أضاء المسؤول الأمريكي على التهريب على الحدود، وهي نقطة ألمح إليها حاكم مصرف لبنان الذي تحدث عن استيراد بقيمة 4 مليارات دولار سنوياً لأمور لا يحتاجها لبنان.
بيروت-“القدس العربي”: خلافاً لرغبة حزب الله الذي جاهر قبل فترة برفضه الاستعانة بصندوق النقد الدولي لمساعدة لبنان وفرض شروطه قبل أن يتراجع تكتيكياً عن هذا الرفض، فقد وقّع عن الحكومة حسان دياب ووزير المالية غازي وزني طلب مساعدة صندوق النقد الدولي للبنان للانطلاق “بورشة حقيقية لإنقاذ الوضع من الهوة المالية العميقة التي يصعب الخروج منها من دون مساعدة فاعلة ومؤثرة” على حدّ ما أعلن دياب إثر إقرار الحكومة في الأسبوع المنصرم البرنامج الإصلاحي للبنان.
وكان يمكن للحكومة توفير وقت ضائع لو استمعت إلى النصائح منذ البدء وخصوصاً نصيحة وزير العمل السابق كميل ابو سليمان الذي كان أول من نصح بالاستعانة بصندوق النقد منذ آذار/مارس 2019 إلا أن الحسابات السياسية وتمنّع فريق العهد عن تلبية رغبة وزير من “القوات اللبنانية” أرجأ الأمر إلى أن انفجر الوضع، واقتنع معظم الأطراف بأن اللجوء إلى صندوق النقد ممر الزامي لنجاح أي خطة إنقاذ وإعادة هيكلة الديون واستعادة ثقة المانحين.
وأولى ردود الفعل الدولية بعد طلب لبنان المساعدة من الصندوق، صدرت عن رئيس مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية دايفيد شينكر الذي رحّب بالخطوة، لكنه قال “لا يكفي الطلب، لكن عليهم أن يعملوا بشفافية والتزام”. وكان شينكر يقصد “أن حزب الله معروف بعدم إبدائه أي دعم للإصلاحات، فهو لا يدعم سوى التمويل غير المشروع، ومن خلال الفساد” لافتاً إلى “أن المجتمع الدولي يطلب التحكم بالحدود، وإغلاق المعابر غير الشرعية لوقف سيطرة حزب الله عليها”.
وهكذا يكون المسؤول الأمريكي أضاء على إحدى النقاط الأساسية للنزف المالي من خلال التهريب على الحدود، وهي نقطة ألمح إليها أيضاً حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي تحدث عن استيراد بقيمة 4 مليارات دولار سنوياً لأمور لا يحتاجها لبنان، وإذا كان سلامة لم يعلن صراحة ماهية هذا الاستيراد فقد توقّع بعضهم أن تكون مادة المازوت التي تُستورد إلى لبنان ثم تُهرّب إلى سوريا إضافة إلى بضائع محظورة على دمشق وطهران تأتي عبر مرافئ لبنانية.
وكانت ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر اندلعت على خلفية الأزمة الاقتصادية والمالية وغياب الإصلاحات التي تعهّدت بها الحكومات السابقة وعطّلتها التجاذبات السياسية والكمائن التي ينصبها كل فريق للفريق الآخر. ومن المعروف أن العملية الإصلاحية ستحتاج إلى فترة غير قصيرة قبل أن تهدأ الاحتجاجات في الشارع التي اتخذت أخيراً منحى تصعيدياً، واستهدفت بشكل خاص مصرف لبنان والمصارف إثر الحملة التي شنّها رئيس الحكومة على حاكم البنك المركزي، واعتبرت خارجة عن المألوف. وذهب بعضهم إلى حد الاعتقاد أن هناك من ورّط حسّان دياب ووضع بين يديه أرقاماً غير دقيقة دحضها حاكم مصرف لبنان بإطلالته، إضافة إلى أن هناك من جعل دياب يعتقد أن رياض سلامة متورّط بلعبة رفع سعر صرف الدولار من أجل تحضير الأرضية لإسقاط الحكومة في الشارع. فيما المسألة ليست أكثر من صراع بين حزب الله والحاكم على خلفية التزام الأخير بتنفيذ العقوبات على الحزب من جهة، وليست أكثر من تنافس على رئاسة الجمهورية بين رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل والحاكم الذي حوّلوه بفعل هاتين المسألتين إلى رأس حربة وهدف في صراع كبير أمريكي إيراني، وإختلط الأمر على البعض بين إسقاط رياض سلامة كحاكم لمصرف لبنان أو كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية.
وفي ضوء ما تعرّض له حاكم مصرف لبنان، يطرح بعضهم السؤال هل سينجح الإصلاح ومكافحة الفساد بعد سلسلة اقتراحات ومشاريع القوانين التي تنتظر اقرارها في مجلس النواب؟
في رأي نائب معارض للحكومة لـ “القدس العربي” أن العهد والحكومة في حال استمرا بشيطنة السياسات المالية على مدى السنوات الماضية، وتابعا سياسة الكيدية المغلّفة بالإصلاح سيصطدمان مرة جديدة بحائط مسدود بدليل التحذيرات التي صدرت عن رؤساء الحكومات السابقين والبيانات الصادرة عن “كتلة المستقبل” وآخرها أشار إلى أنه “ليس في نوايا وأفعال العهد وحكومته ما يبشّر بالخير، واللبنانيون ملّوا من إخفاقاته ومن ايامه التاريخية”.
ويقول النائب المعارض “إن من عوامل نجاح أي خطة إصلاحية وإنقاذية تحييد لبنان عن الصراعات وفكّ العزلة العربية والدولية التي تسبّبت بها ممارسات حزب الله، والتي حجبت عن بيروت المساعدات العربية والأوروبية. وآخر دليل على التأثير السلبي لدور حزب الله على لبنان هو قرار ألمانيا تصنيفه منظمة إرهابية وحظر أنشطته كافة ومداهمة مراكز إسلامية يُعتقد أنها على صلة بالحزب”.
ويختم “إن الخطط الإصلاحية هامة ولكن الأهم ترجمتها على أرض الواقع والبدء بالملفات الأكثر إلحاحاً وهي الهدر الكبير في قطاع الكهرباء والتهريب وإلغاء عقود 5300 موظف جرى إدخالهم إلى الدولة رغم قرار عدم التوظيف، وحتى الآن لا توحي المعطيات بتخلّي الطبقة الحاكمة عن كيديتها بدليل فتح الجبهات واحدة تلو الأخرى والتماهي مع مشروع فريق سياسي يصرّ على إغراق لبنان في سياسة المحاور والمسار الانحداري للاقتصاد اللبناني”.