الرباط ـ «القدس العربي»: رفض وزير العدل المغربي، محمد بنعبد القادر، الرد على الانتقادات التي وجهت إلى مشروع قانون تقنين وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح، المصادق عليه من طرف الحكومة في المجلس الحكومي المنعقد يوم 19 آذار / مارس الماضي، والذي جر على الوزير وعلى الحكومة عاصفة من الانتقادات وذلك «لاعتبار وحيد يندرج ضمن أخلاقي السياسية وفهمي لمعنى المسؤولية».
وقال إن هذه الاعتبارات تفرض عليه اليوم ألا يساهم «في أي جدال إعلامي أو سجال سياسي من شأنه أن يشوش على هذه اللحظة التاريخية المتميزة التي نواجه تحدياتها بنبوغ وطني غير مسبوق، ونعززها بتلاحم باهر يتجذر يومياً على المستوى الشعبي والمؤسساتي».
وأكد في تصريح مكتوب، أرسل لـ«القدس العربي»، أنه لا يتهرب من المواجهة ومناقشة المشروع، و«مباشرة بعد رفع حالة الطوارئ الصحية سأكون رهن إشارة الإعلام الوطني من خلال ندوة صحافية للتواصل وتنوير الرأي العام».
وتواصلت حملات الاستنكار ورفض المشروع طوال الساعات الماضية وأخذ النقاش في جزء منه مسألة تسريب مشروع القانون الذي أطلق عليه «قانون تكميم الأفواه» ووجهت اتهامات لوزير حقوق الإنسان مصطفى الرميد بهذا التسريب كونه عبر عن تحفظه ورفضه للمشروع لما تضمنه من تهديد للمكاسب في ميدان حقوق الإنسان، إلا أنه نفى ذلك بشدة، وقال في تدوينة على صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن الاتهام بتسريب مضامين مشروع القانون ومذكرة ملاحظاته حوله، جاء تبعاً لبعض البيانات والتدوينات الصادرة عن جهات حزبية و»إن كان مشروع القانون، والوثيقة التي وجهها إلى رئيس الحكومة بشأن ملاحظاته على مشروع القانون، لا تكتسي طابع السرية، فإنه ينفي نفياً قاطعاً تسريبهما أو تسريب أي وثيقة كيفما كان نوعها، ويعبر عن أسفه على الاتهامات المجانية التي لم يكلف أصحابها أنفسهم بأدنى مستويات التحري بالاتصال لمعرفة الحقيقة».
الاتهامات للرميد بالتسريب وجهت أساساً من قبل برلمانيين عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي ينتمي إليه الوزير بن عبد القادر، تتهمه بـ«تسريب» مشروع القانون، بعدما نشرت ملاحظاته على المشروع، والتي انتقد فيها بشدة اختيار زميله وزير العدل لهذا التوقيت الذي ينشغل فيه المغاربة بالجائحة لتقديم هذا المشروع، كما انتقد مضامينه التي تحمل جلها عقوبات سالبة للحرية، بسبب الدعوة للمقاطعة أو انتقاد منتوج.
ولاحظ الحقوقي عزيز إدمين أن بعض المسؤولين الحكوميين والسياسيين، عوض المساهمة في نشر الوعي، حول مشروع القانون يطمسون الحقيقة بخصوصه من أجل مصالح حزبية أو شخصية، بوصف المشروع بـ«المسودة» أو بأنه «مشروع القانون غير نهائي أو غير رسمي لأنه لم يحل على البرلمان» وقال: «هذا مشروع قانون رسمي، قد تكون عشرات الصيغ الأولى والثانية، ويبقى دائماً اسمه مشروع قانون» والمسؤولية الأولى يتحملها من صاغ المسودة داخل دواليب وزارته، ومسؤولية توجيهها كما هي إلى الأمانة العامة للحكومة، ومسؤولية تقديمها أمام المجلس الحكومي و»هذه المسؤولية السياسية للوزير لا غبار عليها، كما يتحمل المسؤولية الحكومية رئيس الحكومة».
ودعا آلاف المغاربة في عريضة موجهة إلى الحكومة وإلى البرلمان حول مشروع القانون تدعو إلى إسقاط المشروع برمته واعتبروا أن سعي الحكومة إلى تمرير مشروع قانون تقنين استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات المفتوحة والشبكات المماثلة يتم «بعيداً عن القيم الدستورية القائمة على التشاركية».
