عندما تتطرق المصادر السياسية والإعلامية والأكاديمية لموضوع حزب الله، يعتبر كثير منها أن هذا الحزب هو لبناني الهوية فحسب، فيما يرى باحثون متخصصون في هذا الشأن أن الحزب امتلك جذوراً إقليمية عربية تتجاوز حدوده اللبنانية وتحالفه مع إيران وترتبط بالعراق بشكل خاص.
الباحث الفلسطيني عبد توفيق كناعنة، الذي تخصص في شؤون الشرق الأوسط والأكاديمي في جامعة رور في بوخوم (ألمانيا) وفي كتاب بعنوان “هيمنة المقاومة” أوضح ارتباط قادة حزب الله السابقين والحاليين فكرياً وعقائدياً بالعالم العربي وخصوصاً بالمرجعيات الدينية في النجف في العراق.

ويوضح الكاتب أن أُسس عقيدة وسياسات حزب الله تحت قيادة أمينه العام الحالي حسن نصر الله، انطلقت منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في أفكار ونظريات كبار منظّري الثورة الإسلامية الشيعية في النجف في العراق ثم انتشرت في المنطقة، وبينهم المرجع الديني العراقي محمد باقر الصدر والإمام اللبناني موسى الصدر وآية الله اللبناني محمد حسين فضل الله بالإضافة إلى المرجعين الإيرانيين آية الله روح الله الخميني والمفكر الإسلامي الليبرالي التوجه علي شريعتي.
يؤكد كناعنة أن جميع هؤلاء مروا في رحلتهم الفكرية ـ الدينية في النجف في العراق وتجاوزوا في مواقفهم الفكرية والسياسية المبدأ القائل بأن رجل الدين المسلم عموماً، والشيعي خصوصاً، عليه اعتماد مبدأ اختيار موقف الانتظار وعدم الخوض في عمليات التغيير الثوري في المجتمعات التي يمارس فيها عمله وذلك بدافع الصبر وانتظار عودة الإمام المهدي المنتظر (الإمام الثاني عشر بين الأئمة المسلمين الشيعة بعد الخليفة علي بن أبي طالب ونجله).
يقول الكاتب في المقدمة إن هدفه كان دراسة حزب الله والتعمق في بحث قضية إسهامه في تطوير فكرة المقاومة وتحويلها إلى ثقافة ومشروع سياسي اجتماعي وأداة لتوسيع نفوذه في الساحة العربية عموماً وفي لبنان والعراق وسوريا وفلسطين خصوصاً.
ويؤكد أن الإمام موسى الصدر وآية الله العظمى محمد حسين فضل الله، ساهما في تعريف المقاومة الإسلامية كمشروع يشمل المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا، وكمشروع إسلامي سياسي ووطني قومي عربي يعمل فيه المسلمون وغير المسلمين كجسم سياسي واجتماعي واحد وتدعمه بيئة حاضنة تضم المستضعفين في فلسطين ولبنان والوطن العربي عموماً، ويسعى لإعادة الحقوق الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمحرومين.
مشروع مقاومة حزب الله في لبنان، في رأي كناعنة، كان موجهاً في بدايته ضد النخب الشيعية الاقطاعية التي كانت تهيمن على جنوب لبنان وبقاعه، وضد الفئات من الطوائف الأخرى (السنية الغنية والمارونية المسيحية) التي همّشت الفقراء، وحرمت الطبقات العاملة والمحدودة الدخل من حقوقها. وتزامن هذا مع مشروع المواجهة السياسية والعسكرية للهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية في المنطقة الذي تحوّل لاحقاً إلى مشروع تحقيق وطن منفتح لجميع أبنائه ودفاع عن المستضعفين في العالم العربي والإسلامي، وهو في رأي الكاتب غير مغلق على الآخرين وطريقة عمل وفكر بالإمكان تطويرها.
وهذا ما فعله حزب الله اللبناني. ففي بداية ومنتصف الثمانينيات من القرن الماضي ولدى انطلاقه في لبنان تأثر قادته بالثورة الإسلامية التي نجحت في تسلم السلطة في إيران عام 1979 ولكن في مطلع التسعينيات (وخصوصا بعد عام 1992 عندما تسلم حسن نصر الله أمانته العامة) أصبح التركيز ليس فقط على حيز المقاومة الميدانية العسكرية بل على المشاركة السياسية في وطن لبناني عربي تنصهر فيه جميع فئاته الاجتماعية والدينية والسياسية. وساهم هذا الموقف (في رأي الكاتب) في طرد إسرائيل من جنوب لبنان في عام 2000 والصمود في حرب عام 2006 وفي إفشال مشروعها التوسعي هناك، وتمخض عن ذلك الدخول الفاعل لحزب الله في الحياة اللبنانية والعربية (وخصوصاً في فلسطين والعراق وسوريا).
وقد عَرَض الكاتب تاريخ لبنان الحديث وعلاقته بالمنطقة العربية، وطرح مقاربة سياسية اقتصادية اجتماعية إلى جانب كونها تاريخية، وأشار في الفصل الثاني إلى نشوء تحالف بين ممثلي النخب البورجوازية اللبنانية المارونية والسنية العاملين في حقلي التجارة والمصارف منذ استقلال لبنان (عام 1943) وحتى الحرب الأهلية اللبنانية (عام 1975). وتمخض عنه (منذ التسعينيات وحتى الساعة) ما سُمي بـ”جمهورية التجار والمصارف” الذي يعارض تدخل الدولة في تنظيم السوق الاقتصادية الحرة. وتحدث مفكرون باسم هذه الجمهورية (على شاكلة ميشيل شيحا وغيره) عن أن لبنان بلدٌ فينيقي الجذور تحول لاحقاً إلى “سويسرا الشرق”. وبالتالي، لم تتدخل الدولة اللبنانية لتحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والصحي في مناطق كالجنوب والبقاع والشمال، وتحول البلد إلى مركز مالي للاستثمار للطبقات الغنية في المنطقة، ولكنه أصبح في الوقت عينه قابلاً للانفجار وخصوصاً بعد انطلاق عوامل سياسية إقليمية أخرى كنكبة فلسطين وما تبعها والانقلابات العسكرية في دول المنطقة وانتشار حالات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي عموماً فيها.
ويوضح كناعنة أن التقدم والازدهار الكبير الذي عاشته الدولة اللبنانية والذي سُمي “اعجوبة” اقتصادية، لم تستفد منها سوى الطبقة “الأوليغارشية” في البلد (ثلاثون أو ما يوازي عائلة غنية لم يكن بينها سوى القليل من العائلات المسلمة الشيعية). وخلال هذه التطورات، حصلت موجات كبيرة من الهجرة والنزوح داخل لبنان نحو المدن ما شكل أحزمة بؤس حول العاصمة والمدن الكبرى. وهذا أمر حصل ما يشابهه في بلدان عربية أخرى مورس فيها التمييز الاقتصادي والسياسي ضد الطوائف المستثناة من السلطة.
اجتياحات إسرائيل للجنوب وللبنان عموماً في عامي 1978 و1982 وفي مراحل أخرى، ساهمت (في رأي الكاتب، في الفصل الثالث) في تصاعد الدور الحاسم للقوة الراديكالية السياسية والعسكرية لحزب الله في لبنان والمنطقة بالإضافة إلى الاختفاء المريب للإمام موسى الصدر قائد حركة “أمل” خلال زيارته ليبيا عام 1978. فتحول حزب “أمل” إلى حزب “أمل الإسلامية” وبعد ذلك إلى “حزب الله” في لبنان والمنطقة.
وكان الإمام موسى الصدر شكّل خلال حياته ونشاطاته في لبنان والمنطقة نقطة إرتكاز صبت باتجاهها أموال المهاجرين اللبنانيين المقيمين في الاغتراب (خصوصا في افريقيا وأمريكا) والعائدين إلى لبنان من أبناء الطائفة المسلمة الشيعية. وكان هؤلاء اختاروا حركة الإمام الصدر للدعم كبديل عن الاقطاعيين من أبناء طائفتهم أو الأحزاب اليسارية في لبنان والمنطقة التي اعتبروها متطرفة سياسياً بالنسبة لتوجهاتهم. وشكّل اختفاء الصدر وغيابه شرارة لانطلاق “حزب الله” ليصبح المنظمة السياسية الشيعية الأقوى سياسياً وعسكرياً في لبنان والعالم العربي (في نظر الكاتب) فيما اتجهت حركة “أمل” بقيادتها اللبنانية الجديدة إلى اقتطاع جزء من الحصة الطائفية السياسية في لبنان (سماها الكاتب الكعكة الطائفية).
