الأمن والاقتصاد أبرز محاور الحوار الاستراتيجي المرتقب بين بغداد وواشنطن

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: يقف العراق أمام أعتاب مرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، تتمثل بنتائج الحوار الاستراتيجي المرتقب بين بغداد وواشنطن، في ظل حكومةٍ جديدة يُدير دفّتها مصطفى الكاظمي، المتهم بالقرب من المحور الأمريكي على حساب الطرف الآخر «الندّ» إيران.
ولم ينّجح سلف الكاظمي، عادل عبد المهدي المستقيل منذ أوآخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي- في ضبّط إيقاع التوتر الإيراني ـ الأمريكي على الأراضي العراقية، خصوصاً بعد ردّ واشنطن على استهداف قواعدها من قبل فصائل شيعية مسلّحة ناشطة في الساحة، باغتيال نائب رئيس «الحشد» أبو مهدي المهندس، وقائد فيلق «القدس» في الحرس «الثوري الإيراني»، قاسم سليماني بغارة جوية في محيط مطار العاصمة.
لكن اصطفاف واشنطن وطهران ومؤيديهما في الداخل العراقي، إلى صفّ الكاظمي، يُنذر بـ»هدنة» بين طرفي النزاع المحتدم في العراق، قد تستمر حتى نهاية ولاية رئيس الحكومة الجديدة، المقرر لها أن تستمر عاماً واحداً، أو تمتد إلى 2022، في أحسن الأحوال.

أدوات عراقية

وحتى وقت إعداد التقرير، لم يُفصح العراق عن محاور اللقاء الاستراتيجي المرتقب، وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، غير أن المراقبين للشأن السياسي العراقي، يرون أن ملفي الأمن والاقتصاد سيتصدران جدول أعمال الحوار المزمع في حزيران/ يونيو المقبل.
الباحث الاستراتيجي العراقي، علي فضل الله، قال لـ«القدس العربي»، إن «الحوار المرتقب يحتاج إلى أدوات عراقية تكون داعمة لما يخطط له الأمريكيون في موضوعة التفاوض، لذا، نلاحظ أن أمريكا كثفت جهدها بإزالة عبد المهدي لما يمتلكه من خبرة سياسية واقتصادية قد تكون محرجة للأمريكيين في موضوع تعديل الاتفاقية الاستراتيجية- وقعت سابقا مع الجانب العراقي، لذا فقدوم الكاظمي كان مخططا له لمرحلة التفاوض. بوجوده سوف يكون داعماً لتحقيق المصالح الأمريكية على المصالح العراقية والإيرانية». وأضاف: «من المفترض أن تكون هنالك رؤيتا متقاطعتان في موضوع محاور اللقاء المفترض للعراق والولايات المتحدة الأمريكية»، مشيراً إلى أن «الرؤيا العراقية ضبابية قائمة على ردة الفعل في ظل تشتت القرار الجيو سياسي العراقي، بسبب الخلافات الداخلية العراقية بين الطبقة السياسية».
غير أن فضل الله يرى أن الطرف الثاني (الأمريكيين)، لديهم «أهداف محورية مهمة (منها) تحديد قواعد عسكرية قد تصل إلى خمس قواعد تنتشر على طول الجغرافية العراقية، وإبقاء مقاتلين بقرابة عشرة آلاف مقاتل مع نصب منظومات دفاع الباتريوت». ومن بين الأهداف الأمريكية الأخرى هي «زيادة التبادل التجاري عبر استثمار مراكز الطاقة للغاز والنفط والعمل على احتكار السوق العراقية للواردات الأمريكية، وزيادة التبادل الثقافي والخبرات العلمية».

هجمات لـ«الدولة»

ويتزامن موعد عقد الحوار المرتقب، مع هجمات إرهابية مكثّفة لتنظيم «الدولة الإسلامية»، تتركز في محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك، وصولاً إلى مناطق عند حزام العاصمة (الطارمية شمالاً، وجرف الصخر جنوباً)، الأمر الذي يراه الباحث العراقي بـ«دليل قاطع على أن داعش أداة أمريكية، وهذا ما أقره كثير من الساسة كالسيدة كلينتون وأوباما وترامب»، معتبراً أن زيادة الهجمات في الأيام الماضية «وسيلة ضغط على الطبقة السياسية التي تمانع من وجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية»، في إشارة إلى القوى السياسية الشيعية، التي تمتلك أجنحة مسلحة تنتظّم في «الحشد» وخارجه.
ولم يُخف فضل الله، التأثير المباشر لانسحاب قوات التحالف الدولي- بقيادة واشنطن- من العراق، وفقاً لقرار برلماني سابق، على جوانب الأمن والاقتصاد وحتى السياسة الدولية تجاه العراق قائلاً: «من المؤسف أننا لا نملك رؤية حقيقية لما بعد انسحاب التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا. ولأننا دولة هشة، لا أتوقع غير التحول للمعسكر الثاني أي الاندماج مع المحور الصيني الروسي الإيراني، لأن العراق دولة غير مكتملة وغير ناضجة سياسيا واقتصاديا وأمنيا جراء الفساد المالي والإداري الذي نهش جسد الدولة العراقية».
وأتمّ قائلاً: «الخسارة المتوقعة (جرّاء الانسحاب) كبيرة جداً، فأمريكا التي تسيطر على القرار الدولي سوف تمارس ضغوطاً كبيرة، وسوف تعمد لإدخال العراق بعزلة دولية اقتصادية وسياسية، إذا لم تكن هنالك ضربات عسكرية للقوات العراقية ـ تحديدا مواقع الحشد الشعبي»، كون أن «هذه القوة تعتبر عائقاً أمام المخططات الأمريكية في العراق»، على حدّ قوله.

