تونس – “القدس العربي”: أثرّ التداخل الحاصل بين السياسة والرياضة والتوازنات الجهوية في تونس على الخارطة الكروية للبلاد منذ بداية التسعينات، تاريخ إقرار قانون اللاهواية أو الإحتراف المنقوص، الذي ارتكز بالأساس على أربعة أندية تسيطر دون سواها على لقب الدوري، فيما تحول الباقون إلى مدارس للتكوين لتزويد هذا الرباعي لا غير.
ولا يعرف إلى اليوم المعيار الذي تم على أساسه اختيار هذا الرباعي دون سواه وإقصاء أندية أخرى وتصنيفها مع ما يسمى “الصغار” رغم تفوقها في التاريخ وحصولها على الألقاب. فالملعب التونسي، على سبيل المثال، وفي بداية التسعينات كان النادي التونسي الوحيد الحائز على لقب عربي ويتفوق على مستوى الألقاب المحلية على واحد من الذين تم تصنيفهم ضمن الأربعة الكبار. كما أنه كان منافسا شرسا على لقبي الدوري والكأس وأحد أهم من يزودون المنتخب التونسي باللاعبين المهرة، على غرار جمال الدين ليمام وعبدالحميد الهرقال وعبدالقادر الركباوي وتوفيق المهذبي والمنذر بن جاب الله، الحارس العملاق الذي تألق في نهائي عربي في السعودية جمع ناديه بإتحاد جدة وافتك يومها للملعب التونسي لقبه العربي الأول ليفوز لاحقا بالثاني في تونس مع بداية الألفية.
ورغم كل ذلك لم يصنف النادي الملكي، المنتمي إلى العاصمة وتحديدا إلى منطقة باردو، ضمن الكبار، وساهم التحكيم الموجه في الكرة التونسية في ظلم هذا النادي الذي يعرف بإسم “البقلاوة” باعتباره كان النادي المفضل للعائلة الملكية السابقة التي تمت الإطاحة بها سنة 1957، وكانت إحدى الأميرات توزع حلويات “البقلاوة” فرحا بانتصاراته على خصومه. وساهم ايضا إبعاد ذوي المال والجاه عن رئاسته في تراجع نتائجه في عصر الإحتراف الذي أصبح المال فيه هو الأساس ومن دونه لا يمكن بأي حال من الأحوال بناء فريق قوي والعناية بالشبان لضمان تزويد فرع الأكابر باللاعبين المهرة.
فرؤساء الأندية في تونس هم حجر الزاوية باعتبار أن النظام القانوني للأندية الرياضية هو نظام الجمعيات الذي ينفق فيه الرئيس بالدرجة الأولى ماليا على ناديه ثم تأتي بقية المداخيل من إشهار وبث تلفزيوني وهبات الدولة في المقام الثاني. ويعين رؤساء الأندية المهمة بقرار سياسي، ومن خلالهم يمكن ضمان تفوق هذا النادي وذاك، على أولئك. والدليل أن الملعب التونسي عاد من جديد للمنافسة على الألقاب مع بداية الألفية وفاز بكأس تونس وكأس عربية للأندية الفائزة بالكأس بفضل قدوم رئيس من أصحاب المال والأعمال وقريب من السلطة التي غضت عليه الطرف في ذلك الوقت. وبمجرد رحيل هذا الرئيس في سنة 2004 تراجعت نتائج الملعب التونسي وبيع لاعبوه المهرة على غرار محمد السليتي والأسعد الورتاني ووجيه الصغير وطارق الزيادي وأسامة السلامي وأنيس العياري وأنيس البوسعايدي وغيرهم، لينتهي به المطاف ظلما، ولأول مرة في تاريخه، في القسم الثاني في 2016، حيث قضى موسما وعاد سريعا إلى الرابطة المحترفة الأولى وهو يكابد اليوم ويسعى جاهدا للعودة إلى مكانه الطبيعي رغم العراقيل.
ويعتبر النادي البنزرتي أيضا من الأندية التي ظلمت عند تصنيف الأربعة الكبار، فهو النادي الذي فاز بأول كأس إفريقية في تاريخ الكرة التونسية، وساهمت المنظومة الكروية الحالية ومنذ منتصف التسعينات في تحوله إلى فريق متواضع الإمكانات يحتل وسط الترتيب. لكنه يحاول ان يستعيد توازنه من حين لآخر، لكن انتداب لاعبيه من قبل ما يسمى “الأربعة الكبار” يساهم في إضعافه وفي تراجع مستواه وعدم قدرته على المواصلة بنفس النسق للمراهنة على لقب الدوري.
ومن اللاعبين الكبار الذين أنجبهم النادي البنزرتي، خالد القاسمي وحمدة بن دولات وحسني الزواوي ومراد الغربي والحارس الكبير أحمد بورشادة الذي حرمته إصابة لعينة من مسيرة استثنائية مع ناديه ومع المنتخب الوطني وعجلت باعتزاله. وما زال البنزرتي يمتلك إلى اليوم مجموعة جيدة من اللاعبين من ذوي المهارات الفردية اللافتة، لكن نتائجه سيئة هذا الموسم بعدما تظافرت عوامل عدة لإضعافه منذ الموسم الماضي الذي نفذ خلاله الى المراتب الأولى في منظومة كروية فاسدة بشهادة الجميع.
وتسبب نظام اللاهواية والأربعة الكبار لبداية التسعينات ليس فقط في سحق الكبيرين الملعب التونسي واالبنزرتي، بل أيضا في اندثار أندية كانت لها بصمتها في الدوري التونسي من ناحية الإمتاع والفرجة وتكوين اللاعبين الكبار على غرار الأولمبي للنقل وسكك الحديد الصفاقسي والمستقبل المرسى والأولمبي الباجي. وجميع هذه الأندية فازت بألقاب محلية وفي مواسم كثيرة نافست ولعبت الأدوار الأولى ولم تفز، لكنها كانت على الدوام تصنع الفرجة وتمتع جماهيرها وجماهير الفرق المنافسة باللعب الجميل قبل ان يتم خنقها والقضاء عليها بمنظومة أثبتت فسادها وحان الوقت لمراجعتها.
فمنذ إقرار هذه المنظومة لم يفز أي ناد من خارج ما يسمى الاربعة الكبار بالدوري المحلي، وبقي بإمكان “الأندية الصغيرة” في البداية الفوز فقط بالكأس الذي أصبح حلم الفقراء بامتياز. لكن في السنوات الأخيرة أصبح الكأس ايضا من نصيب الأربعة الكبار دون سواهم ومنح في مرات كثيرة لإرضاء كبير شعر بالظلم التحكيمي في الدوري المحلي أمام كبير آخر، ويتم إسكات كبير ثالث ورابع على المهازل التحكيمية بمرتبة تخول له المشاركة القارية أو الإقليمية، وهكذا يرضى الكبار على الإتحاد التونسي الذي يقسم الغنيمة بين مستحقيها.
ويرى البعض أن الملامح الكبرى للدوري التونسي محسومة سلفا وقبل انطلاق الموسم، أي من هي الأندية التي ستفوز بالألقاب وتمثل تونس في المسابقات القارية والإقليمية، ومن هي التي ستتدحرج إلى الرابطة المحترفة الثانية. وإن حصل وتواجد ناد آخر في كوكبة الطليعة على عكس الرغبات، فإنه تتم إزاحته بشتى السبل ويجد هذا النادي نفسه في الموسم التالي تم إفراغه من لاعبيه وربما يتدحرج إلى القسم الثاني مثلما حصل مع الإتحاد المنستيري قبيل الثورة، حيث وجد نفسه يتدحرج إلى الرابطة المحترفة الثانية بعدما قضى موسمين في القمة ينافس على الألقاب، وعاد هذا الموسم للمنافسة وقدم مردودا متميزا بمعية الملعب التونسي، لكن يتوقع ان يخرج كلاهما بخفي حنين حتى في ما يتعلق بمشاركة في مسابقة خارجية.
ويؤكد كثير من العارفين بخبايا وكواليس الرياضة التونسية أن تراجع مستوى الأندية التونسية في المسابقات القارية والإقليمية، إذا استثنينا الترجي والنجم، سببه ضعف المنافسة في الدوري المحلي بعد أفول نجم أندية كبرى واندثار أخرى تماما. وحتى الترجي، الفائز في السنتين الأخيرتين بلقبين إفريقيين ولقب عربي، كثيرا ما وجد صعوبات في مشاركاته العربية والإفريقية والعالمية بسبب انخفاض المستوى في الدوري التونسي نتيجة لهذه المنظومة السيئة التي تبدو بحاجة إلى تغيير جذري، وتضرر منها المنتخب التونسي بالدرجة الأولى، حيث أصبح لا يجد مدربوه ضالتهم في اللاعب المحلي، بسبب انخفاض المستوى وغياب المنافسة، ويتوجهون للناشطين خارج الديار.