وعبرت أكثر من 40 منظمة تنتمي للمجتمع المدني المغربي، وأفراد مستقلون، في بلاغ مشترك لهم، على رفضهم «لقانون تكميم الحريات الرقمية في زمن الجائحة الوبائية»، وتساءلوا عن «الهدف من وراء إقدام الحكومة على إعداد وتقديم هذا النص في خضم الأزمة الصحية المرتبطة بجائحة كورونا» واندهاشهم من «السرعة التي تمت بها المصادقة على هذا المشروع في مجلس الحكومة، علماً أنه لم ينشر على موقع الأمانة العامة للحكومة طبقاً لما هو منصوص عليه في الفصل 78 من الدستور»، وقالوا «إن التوقيت وانعدام الشفافية حول عملية صياغة مشروع القانون والمصادقة عليه من طرف الحكومة يثير لدينا مجموعة من المخاوف بشأن محتوى هذه النص وانعكاساته المدمرة على حرية التعبير. وعلى الرغم من أن مشروع القانون لم يتم نشره من طرف أية جهة رسمية، يبدو جلياً، من خلال قراءة النص المتداول في الأعمدة الصحفية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، أننا نواجه محاولة أخرى لتقييد حرية التعبير والتحكم الصارم في وسائل التعبير التي تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات المماثلة. كما يظهر أن مجموعة من مواد هذا القانون منافية لما هو منصوص عليه في الدستور، لا سيما الفصل 25 منه الذي يضمن حرية التعبير والرأي».
وقالت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إن لجوء الحكومة إلى محاولة تمرير المشروع، ليلة إعلان حالة الطوارئ الصحية، من شأنه التشكيك في النية المبيتة من وراء المشروع «الذي لا يهدف إلا إلى حماية مصالح اللوبيات الاقتصادية على حساب حرية المواطنات والمواطنين في التعبير عن الآراء» ودعت الحكومة إلى سحب المشروع والحفاظ عل أجواء الإجماع والتضامن التي أبان عنها المغاربة في مواجهة وباء كورونا المستجد.
وأكدت منظمة العفو الدولية (امنستي) في رفضها للمشروع على أنه من حق كل واحد «الحق في قول ما يفكر به، وفي تداول المعلومات والمطالبة بعالم أفضل» وعممت شعار «أنا أعبر_عن_رأيي». وشددت المنظمة على أن «لكل واحد الحق في الاتفاق، أو عدم الاتفاق مع الذين يمسكون بزمام السلطة، وفي التعبير عن هذه الآراء عن طريق الاحتجاجات السلمية كتابة ورسماً وغناء وتمثيلاً ورقصاً وتظاهراً». وأضافت أن «ممارسة هذه الحقوق دون خوف أو تدخل غير قانوني أمر أساسي للعيش في مجتمع منفتح ومنصف، مجتمع يمكن فيه للناس الحصول على العدالة والتمتع بحقوقهم الإنسانية»، وقالت إن حرية التعبير مستمر بفضل طاقة الشباب، والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان وتضمن مشروع القانون».
كما أدانت اللجنة الوطنية من أجل الحرية لمعتقلي الرأي والدفاع عن حرية التعبير «التعامل الانتهازي» للحكومة التي استغلت خضوع الجميع للحجر الصحي وانشغال الناس بمشكلة الوباء المنتشر لإعداد مشروع القانون، فيما ظلت الحركة الحقوقية المغربية تطالب السلطات بجعل حد للانتهاكات، وبالإفراج عن معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين، تلقت باندهاش كبير مشروع القانون الذي «وضعته الحكومة أساساً لحماية الشركات الاحتكارية وأصحاب الرساميل منتهكي حقوق المستهلك، وحقوق العمال، من أي حملة جديدة محتملة لمقاطعة بضائعها مثل التي عرفتها بلادنا قبل سنتين». وقالت إن هذا المشروع «يأتي بعد سلسلة الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الظالمة للمدونين ونشطاء الفضاء الرقمي، ليجهز عليه ويغلقه بشكل نهائي».