف زيدان” وكلما أرادوا الهاء الناس تمت استضافته في محاولة لشغل الرأي العام في قضايا تافهة، فجيء به يفتي في أمور الدين، فكان طبيعيا أن يأتي بالعجائب، وما علاقته بالفتوى والإفتاء؟!
لقد أعلن زيدان ضرورة الإفطار في رمضان بسبب فيروس كورونا، وأكد أنه في زمن الوباء لا جماع بين الأزواج، وأن الشيوخ لا يحل لهم الفتوى. فمن أعطى المذكور سلطة الإفتاء إلا سلطة غريبة الأطوار!
لقد كانت مشكلة الأنظمة فيما مضى في قيام غير المختصين في العلم الشرعي بالإفتاء، وهي تقصد بذلك الجماعات الدينية المناوئة لها، لكن لم نكن ندري أن الحديث عن أن الإفتاء من اختصاص المجامع العلمية هي مرحلة تنتقل بعدها إلى مرحلة أن يكون الإفتاء من سلطة الفنانات ويوسف زيدان، وقد أفتت يسرا بأن عمرو بن العاص من “الأربعة المبشرين بالجنة”، وأفتت ايناس الدغيدي بأن الحجاب عادة، وقالت إلهام شاهين بحرمة النقاب!
فهل الإثارة، التي يقدمها يوسف زيدان الآن للتغطية على ما يحدث في ليبيا؟ ولماذا لا يهتم النظام الحاكم في القاهرة بالرد على ما يتردد عبر منصات التواصل من أسر بعض العسكريين على أيدي قوات الحكومة الشرعية؟!
وساطة تونس
من الواضح أن “قوات الحلفاء” تعاني أزمة حقيقية وهو ما يفسره هذا الاتصال الهاتفي، الذي أجراه حاكم أبو ظبي محمد بن زايد بالرئيس التونسي قيس سعيد، وإذا كانت الرئاسة التونسية أعلنت أن الاتصال دار حول العلاقة الأخوية بين البلدين، إلا أن المؤكد أنه لطلب وساطة “قيس سعيد”، وحتى تفتح تونس ممرا آمنا لهذه القوات بين أسرى ومن تولوا يوم الزحف، وقد بدأ رئيس تونس بالتحرك فأجرى اتصالاً هاتفياً بفايز السراج!
الاتصال بدا كما لو كان تصويب موقف، واعتذارا عن تصريح لوزير الدفاع التونسي وصف فيه قوات السراج بأنها ميليشيات تماشياً مع خطاب الثورة المضادة، لا سيما وأن المعلن أن الرئيس أكد انحيازه للحكومة الشرعية، بعد موقفه القديم بأن بلاده تقف على الحياد!
ومع الشح المطاع في الأخبار، أستطيع القول إنه اتصال وساطة وليس شرحا أو تبريرا، فقد كان الأمر يكفي فيه إصدار بيان رئاسي، يعنف وزير الدفاع الذي خرج عن اختصاصه الوظيفي، فما هو الوضع الدستوري لوزير الدفاع في تونس، ليدلي بحديث كهذا، ولماذا يبقى في موقعه إذا كان بينه وبين الرئيس كل هذا التناقض، في موقف استراتيجي يخص الأمن القومي كهذا، فلم يختلف معه في الموقف من “الحداثة”، أو طريقة طهي الكسكسي!
وكانت قناة “حنبعل” التونسية قد استضافت وزير الدفاع في مقابلة ومن هناك قال إن المعابر الحدودية بين تونس وليبيا تسيطر عليها “الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق” وهو التصريح الذي احتفت به قناة “العربية كوميدي”.
ومهما فعلت “العربية” فلن نمل من سؤال العام 2020: أين منتهى الرمحي؟!
صحافي من مصر