ضمت اللجنة التأسيسية الأولى لحزب الله في لبنان والمنطقة تسعة قياديين منهم الأمين العام الحالي حسن نصر الله ونائبه نعيم قاسم، والقادة حسين الموسوي وإبراهيم أمين السيد ومحمد يزبك من حركة “أمل” و”أمل الإسلامية” فيما جاء عباس الموسوي (الأمين العام السابق الذي اغتيل) وصبحي الطفيلي (الأمين العام الذي استقال) من “حزب الدعوة” العراقي الجذور، وارتبط القائد العسكري (الذي اغتيل أيضاً) عماد مغنية قبل انتقاله إلى حزب الله بحركة “فتح” الفلسطينية، ونظيره القائد الميداني عبد الهادي حمادة بالحزب الشيوعي اللبناني. ومعظم هؤلاء تابعوا في مرحلة ما دراستهم الدينية في النجف، ومنهم مَن درس بإشراف المفكر الديني العراقي محمد باقر الصدر (وهو لبناني الجذور أيضاً) الذي أعدمه نظام الرئيس العراقي صدام حسين في عام 1980. وبعضهم غادروا العراق أو طردتهم منه قيادة النظام السابق في منتصف ستينيات القرن الماضي، وهم في الثلاثينيات من أعمارهم، وكانوا تأثروا بأفكار باقر الصدر والخُميني وشريعتي. وأعتنق معظمهم مبادئ معلميهم في النجف بالنسبة إلى أهمية المقاومة وشمولها تحسين وتطوير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المنطقة وعدم القبول بالوضع الراهن وعدم ممارسة “التقية” بشكل سلبي منعزل عن الواقع. وربط معظم هؤلاء (في رأي الكاتب) أوضاعهم بوضع الجماهير الواسعة في المنطقة عبر علاقة مباشرة معها.
ويقول إن بين هؤلاء مَن اعتبر الشيخ محمد حسين فضل الله ملهمهم ووالدهم الروحي الأهم وخصوصاً بعد تسلم السيد حسن نصر الله الأمانة العامة للحزب، علماً أن الشيخ محمد فضل الله ولد في النجف لرجل دين لبناني، وعاد إلى لبنان عام 1966 وعاد معه عدد من الشباب اللبنانيين الذين كانوا يدرسون علوم الشريعة في النجف وتأثروا بفضل الله بعدما “خدلتهم آراء ومواقف بعض رجال الشيعة التقليديين”. خلال فترة الاجتياحات الإسرائيلية للبنان كان فضل الله يخطب في مسجد في ضاحية بيروت الجنوبية ويدعو إلى تصعيد النشاط المقاوم ضد إسرائيل حيث جرت محاولات لاغتياله. بيد انه (حسب الكاتب) لم يؤمن بأن هدف مقاومة إسرائيل كان فقط إنشاء دولة مسلمة شيعية في لبنان والمنطقة تعتمد مبدأ “ولاية الفقيه” (أي ولاية رجال الدين على رجال السياسة) بل كان يدعو إلى إنشاء “دولة الإنسان” ضد الطائفية والعنصرية أينما وجدتا، وخصوصا في “مواجهة ما تمثله إسرائيل وأمريكا حالياً وما يمثله داعموها في المنطقة”. واعتبر فضل الله نفسه مرجعاً للمستضعفين عموماً وليس لحزب الله فقط. وما زالت مواقفه تؤثر على قيادة حزب الله الحالية في لبنان والمنطقة في رأي الكاتب.
وساهمت هذه المواقف في توسيع رقعة بيئة حزب الله الحاضنة في لبنان والعالم العربي واستقطابها لجميع الفئات الداعية إلى المقاومة العربية ضد إسرائيل في فلسطين ولبنان والمنطقة عموماً.
عبد توفيق كناعنة: “هيمنة المقاومة (حزب الله في لبنان)”
دار الفارابي، بيروت 2019
399 صفحة.