التوتر الكامن بين الرباط والجزائر يعود إلى الواجهة

محمود معروف
حجم الخط
1

تصريحات القنصل المغربي في وهران، مفبركة كانت أو زلة لسان، لم تفعل أكثر من إزاحة الغطاء عن مستودع العداء بين الرباط والجزائر.

 

الرباط-“القدس العربي”: يطل، من جديد، التوتر في العلاقات المغربية الجزائرية، لا تهم الأسباب التي تأتي به، فمنذ بداية الستينيات، وهو كامن. يطل ويختفي وأحيانا يغطى بوئام وانسجام، لكنه يبقى مستعدا للبروز بأي لحظة ولأهون الأسباب.

التوتر الجديد، وان لم يأخذ شكله الرسمي، لكنه يؤشر أن علاقات صفاء بين المغرب والجزائر، تحتاج أجيالا، خاصة وأن الواقع، الذي يحمل قضية الصحراء على كاهله وانعكاساته في البلدين وفي الإقليم تجعل هذا الصفاء بعيد المنال أو على الأقل لم يحن وقته بعد.

التوتر الجديد سببه بوطاهر أحرضان، القنصل المغربي في مدينة وهران الجزائرية، بتصريحات نسبت إليه ونشرت بشريط فيديو يعتبر الجزائر بلدا عدوا، وإذا كان السفير نفى ما ورد بالشريط، فإن أجواء العلاقات بين البلدين تحمل عنوان العداء منذ أول مواجهة عسكرية بينهما 1963 أو ما تعرف بـ”حرب الرمال” التي يذكر بها هنا أو هناك كلما وجد مناسبة خاصة أن ما تلاها في العلاقات يعمق هذا العداء ولا يبدده، وكل منهما ينتظر حادثة لينفخ كور العداء ويؤجج ناره.

يوم الأربعاء الماضي احتشد أمام القنصلية بمدينة وهران/ غرب الجزائر، العشرات من المغاربة العالقين منذ إغلاق المغرب والجزائر، الحدود البرية والأجواء أمام حركة الأفراد في إطار حال الطوارئ الصحية لتطويق فيروس كورونا المستجد، يحتجون على عدم تكفل السلطات المغربية بهم، ويطالبون الاسراع بإعادتهم لبلادهم.

القنصل المغربي بوطاهر أحرضان، وقف أمام هذا الحشد يدعوهم، بعد وعدهم بتسوية وضعيتهم وإعادتهم للمغرب، بأسرع وقت ممكن، للهدوء وعدم التجمهر والالتزام بإجراءات السلطات الجزائرية بالحجر المنزلي وعدم التنقل، لكن شريط الفيديو تضمن أيضا عبارات “راكم عارفين شنو كاين حنا في بلاد عدوة” (أنتم تعرفون ما هو موجود، نحن في بلد عدو). هذه العبارات حملت التوتر الكامن بين الرباط والجزائر إلى الواجهة، والانتشار الواسع على شبكات التواصل الاجتماعي، مع تعليقات تتراوح بين الاستنكار ورد الهجمة والتذكير بتاريخ العداء بين البلدين وحروبهما قبل أن يصل إلى المستويات الرسمية.

باستثناء تصريح للقنصل المغربي أحرضان، ينفي فيه صحة تلفظه بعبارة “بلاد عدوة” وقال إن ما ورد في شريط الفيديو مجرد “فبركة” لتصريحاته خلال حديثه مع العالقين، فالمغرب الرسمي، بقي صامتا يحاول تطويق النار عبر القنوات الدبلوماسية، لكن المسؤولين في الجزائر سارعوا الخطوات للرد. وزير الخارجية صبري بوقادوم استدعى حسن عبد الخالق، السفير المغربي في الجزائر، وقالت الخارجية الجزائرية إنه “تمت مواجهة السفير المغربي بالأقوال التي صدرت عن قنصل بلاده في وهران خلال النقاش الذي دار بينه وبين مواطنين مغاربة” و”تم إفادة السفير المغربي بأن توصيف القنصل العام المغربي في وهران للجزائر، إذا ما تأكد حصوله، على أنها بلد عدو، هو إخلال خطير بالأعراف والتقاليد الدبلوماسية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال قبوله، ومساس بطبيعة العلاقات بين دولتين جارتين وشعبين شقيقين”. وطلب الوزير بوقادوم من “السلطات المغربية اتخاذ التدابير المناسبة لتفادي أي تداعيات لهذا الحادث على العلاقات الثنائية بين البلدين”.

رئيس مجلس الشعب (البرلمان) الجزائري سلميان شنين أكد أن الشعب الجزائري مسالم، وبلاده ليس لها أي عدو، و”لكن لن نقبل بأن يتم المساس بسيادتنا” وأعرب عن أمله في “أن يتم سحب القنصل المغربي بوهران، من أجل طي هذه الصفحة” وهو ما تحدثت عنه تقارير من الجزائر بأن الوزير بوقادوم أبلغ السفير عبد الخالق أن القنصل بوطاهر أحرضان لم يعد مرغوبا به في الجزائر و “أن الكرة الآن في ملعب الرباط، التي شككت في مصداقية الفيديو، وأكدت أنه مفبرك، وأن القنصل لم يتفوه بذلك الكلام نحو الجزائر، وأن عملية خبرة تم الشروع فيها من أجل تحديد ما إذا كان الفيديو حقيقيا أم مفبركا”.

وسائل الإعلام المغربية شبه الرسمية شنت حملة على الجزائر ردا على حملة الإعلام الجزائري الممنهجة ضد القنصل المغربي في وهران، بسبب تصريح مفبرك، أو زلة لسان، بالقول إن الإعلام الجزائري تجاهل “اتهامات خطيرة صدرت من كبار مسؤولي الجزائر في حق المغرب الذي مد يده مراراً لطي صفحة الخلاف والتوجه نحو المستقبل” لأن “المنطق الجزائري يبحث دائماً عما يصطاده ليزرع الحقد والكراهية بين الشعبين الشقيقين، وهو هدف لم يفلح فيه حكام الجزائر، والدليل رفض الحراك الشعبي بالجزائر دعم جبهة البوليساريو”.

وتم التذكير بتصريحات لوزير الخارجية الجزائري السابق، عبد القادر مساهل، اتهم فيها شركة الخطوط الجوية المغربية بنقل المخدرات بدل المسافرين إلى افريقيا، والبنوك المغربية بتبييض أموال الحشيش، وتصريحات العسكر في الجزائر التي تحمل عداء فعلياً تجاه المغرب، من قبيل تصريحات الجنرال سعيد شنقريحة، الذي يشغل اليوم منصب رئيس أركان الجيش بالنيابة، والذي وصف الجار المغربي في 2016 بـ”العدو” وتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون منذ انتخابه رئيسا للجزائر وآخرها ما ورد في خطابه بداية ايار/مايو الجاري، في اجتماع القمة الافتراضية لمجموعة الاتصال لحركة دول عدم الانحياز، ووصف فيها المغرب بـ”البلد المحتل”  للصحراء.

وينعكس العداء الفعلي كذلك من خلال وكالة الأنباء الرسمية الجزائرية؛ إذ يلاحظ منذ تولي الرئيس الجزائري للسلطة رفعها لمنسوب “القصاصات” الحاقدة والأخبار السيئة ضد المغرب، بمعدل قد يتجاوز أربع قصاصات في اليوم.

“تصريحات” القنصل المغربي في وهران، التي سيدفع ثمنها، مفبركة كانت أو زلة لسان، لم تفعل أكثر من إزاحة الغطاء عن مستودع “العداء” بين الرباط والجزائر، وإذا كان الغطاء سيعود إلى مكانه، لكن “العداوة” ستبقى للقادم من الأيام، بانتظار أجواء وأوضاع أخرى في البلدين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية