سقط أشرف مروان، صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، من شرفة منزله في لندن في 27 حزيران/يونيو عام 2007 ولقي حتفه. وحتى الساعة، لم تحدد الشرطة البريطانية “اسكتلنديارد” إذا كان هذا الحادث انتحاراً أو جريمة قتل، ومَن كانت الجهات المشتبه بها في حال كونها جريمة.
غير ان الخبير الأمني الإسرائيلي يوري بارـ جوزيف صدَرَ كتابا منذ عامين ونيف بعنوان “الملاك: الجاسوس المصري الذي انقذ إسرائيل” حاول فيه تبييض صفحة مروان، ونفي أنه كان عميلاً مزدوجاً للاستخبارات الإسرائيلية والمصرية، والتأكيد بأن مروان كان صادقاً في عمالته للموساد الإسرائيلي وأنه بالفعل كان الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل من هزيمة كبرى في حرب 6 تشرين الأول/اكتوبر 1973 التي خسرتها إسرائيل في مراحلها الأولى ولكنها لملمت جراح خسارتها في المراحل التالية بمساعدة حلفائها في الولايات المتحدة وأنقذت نفسها من الهزيمة الشاملة.
ربما اعتقد المؤلف أنه يُبيض ساحة مران لدى الرأي العام الإسرائيلي ولدى حلفاء إسرائيل في العالم الغربي عبر هذا الكتاب، ولكن الكتاب كان مؤذياً لإرث مروان بعد موته وخطراً على سلامة عائلته وزوجته منى جمال عبد الناصر ومسيئاً لمصر وللعرب عموماً. ويبدو بعد القراءة أن الكاتب استثنى وقائع هامة قد تربط هذه الحادثة ومنفذيها بأجهزة استخبارات عربية وبريطانية وعالمية عَمِلَ أشرف مروان معها خلال دوره كمستشار مقرب من الرئيس المصري الراحل أنور السادات ونظامه وخصوصاً بعد أيار/مايو 1971 عندما بدّل السادات الوجهة السياسية للنظام المصري باتجاه تعامل أوثق مع الولايات المتحدة وحلفائها، وتحالف مضبوط مع الاتحاد السوفييتي مما ناسب مروان وطموحاته. وبالتالي، المقاربة الأساسية التي كان من المنتظر أن يعتمدها الكاتب أو أي محلل موضوعي لقضية أشرف مروان وموته لعلها يجب ان تبدأ من أنه لم يكن على علاقة جيدة شخصية مع عمه جمال عبد الناصر الذي فرض عليه قيوداً كبيرة في عمله ودفعه إلى الشعور بالغربة والرغبة بالانتقال خارج مصر إلى بلد آخر (بريطانيا) وإلى معسكر سياسي آخر نظراً لأن مروان لم يكن يحبذ النظام الشيوعي السوفييتي وكان يرتاح ويتناغم إلى درجة أكبر مع نظام اقتصاد حر يستطيع من خلاله استخدام نفوذه لجني الأموال. ولذلك فليس من الثابت نظريا ودون أي شك أنه إذا كان اتصل بالإسرائيليين أو الأمريكيين أو غيرهم في عام 1969 وعرض تزويدهم بالمعلومات عن نوايا النظام المصري وأجندته ان يكون استمر في هذا الموقف بعد سيطرة الرئيس أنور السادات على القرار المصري في أيار/مايو 1971. بل من الممكن (نظرياً على الأقل) أن يكون مروان استخدم اتصالاته ومبادراته إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لمصلحة نظام صديقه المفضل أنور السادات، وزود الموساد الإسرائيلي بالمعلومات المحدودة التي كان السادات يرغب أن يزودهم بها، علماً أن أنور السادات ربما كان منذ بداية سبعينيات القرن الماضي يخطط لعملية سلام مع إسرائيل يستعيد من خلالها جزءاً من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967 وخصوصاً في سيناء، وفعل ذلك في اتفاقياته مع إسرائيل في أواخر السبعينيات وحتى اغتياله. فإذا كان مروان بالفعل يعشق المال ويسعى لأن يصبح من أثرياء العالم، فإن نظام السادات فتح المجال أمامه لفعل ذلك أكثر بكثير من كمية الأموال التي كان الموساد ورجاله يزودونه بها. فلماذا سيختار الخيار الأسوأ؟

يعتبر المؤلف أن نظام حسني مبارك، الذي نظم جنازة محترمة لأشرف مروان بعد موته، كان يحاول التغطية على خيانة رجل بمستوى أشرف مروان الذي كاد أن يصبح وزير خارجية مصر ومارسَ بالفعل مهمات دقيقة تتجاوز هذا المنصب مصرياً وإقليمياً وعالمياً في نظام السادات.
ويحاول بارـ جوزيف إظهار تعاطفه (المزيف) مع مصر وأشرف مروان فيقول إن جمال مبارك، الخليفة الذي كان منتظراً لوالده حسني في قيادة مصر، حضر الجنازة بسبب صداقته لجمال مروان (ابن أشرف) ولابنه الأصغر هاني الذي كان تزوج ابنة عمرو موسى، وزير خارجية مصر السابق والأمين العام للجامعة العربية لاحقاً. ولكنه يقول في الفصل الأخير من الكتاب إن النظام المصري بقيادة حسني مبارك اغتال مروان.
في الفصل الأخير “سقوط الملاك” وفي الصفحة 331 يتساءل بارـ جوزيف قائلاً “إذا لم تكن القضية بالفعل انتحاراً، فهل تم قتل مروان على أيدي خصومه في قطاع الأعمال؟ او عن طريق قيادة الموساد في العقد الأول من الالفية الثانية؟ أو هل قتلته الاستخبارات المصرية للتغطية على أفعاله؟
يبدو الكاتب في رده على هذه الأسئلة انتقائياً وغير موضوعي بحيث ينفي الفرضية الأولى برغم أن مروان تعامل مع شخصيات سياسية عربية وأجنبية خطيرة في قطاع تجارة الأسلحة، كما يطرح جانبا الفرضية الثانية حول دور إسرائيل مع أن الموساد في أواخر التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثانية قاده أشخاص لا يتورعون عن اغتيال حتى حلفائهم، إذا لم يعودوا في حاجة إليهم، على شاكلة مائير داغان الذي كان ينفذ تحت مظلة ارييل شارون وأعوانه جميع أنواع التجاوزات والجرائم والاغتيالات، بما في ذلك ضد متعاونين سابقين مع إسرائيل. ولكن عندما يصل الكاتب إلى الفرضية الثالثة وكونها عملية نفذتها الاستخبارات المصرية، فهو يأخذ بها من دون حذر أو شك مظهراً انحيازه.
غير أن استبعاده فرضية انتحار مروان لعله كان في محله حيث يقول “خلال ما نعرفه عن الطريقة التي عاش فيها مروان حياته، من الصعب وجود سمات واضحة تدل على أنه يفكر جدياً بالانتحار، فلم يكن يعاني من الاكتئاب أو تعاطي المخدرات أو الصدمات العائلية ولم يسمع أحد منه في الأسابيع والأيام التي سبقت وفاته ما يوحي بانه قد يؤذي نفسه. بل كان يتصرف بشكل طبيعي. وهذا ما أكده أشخاص التقوه يوم وفاته وقبل ذلك بأيام قليلة”.
ويذكر أن مروان كان قد كتب ثلثي كتاب عن مذكراته وكان يسعى إلى إنهاء الجزء الثالث والأخير منه، وكان سيسافر يوم موته إلى أمريكا ليعرضه على مؤسسة نشر أمريكية.
والسؤال الذي يمكن طرحه هو: هل بالإمكان ربط الحملة التي شنها الإعلام الإسرائيلي ضد مروان في عام 2002 بمواقف النظام المصري المتحفظة إزاء تحضير أمريكا والمحافظين الجدد فيها (حلفاء إسرائيل) لغزو العراق عام 2003؟ حيث نشرت الصحف الإسرائيلية أن الموساد تعامل مع جاسوس مصري واسع النفوذ سُمي “بابل” ما عرّضَ حياة مروان للخطر والنظام المصري لفضيحة كبيرة.
لم يفهم مروان دوافع هذه التلميحات الإسرائيلية الموسادية المريبة باتجاهه، وقرر نشر مذكراته ظناً منه أن ذلك قد يحميه من الاغتيال على أيدي جهات إسرائيلية أو عربية. ولكن العكس كان الصحيح وربما اغتيل لتسرعه في قرار النشر.
مجلة “روز اليوسف” المصرية المتخصصة بشؤون الفضائح نشرت في أيلول/سبتمبر (2011) مقالاً ذكر أن الرئيس حسني مبارك أمر باغتيال مروان لتغطية الأوساخ التي سببها. ولكن المجلة نفسها نشرت في آذار/مارس (2012) أن مذكرات (ربما مزعومة) لمبارك ادعى فيها أن العقيد معمر القذافي هو الذي أمر باغتيال مروان بسبب خلافات بينه وليبيا حول صفقات أسلحة وعمولات مرتبطة ببيع الأسلحة إلى دول افريقية.
لم يركز المؤلف بما فيه الكفاية على امكان ارتباط اغتيال مروان بعمليات قد يكون نفذها بالتعاون مع شخصيات نافذة في أنظمة عربية أو إقليمية أو دولية كان على علاقة شخصية وثيقة بها من خلال عمله في مناصبه الهامة السابقة في مصر، وبينها صفقات أسلحة أو نفط وغاز أو عمليات اختطاف وما شابه ذلك.
في صيف عام 1978 اختفى الإمام الشيعي اللبناني موسى الصدر خلال زيارته إلى ليبيا إثر خلاف (أثناء الزيارة) حدث بينه وبين العقيد القذافي. ولم يتم حتى الساعة التأكد إذا حدث هذا الاختفاء خلال وجوده في ليبيا في عملية مشبوهة أو بعد سفره إلى إيطاليا، وإذا نظّم وارتكب هذا الاختفاء النظام الليبي السابق أو استخبارات عربية أو إسرائيلية أو إقليمية أو دولية.
وبما ان مروان كان آنذاك مسؤولاً عن علاقة مصر مع ليبيا والسعودية ودول عربية وأوروبية أخرى يُطرح السؤال عما كان يعرفه عن هذه العملية وعمليات أخرى، وإذا كان عازماً على الكتابة عنها في مذكراته أو عن عمليات مشابهة حدثت لاحقاً بينها اختطاف المسؤول الليبي السابق منصور الكيخيا من مصر خلال حضوره مؤتمراً في القاهرة علماً انه كان لاجئاً سياسياً في بريطانيا، وكانت مصادر عديدة ذكرت انه اختُطف إلى ليبيا واختفى هناك. فلماذا لم يتطرق بارـ جوزيف إلى هاتين القضيتين في الكتاب؟ ولماذا تباطأت الشرطة البريطانية في التحقيق في مقتل مروان عام 2007؟ علماً أن بعض أركان النظام الليبي السابق عملوا لاحقاً في استخبارات عربية وأوروبية ودولية؟ سواء أكان الرئيس المصري الراحل حسني مبارك متواطئاً مع قيادة القذافي الليبية أو مع جهة أخرى في عملية تصفية أشرف مروان استباقاً لنشره مذكراته، فهذا أمر لم يتطرق إليه الكتاب بشكل معمق وخصوصاً ان الكاتب سارع إلى اتهام مصر بقتل مروان للتغطية على الفضيحة وإلى الادعاء بأن دفنه في مصر بجنازة شبه رسمية جرى للتمويه. كما سارع إلى تبرئة الموساد وإسرائيل من هذه الجريمة ربما لشعوره بانه كان عليه أن يوجه التهمة إلى جهة أخرى لكونه ذا خلفية أمنية إسرائيلية واضحة.
سؤال قد يُطرح: لماذا بدأت الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية تُسرّب المعلومات عن هوية مروان التجسسية في عام 2002 في فترة سبقت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 هل كانت إسرائيل والمحافظون الجدد في أمريكا يوجهون رسالة إلى مبارك بضرورة التعاون السياسي والميداني الفاعل في هذا الغزو، إذا شعر بأي تردد، وأنهما يملكان فضائح وأسراراً خطيرة قد تهز أركان نظامه؟ ولماذا اتهم المؤلف مصر باغتيال مروان بهذا التسرع؟
أشرف مروان خاف كثيراً وأصيب بهلع عندما تطورت الحملة الإعلامية لكشف هويته كجاسوس يوفر المعلومات لإسرائيل، وربما رأى أن أفضل طريقة للهروب من انعكاساتها على أمنه الشخصي وأمن عائلته كان نشر مذكراته، ولكن على الأرجح أن أيدي المتضررين من نشر هذه المذكرات سبقته ودفعته من شرفة منزله في لندن مؤمّنة صمته قبل أن يفشي بمعلومات عن تجاوزاتهم وجرائمهم في هذه المذكرات.
كتاب بارـ جوزيف يحاول إظهار تعاطف الكاتب مع مصداقية مروان كجاسوس لإسرائيل وعدم الازدواجية في تعامله معها، ولكنه يشكل “مديحا في معرض الذم” ويورط مروان ويسيء إلى سمعة الرئيس جمال عبد الناصر ويعرّض حياة ابنته منى وعائلتها للخطر ويدفع بمصر عموماً إلى مستنقع من الوحل حيث يُظهر سياسيّيها وقادتها ومسؤوليها في مظهر سلبي عموماً.
ربما قرر مروان أن يكون عميلاً مزدوجاً في مرحلة، ولكن ربما كان يتعاون مع صديقه الرئيس أنور السادات في نشاطاته التجسسية في فترة لم يكن خلالها بحاجة للأموال الإسرائيلية التي تسلمها من ممثليهم الأمنيين بهدف خديعتهم، وخصوصاً بعدما انفتحت جميع الأبواب أمامه في مصر بعد تطورات أيار/مايو 1971 فصار يقدم للموساد معلومات وافية عن أمور عامة ليصدقوه ثم معلومات ناقصة ومتأخرة قبل حدوث هجوم حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973 عندما كانت إسرائيل بأشد الحاجة لهذه المعلومات. وربما عاقبته إسرائيل وحلفاؤها على ذلك بقتله وطمس الحقيقة وعدم إجراء تحقيق فاعل إزاء تلك الجريمة.
يوري بارـ جوزيف: “الملاك” (الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل)
ترجمة فادي داود
الدار العربية للعلوم (ناشرون) بيروت 2017
367 صفحة.