مراقبون: أمريكا وإيران تدعمان هدنة تستمر حتى نهاية ولاية الكاظمي

وتضغط القوى السياسية الشيعية في مجلس النواب العراقي (البرلمان) باتجاه عدم اعتماد العراق على الولايات المتحدة الأمريكية كمصدرٍ «حصري» للتسليح، وسط مطالبات متكررة بشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية، الأمر الذي لن تسمح به واشنطن، حسب الباحث العراقي، الذي رأى أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل «تريدان السيطرة على فضاء العراق. هذه المنظومات المتطورة خارجة عن سيطرة الأمريكيين، لأن خوارزمية هذه المنظومة غير معروفة للخبراء الإسرائيليين والأمريكيين».
وعن الموقف الإيراني من الحوار الاستراتيجي المرتقب بين العراق وأمريكا، ينوّه الباحث أن «إيران وبعد آثار الحصار الاقتصادي الأمريكي بدأت تعاني كثيراً، وهي تدرك جيدا أهمية الانتعاش الاقتصادي للعراق كونه الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الإيراني»، مرجّحاً في الوقت عيّنه أن «إيران لن تمانع ولكنها سوف تضع محددات للحوار الاستراتيجي. واحدة من هذه المحددات هو عدم المساس بفصائل المقاومة (مقابل) ضمان عدم المساس بالمصالح الأمريكية».
وختم حديثه بالقول: «على الساسة العراقيين أن يدركوا جيدا أن العراق يتحول من نقطة تقاطع المصالح الدولية إلى منطقة تلاقي تلك المصالح وخلق حالة من التوازن الدولي لخلق حالة من الاستقرار السياسي والأمني في العراق والمنطقة، ليكون سببا إيجابيا لانتعاش العراق على كافة المستويات».
أما المحلل السياسي العراقي، الدكتور حيدر البرزنجي، فرجّح أن يحتل الملفان الأمني والاقتصادي، جدول أعمال الحوار الاستراتيجي المرتقب، كاشفاً عما وصفه «مخططا مسبقا» لاختيار الكاظمي في مرحلة إجراء الحوار المزعوم.
وقال لـ«القدس العربي»، إن «الحوار سيركز على الجانب الأمني، الذي طالما شغل الجانب الأمريكي أكثر من الجانب العراق»، مبيناً إن «الموقف الأمني في العراق معقّد ومركّب، خصوصاً بعد سلسلة التصعيد بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وكان العراق جزءاً من هذا التصعيد، متمثلا بإغلاق قواعد وقصف مقار تابعة للحشد الشعبي».
كذلك، رأى المحلل السياسي العراقي أن «الملف الاقتصادي سيكون حاضراً أيضاً في الحوار، بعد الملف الأمني. هذان الملفان سيتصدران الحوار، رغم أهمية الملفات الأخرى، التي تتعلق بالجوانب الصحية والتعليمية».
وطبقاً لمعلومات المصدر، فإن «هناك مخططا مسبقا، ودعما حقيقيا أمريكيا لأن يكون رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي، هو المفاوض. جميع الأطراف ـ من بينها إيران ـ كانت تريد أن تكون هنالك شخصية تتمتع بعلاقات جيدة مع الجانب الأمريكي لتقود التهدئة»، لافتاً في الوقت ذاته إلى إن «إيران بحاجة إلى أن يكون لديها حلقة اتصال بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب الظروف الخانقة التي تمر بها، وحتى أمريكا بعد جائحة كورونا».
وربط، الانسحاب الأخير من القواعد الأجنبية في العراق، و«إعادة انتشار» القوات الأمريكية، أنه يأتي «في إطار التهدئة والتخفيف من حدّة الضغط الشعبي وفصائل المقاومة في الوقت عيّنه، وأيضاً إعطاء صورة للجانب الإيراني (الخصم) أن واشنطن غير متمسكة بالإبقاء على عدد كبير من قواتها في العراق. هذا الأمر أيضاً سيعتمد على ما يخرج عنه الحوار المرتقب»، موضّحاً أن «هناك إدراكاً أمريكياً بضرورة الانسحابات لأغراض التهدئة».
ورغم أهمية ذلك الانسحاب على مستوى موقف العراق من الصراع الدائر بين واشنطن وطهران، غير أنه أثّر سلباً من الناحية الجوية، على تحركات التنظيم في المناطق «الرخّوة»، حسب المحلل العراقي الذي أضاف: «هذا الأمر وظّف، وقد يوظف في جوانب متعددة، منها وسيلة ضغط على الحكومة العراقية، وإعطاء عامل نفسي للجماهير بالمطالبة بإبقاء التحالف حتى يستطيع العراق التغلب على مشكلة ضعف الطيران، بكون إن الطيران العراقي لم يتمكن حتى الآن من تأمين كامل السماء العراقية».
وعلى مستوى وجهة نظر طهران من الحوار، قال: «موقف إيران من الحوار هو التهدئة. إيران لا ترغب بالتصعيد وحتى فصائل المقاومة الإسلامية»، مشبّهاً الحوار الاستراتيجي المرتقب بـ«استراحة مقاتل».
واعتبر أن: «المصالح تتفق مع التهدئة، وهذا الأمر سينعكس على فصائل المقاومة وحركتها إزاء القوات الأمريكية في العراق»، مبينا أن «مرحلة التهدئة مقبلة إذا لم يكن هنالك تصعيد من الجانب الأمريكي ـ وهذا غير وارد، واشنطن لا تريد فتح جبهات، وإيران تريد فترة راحة تستمر حتى انتهاء ولاية الكاظمي».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية