فيلم كل عام

يأتي رمضان كل عام، ونسمع على مرّ التاريخ أنه شهر السكينة والهدوء والتعبد والخير. ليس معنى أنه جاء هذا العام وكورونا تعصف بالعالم أنه لم يعد كذلك، فالأوبئة لا تختار الشهور، ورغم أننا في الأغلب محبوسون في منازلنا، فلم ننس أننا في رمضان. افتقدنا فيه الخروج الجماعي ولمّة الأهل والأصدقاء، لكننا مازلنا ننتظر قرآن ما قبل مدفع الإفطار بالأصوات الفذة للشيخ محمد رفعت، أو الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، أو الشيخ محمود الحصري، أو غيرهم من الأصوات المصرية التي كانت تعكس اطمئنان الحضارة، التي استقرت على نهر النيل، وعرفت الآلهة قبل أن يعرفها أحد، وأدركت مبكرا جدا أن الاطمئنان هو روح الحياة، فهناك يوم للبعث يدفع فيه الخطاة الثمن، مهما كانوا من القوة والقدرة على التنكيل بالضعفاء.
لا تزال الأمور البسيطة التي اعتدنا عليها منذ أيام الإذاعة المصرية قبل ظهور التلفزيون، وأعني بها الاستماع إلى المسلسلات الإذاعية، التي كانت من الجمال إلى درجة عظيمة، ثم شيئا فشيئا أخذ التلفزيون المكان الأكبر.

وبعد أن كان وقت ظهوره غير متوفر للجميع صار متوفرا، وزادت عليه في طفرة كبيرة مواقع اليوتيوب وغيرها. هكذا صارت الفرجة على الميديا تشغل وقتا أكبر في رمضان، وبالطبع هي تشغل الوقت الأكبر الآن مع الوباء، فرغم خروج بعض الشباب إلى الشوارع، وكسر حظر التجوال، ففي النهاية هي أعداد قليلة لا تقاس بأعداد الخارجين بعد الإفطار من قبل، الذين كانو يشغلون الميادين الكبرى حتى موعد السحور، في كل القرى والمدن. في كل عام يشتعل الخلاف حول ما يقدمه التلفزيون من مسلسلات وبرامج. لقد صارت المسلسلات هي تقريبا العمل الأكبر لشركات الإنتاج منذ سنوات، في الوقت الذي تراجعت فيه السينما. أسباب ذلك كثيرة طالما تحدثت عنها، وعلى رأسها سرقة الأفلام على المواقع، وفي القنوات الخاصة منذ يوم عرضها، فضلا عن الرقابة التي تزداد قسوة، فلم يعد أحد قادرا على صنع فيلم فيه قضية سياسية مثل «الكرنك»، أو «احنا بتوع الأوتوبيس» أو «شيء من الخوف» أو «هي فوضى»، أو حتى «في بيتنا رجل»، أصبحت الدولة القابضة هي التي تحدد، بشكل أكبر من أي وقت سابق، ما يمكن الكتابة فيه. لاحظ من فضلك أن فيلم «شيء من الخوف» مثلا تم إنتاجه في عهد عبد الناصر، ورغم وصول تقارير إليه بأن الفيلم «بيلقح عليه» تم عرض الفيلم. وتذكر من فضلك أن منتج الفيلم كان صلاح ذو الفقار، وهو قبل التمثيل وقبل ثورة يوليو/تموز، كان ضابط بوليس. للأسف أولو الأمر يصدقون أن الفن يصنع الثورات، ولا يصنعها الظلم الاجتماعي والاقتصادي، وغير ذلك من مظاهر الظلم السياسي. المسلسلات صارت هي سبيل الربح، لأنها أيضا الأسهل في التوزيع إلى الدول العربية، فهي خالية من القُبلات وخالية من أي مشهد حب في غرفة النوم، مما يسمونه مشاهد جنسية، وهي ليست كذلك. ما علينا، لكن مع تقدم الأعوام وانفتاح الميديا واتساعها، صار الانتقاد للمسلسلات أكثر من أي تناول نقدي، فكثير من الفتيات يركزن على البوتوكس وعمليات التجميل والماكياج، التي لا تعجبها في البطلة مثلا، والأمر نفسه عند كثير من الشباب الذي لا يعحبه برود الممثل، أو طريقة كلامه وغير ذلك. طبعا أعرف أن هذا كله لا علاقة له بالحديث النقدي عن بناء العمل وإخراجه وتصويره وإمكاناته الإنتاجية، وغير ذلك مما ينتبه إليه النقاد.

من المهم جدا أن يعرف الجميع أن الكتابة للتلفزيون لم تعد كما كانت من قبل.. الكتابة الآن تتدخل فيها عوامل ليس أقلها تفصيل دور للنجم لا تجسيد النجم للدور المكتوب.

وبين ذلك تجد حديثا مقنعا أحيانا عن الأصل الأجنبي، الذي أُخِذ عنه المسلسل، وكيف أن النقل يتم «كوبي وبيست» بدون تدخل أو تمصير. هذه ظاهرة قديمة جدا ظهرت مع بداية السينما في مصر، لكن الفارق أنهم كانوا قديما يعلنون الأصل الأجنبي، لكنهم الآن لا يفعلون ذلك إلا قليلا، والسبب طبعا هو اتفاقية حقوق المؤلف التي وقعت عليها مصر، ومن ناحية أخرى أن أحدا في الخارج لا يهتم بالبحث عن حقوقه في بلادنا. المهم أحسست بأن نسبة الانتقاد للمسلسلات زادت هذا العام عن كل عام، وهذا معنى العنوان، وأعتذر عنه، فكلمة «فيلم» في مصر في الحديث العامي تعني شيئا لا أصل له كمن يقول «حتعمل عليّ فيلم» مثلا. ماذا أفعل وقد أصابتني الميديا! زاد «الفيلم» هذا العام وساعد في زيادته وجود برنامج مثل «رامز مجنون جدا» الذي وصل فيه «الفيلم» إلى غايته، إذ قامت نقابة الإعلاميين بإصدار قرار بمنع ظهور رامز في برامج التلفزيون المصري، وهي تعرف مقدما أن البرنامج لا ينتجه التلفزيون المصري، ولا يعرضه التلفزيون المصري، بل قناة عربية. الحقيقة إنني لم أعد قادرا على أن أتابع المسلسلات، ليس موقفا منها أبدا، لكن لكل عمر طاقاته، كما إنني الجالس في البيت بالنهار والليل، لا أشعر بأن هناك ليلا يبدأ بعد الإفطار، ونهارا يبدا مع الفجر وانتهاء السحور. تشابهت عليّ الحياة التي لا أعرف لها حركة إلا بين أصدقائي، ولم تعد المكالمات التليفونية تكفي لتعويض الجلسة معهم.
من المهم جدا أن يعرف الجميع أن الكتابة للتلفزيون لم تعد كما كانت من قبل.. الكتابة الآن تتدخل فيها عوامل ليس أقلها تفصيل دور للنجم لا تجسيد النجم للدور المكتوب.. وهذا هو الفرق، فكثيرا ما تجد الكاتب، خاصة حين يكون شابا يكتب لأول أو ثاني مرة يستجيب إلى ما يطلب منه، فلا طريق غير ذلك، وهكذا صار الإنتاج محاطا برغبات بعض النجوم، ورغبات الرقابة والمنتج نفسه، وفقا لقدراته، وبالطبع وراء ذلك كله تجد كلمة السوق أو «الجمهور عايز كده»، ورغم ذلك هناك ملاحظات مهمة، مثل كمية النقد الكبيرة التي توجهت لبعض المشاهد الطبية للممثلين وهم يجرون أشعات على القلب، أو يتم علاجهم. وهنا لابد من تذكر أن هذا خطأ المخرج لا المؤلف. بالطبع كان يمكن تفادي هذه الأخطاء، لو لجأ المنتج إلى طبيب يدفع له ثمن ملاحظاته، لكن حين لا يحدث ذلك يقع الخطأ ويتحمله المؤلف المسكين والمخرج أيضا، رغم أنه ليس كل المؤلفين ولا المخرجين أطباء، وهكذا في كثير من المشاهد التي جعلتها الميديا رمزا لفشل المسلسل.
مشهد آخر تلقت فيه ممثلة خبر من أمها عن تعرض والدها للإغماء، ورعب أمها أن يموت فترد مبتسمة «طيب أنا جاية» وتستأذن من حبيبها بالذهاب مبتسمة أيضا، بينما خبر مثل هذا لا بد يفجع أي شخص، لكن هكذا شاء المخرج هنا من فضلك، وليس المؤلف وهكذا.
لا أكتب هذا دفـــــاعا عن أحد، ولا إدانة أحد، لكن أوضح أن هذا هو الحال وكل من بــــيده الأمـــر هو المسؤول لا المؤلف فقط.
بدءا من المنتج إلى المخرج إلى الممثل إلى الرقابة، التي تضع القيود التي تمليها الدولة. رفقا بالمسلسلات والبرامج أيتها الميديا وحولوا الشاشة إلى شيء آخر، فلا البرامج مقررة علينا، ولا المسلسلات، ولا أي شيء في الدنيا.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية