رشيد الخالدي في “حرب المئة عام ضد فلسطين”: على القيادات الفلسطينية أن ترفض الولايات المتحدة كوسيط في أي مفاوضات مقبلة

سمير ناصيف
حجم الخط
0

طرح البروفيسور الفلسطيني ـ الأمريكي رشيد الخالدي، صاحب كرسي أدوارد سعيد في جامعة كولومبيا الأمريكية، خريطة مفاوضات جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في سبيل تحقيق حلِ عادل للصراع بين الشعبين الذي بدأ في مطلع القرن الماضي وما زال مستمراً.

رشيد الخالدي ينتمي إلى عائلة فلسطينية ناضلت في سبيل القضية الفلسطينية سابقاً وحالياً، وهو أكاديمي بارز عالمياً لم يقتصر عمله على هذا الحقل بل شارك في مفاوضات مدريد للسلام وعاصر الغزوات الإسرائيلية للبنان من خلال عمله السابق في الجامعة الأمريكية في بيروت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كما مكث في فلسطين في مطلع التسعينات والتقى كبار الشخصيات الفلسطينية، وكان من أواخر مَنْ اجتمعوا بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في عام 2002 أي قبل وفاته المفاجئة عام 2004 والتي لم تفكك ألغازها حتى الساعة، والتي أعتبرها كثيرون اغتيالاً.

بالإضافة إلى ذلك، فقد تفاعل عَبْر حياته وعمله في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة على صعيد شخصي وفكري مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما واستطاع إدراك موقفه الفعلي من القضية الفلسطينية منذ تسلمه الرئاسة عام 2009 وحتى خروجه منها في مطلع عام 2017.

في الفصل السادس من كتابه “حرب المئة عام ضد فلسطين” وفي خلاصة فصله الأخير، ينفي الخالدي تهمة تخاذل أوباما في محاولة التوصل إلى حلٍ عادلٍ في فلسطين ويقول: “صحيح أن أوباما كان رئيساً لأمريكا خلال الغزوات الإسرائيلية الوحشية الثلاث لقطاع غزة (في الغزوة الأولى لم يكن قد تسلم منصبه رسمياً) ولكن يجب عدم الانكار أنه ومنذ احتلاله منصب الرئاسة رسمياً عيّنَ السناتور الديمقراطي الأمريكي اللبناني الأصل جورج ميتشيل مبعوثه الخاص الساعي إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط عام 2009 وان ميتشيل تشدد في تركيزه على القضايا المصيرية الثلاث المطلوب معالجتها، خصوصاً من المنطلق الفلسطيني، وأولها ضرورة تجميد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 ثم عدم التخاذل بشأن الهوية السياسية العربية للقدس الشرقية والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية فيها، وثالثا، التطرق إلى قضية حق العودة للاجئين الفلسطينيين” (ص232 ـ 233).

هذا الموقف، الذي أغضب الجانب الإسرائيلي الصهيوني المتطرف يبدو (حسب الخالدي) أنه أغضب أيضاً دينيس روس، الذي كان مقرباً من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومن المتعاطفين مع إسرائيل في الحزب الديمقراطي. فبادر روس إلى “إجراء مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي من وراء ظهر ميتشيل ومن خلف الستار، حول قضايا هامة وأدلى خلالها بمواقف تتعارض مع، وتُعطّل، مواقف ميتشيل” (ص 234).

وكان روس قد فعل ما يشبه ذلك في مفاوضات الرئيس السوري حافظ الأسد (قبل وفاته بأشهر في عام 2000) مع الرئيس الأمريكي الديمقراطي السابق بيل كلينتون حيث عرقل ما كان يمكن أن يؤدي إلى حلول آنذاك.

كما تدخل روس أيضاً مساهماً في إفشال مفاوضات الرئيس ياسر عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك نهاية عام 2000 بوسائله المعتادة.

وبالتالي، لعب روس دوراً شبيهاً بدور وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر في إفشال مبادرات الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الإيجابية نحو الرئيس حافظ الأسد خلال زيارته إلى دمشق في حزيران/يونيو 1974. واستقال نيكسون من منصبه الرئاسي بعد ذلك بشهرين بسبب فضيحة “ووترغيت” التي جرى تضخيمها إعلامياً في أمريكا ما ساهم في سقوط نيكسون.

وهذا يعني أن روس وكيسنجر والذين يحتلون مناصب استشارية أو قيادية موازية حالياً في إدارة الرئيس ترامب كجاريد كوشنر وديفيد فريدمان كانوا وما زالوا منفذي عمليات نجاح الاختراق الصهيوني لمواقف الإدارة الأمريكية العليا، واحتل معظمهم مواقع بارزة في مجموعات الضغط الصهيوني بعد ذلك في الولايات المتحدة كمشاركين أو مدعوين لإلقاء المحاضرات. ودينيس روس (حسب الخالدي) يعمل حاليا كمستشار ناشط في إحدى هذه المؤسسات الصهيونية الميول في أمريكا.

في الفصل الأخير يشدد الخالدي على ضرورة أن ترفض القيادات الفلسطينية (فتح وحماس والفصائل الأخرى) جلوس الولايات المتحدة كعرّابة أو وسيطة في أي مفاوضات مقبلة، وأن تعارض اعتبارها المرجع الوحيد والحصري للفصل في المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، بل على أمريكا ان تجلس على الطاولة في الجانب الإسرائيلي الذي تنتمي إليه وإلى مواقفه، فيما يجب أن تشرف على أي مفاوضات مقبلة مجموعة من الدول العالمية الحيادية والفاعلة، بإشراف منظمة الأمم المتحدة وربما منظمات سياسية دولية أخرى تعمل إلى جانبها. فالانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل لا يؤهلها لأن تلعب دور العرّاب أو الوسيط النزيه خصوصاً في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. كما يقترح الخالدي ألا تبدأ أي مفاوضات في الشأن الفلسطيني ـ الإسرائيلي من قرارات مجلس الأمن التي صدرت بعد حرب 1967 بل من قرارات الأمم المتحدة لعام 1948 (قرارات التقسيم) والقرار 181 بشأن حق العودة. أي أنه يرفض الانطلاق من القرار 242 أو من مقررات مدريد وأوسلو الصادرة بين عامي 1991 و1993 التي يعتبرها خادعة ومجحفة بحق الفلسطينيين.

في الفصل الأول يتناول الخالدي حقبة 1917 إلى 1939 أي منذ فترة صدور “وعد بلفور” إلى الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى. ثم يتطرق في الفصل الثاني إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما وافقت هيئة الأمم المتحدة على وجود إسرائيل كدولة واعترفت بها، وكيف تواطأت الإدارتان الأمريكية (بقيادة هاري ترومان) والسوفييتية (بقيادة جوزف ستالين) على نشوء تلك الدولة لأسبابهما الداخلية والخارجية.

الفصل الثالث يركز على فترة حرب الأيام الستة (عام 1967). أما الفصل الذي يليه فيعرض أحداث الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 والمجازر التي ارتكبها وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون ضد الفلسطينيين (صبرا وشاتيلا وغيرها). وبعد ذلك، يتناول الخالدي مؤتمر مدريد للسلام ودوره فيه كمشارك وتواطؤ الجهات الرسمية الأمريكية مع مواقف اسحق شامير ونائبه في المفاوضات آنذاك بنيامين نتنياهو. كما يتناول هذا الفصل موقف الخالدي المعارض لاتفاقيات أوسلو التي يعتبر أنها رسخت الاحتلال والاستيطان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية وأنتجت السلبيات للفلسطينيين ولقيادتهم. هذه القيادة التي (في رأيه) أخطأت بالانتقال، بعد ذلك، والتمركز بشكل كلي في فلسطين حيث أصبحت أشبه بجيش أنطوان لحد (الجيش اللبناني في الجنوب المحتل) الذي نفّذَ مهمات أمنية للمحتل الإسرائيلي، حتى عام الألفين. وفعلت القيادة الفلسطينية أمراً مماثلاً من دون التوصل للاستقلال الفلسطيني الفعلي وحق تقرير المصير، في رأي الخالدي.

ونوّه في الفصل الثاني بالدور الفاعل الذي لعبه الأكاديمي اللبناني ـ البريطاني الراحل ألبرت حوراني في “الجمعية الإنكليزية العربية” في عام 1946 وبدور الدكتور يوسف صايغ “في الصندوق العربي لدعم فلسطين” في الفترة نفسها، وأثنى على دوريهما الفكري والسياسي في مواجهة المشروع السياسي الكولونيالي الصهيوني للاستيلاء على فلسطين، منذ ذلك الحين.

ويربط المؤلف تخاذل هاري ترومان وجوزف ستالين في عام 1948 بمواقف قادة الولايات المتحدة وروسيا السلبية حالياً، من حيث وضع مصالحهما قبل أي مصالح أخرى. فكما كان ترومان وستالين يسعيان للحلول مكان الإمبراطورية البريطانية في المنطقة آنذاك، فقادة أمريكا وروسيا حاليا لا يهمهم تحقيق الديمقراطية والمساواة في فلسطين والشرق الأوسط والعالم كما يدّعون.

ويبدو الخالدي في هذا الكتاب متحفظاً إزاء دور المملكة العربية السعودية في الشأن الفلسطيني سابقاً وحالياً. فالولايات المتحدة “ركبت الحصان السعودي” (في رأيه) بعد تقلص دور الإمبراطورية البريطانية في المنطقة واستخدمت القضية الفلسطينية في هذا السياق من دون تحقيق أي خطوات لتثبيت الحق الفلسطيني وتحويله إلى حيز الواقع ولا للتنفيذ الفاعل للوعود التي قُدمت للفلسطينيين عبر حلفاء أمريكا الجدد في المنطقة كالسعودية ودول خليجية أخرى.

حالياً (وسابقاً) حسب الخالدي، يتزايد التقارب بين المواقف الصهيونية الإسرائيلية ومؤيديها في أمريكا من المحافظين الجدد والانجيليين الصهاينة ويتكثف الاستيطان في فلسطين مع حجب موسكو (عموماً) لأعينها في هذا المجال لاهتمامها بمصالحها الاقتصادية أولاً.

ويعتقد الكاتب أن السعودية كان في إمكانها أن تفعل المزيد في المجال الفلسطيني وأن تستخدم تركيز أمريكا على مصالحها المادية، عبر صفقات الأسلحة والنفط معها، لتحقيق بعض التقدم في القضية الفلسطينية لمصلحة الشعب الفلسطيني وللإنسانية المسحوقة في المنطقة عموماً.

بدلاً من ذلك، يقول الكاتب، تصاعد التخاذل العربي (خصوصا الخليجي) إزاء التجاوزات الكولونيالية الأمريكية والغربية عموماً بالنسبة إلى حقوق الفلسطينيين المغتصبة. وهذا أدى إلى رد فعل سلبي من الشعوب العربية والشعب الفلسطيني في بعض الدول العربية المؤيدة للغرب كلبنان والأردن. وانطلقت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 بعد مجازر “أيلول الأسود” في الأردن عام 1970 وما زالت التفاعلات السلبية لذلك مؤثرة حتى الساعة.

يأسف الخالدي لكون الوزراء والمسؤولين والمستشارين في وزارة الخارجية الأمريكية المتفهمين للقضايا العربية، وبينها قضية فلسطين، تقلصوا عددياً ابتداء من إدارة الرئيس رونالد ريغان وانتقالاً إلى إدارة الرئيس جورج بوش الابن، حيث سيطر المحافظون الجدد وصولاً إلى نظام الرئيس دونالد ترامب، حيث يهيمن المتعاطفون مع الصهيونية الإسرائيلية ومنفذي أجنداتها.

ورغم أهمية هذا الكتاب والطروحات التي قدمت فيه، قد يكون من المفيد طرح بعض الأسئلة على المؤلف وخصوصاً بالنسبة لانتقاده الشديد لاتفاقيات أوسلو التي تم التوصل إليها بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين أولها: لماذا خشي المتطرفون في إسرائيل وأمريكا من ما تم التوصل إليه بين عرفات ورابين إلى درجة أنهم نفذوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عمليتي اغتيال ضدهما؟ وهل نُفذت لإحباط أي تقدم على الأرض كان يمكن أن يحدث ويضر بأجندات المتطرفين؟ فاذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن اتفاقيات أوسلو كان لها جانب إيجابي إضافة إلى جوانبها السلبية التي ركز عليها الخالدي. ثانيها، لماذا تم اسقاط أو اغتيال قادة أمريكيين ودوليين وعرب تفهموا الخلفيات الأساسية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أو حاولوا إنجاح عمليات التفاوض من أجل التوصل إلى السلام في الشرق الأوسط؟ وهل تكفي الدعوة لإقناع الشعب الأمريكي بعدالة القضية الفلسطينية لتحقيق النتائج الملموسة أو المطلوب أكثر من ذلك؟

Rashid Khalidi: The Hundred Years of War On Palestin

Metropolitan Books, New York 2020

320 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية