شغلنا الشهر الفضيل، عن السؤال عن أحوال مذيعة قناة «العربية» منتهى الرمحي، فآخر عهدنا بها، هي وصلة الضحك الهستيري، التي انتابتها، بعد رسالة زميلها «محمد العرب» من صحراء مأرب، الذي كان ينقل رسالة مضحكة عن مطار عملاق، شيدته هنا المملكة العربية السعودية، صاحبة الأيادي البيضاء على اليمن السعيد، ضمن مساعداتها لهذا البلد، وكان الناظر على مدد الشوف لا يجد شيئاً من هذا، عندئذ حطت الكاميرا على «الرمحي» فاذا هي في «نوبة ضحك» تغني عن أي رد أو تعليق على هذه الرسالة الهلامية، التي بدت كما لو كانت تستهدف أن تسحر العيون، فتظن أنها تشاهد مطاراً، وطائرات، وركاباً!
يومئذ قيل إن إدارة قناة «العربية» قررت وقف، «منتهى الرمحي»، خمسة عشر يوماً جزاء وفاقاً على خروجها على متقضى الواجب الوظيفي، وإذ انتظرت بعد فترة العقوبة أن أشاهدها على الشاشة، ظني أن أول ظهور لها سيكون مناسبة عظيمة، فماذا لو لم تتمالك نفسها للمرة الثانية، وتذكرت ما حدث معها، ودخلت في نوبة جديدة من الضحك ، لكنها خرجت ولم تعد، وقد دخل علينا شهر رمضان، فنسينا «العربية» كما نسينا منتهى الرمحي، وانشغلنا بعدد من مسلسلات رمضان في القنوات التليفزيونية، والتي هي في مجملها أقرب ما تكون إلى «العك»، نظراً لأنها تمت بتوجيهات عسكرية، ويقوم عليها صغار في الذهاب والإياب!
واللافت، أن رمضان هذا العام، قد حل مع غياب كامل للدراما التركية، وغياب كامل أيضاً للدراما السورية – الغائبة منذ سنين عددا – وكانت منافسة للدراما التركية في المنطقة، وخرجت مصر من الحلبة تماماً، في غياب مؤلفين كبار للدراما، فقد غيب الموت، أسامة أنور عكاشة، ومحفوظ عبد الرحمن، كما غاب مجدي صابر، لأسباب غير معلنة، وإن ظلت بعض الأعمال التي تعرض قادرة على حشد المشاهدين حولها مثل مسلسل «شيخ العرب همام»، لمؤلفه عبد الرحيم كمال، والذي اختفى تقريبا هذا العام، ولا نعرف أين أراضيه؟ وهو الذي ينتمي للجيل الجديد من المؤلفين، الذي بدأ في تخطي الرقابة، وشغل حيز من الفراغ الذي تركه الكبار!
وكان مسلسل «الاختيار» هو المثال الحي على معنى «العك»، وإن أقام القوم له «زفة» تم تكليف الذباب الإلكتروني بها، ومنذ الخمس دقائق الأولى من الحلقة الأولى، كانت الزفة قد نصبت، والمولد قد أقيم، والقوم في حالة سكر بين، وهم يسألون خصوم النظام إن كان مسلسل «الاختيار» قد أوجعهم فعلا، وكشف حقيقتهم، وأنزل بهم هزيمة نكراء، وهو الأمر الذي كشف عن طريق آخر للانتصار في المعارك الكبرى، تتمثل في حلها بمسلسل، فينتصر المصريون في معركة سد النهضة بمسلسل تلفزيوني، يقوم فيه البطل (العسكري ولا أبطال إلا العسكر) بقصف السد، عندئذ يتنفس المصريون الصعداء، ويذهب كل منهم إلى سرير نومه، وصار من حقه أن يشعر بالأمن والأمان فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها.
ساويرس بين مرسي والسيسي
وإذ كان المسلسل يروي مسيرة أحد الضباط (بتصرف)، هو أحمد المنسي، فإن المؤلم حقاً أن يكون النصر، في الموت الجماعي لأبطال فرقة عسكرية كاملة، على أيدي المسلحين، فكيف يكون الانتصار إذن؟ وقد عبرت عن ذلك تغريدة منسوبة لرجل الأعمال نجيب ساويرس، ولم أكن بحاجة إلى نفيه لكي أتأكد من أنه ليس صاحبها، فمن المستحيل أن يكتبها، فلسنا في عهد الرئيس محمد مرسي، الذي سمح له أن يقوم بدور البطولة، عندما غادر مصر في عهده، وكانت الدعاية كلها تقوم على أنه خشي من اعتقاله من قبل السلطة الغاشمة!
وأذكر أنني تلقيت اتصالاً هاتفياً من مقدم البرامج خيري رمضان، يخبرني أن سفر ساويرس فعلاً إلى باريس، نتيجة أن تهديدا حقيقيا وصله باعتقاله نتيجة مواقفه السياسية المعارضة للنظام، وعلى الجانب الآخر كان هناك صمت كامل من قبل السلطة، التي لم توضح الموقف، وهو نوع من الفشل في تقدير الإعلام ودوره، فكثير من الاتهامات، التي نسبت للحكم عبر وسائل الاعلام لم تكن صحيحة ولم يتم الرد عليها!
لم نعرف الحقيقة إلا مع خبر قيام وفد من رئاسة الجمهورية باستقبال رجل الأعمال نجيب ساويرس في صالة كبار الزوار في مطار القاهرة عائداً من باريس، بعد التوصل لتسوية حول الضرائب المطلوبة منه للدولة. وقال وزير الاستثمار الإخواني، إن أمالهم المعقودة على عائلة ساويرس للوقوف مع الدولة كبيرة. لكن من الواضح أنه خيب أمالهم الكبيرة المعقودة عليه، فقد عاد قبل شهرين من الانقلاب ليكون مساهما فيه بنصيب وافر!
ومن باريس أعلن ساويرس أنه باع محطته التلفزيونية «أون تي في» لرجل أعمال تونسي يقيم هناك لم يسمه، واجتهدت أنا في هذه الزاوية لتقديم قرائن ترتقي لمستوى الأدلة على أنه لا بيع هناك ولا يحزنون، وبدا كما لو كان يدخل الغش والتدليس على الحكم الإخواني فلا يتخذوا اجراء ضد قناته، التي تعلن الحرب على الرئيس محمد مرسي، فهل صدقوا فعلا أنه باع القناة، والأمر يلزمه إجراءات قانونية تبلغ بها هيئة الاستثمار، التابعة لوزارة الاستثمار، التي قال وزيرها إن أمالهم في عائلة ساويرس كبيرة!
بعد الانقلاب العسكري قال ساويرس إنه لم يبع «أون تي في» ولم أكن بحاجة إلى مثل هذا التصريح. لكنه أجبر بعد ذلك على بيعها «قوة واقتدارا»، وها هو اليوم يعلن أنه عمل بالسياسة إلى أن سقط الاخوان، ليعتزل الآن، والحقيقة التي ينكرها أنه ليس مسموحا له بالعمل السياسي، لأن طموحه السياسي أكبر من أن يقبل به الحاكم العسكري!
والحال كذلك فليس هو من يكتب عن قيمة البطولة في مسلسل «الاختيار»، وقد مات الأبطال جميعهم؟ ربما لا يعلم القائمون على المسلسل أنها عقيدة الإخوان المسلمين، حيث الشعار الأثير: «والموت في سبيل الله أسمى أمانينا» ليسأل أحدهم لماذا لا يكون شعارنا «والحياة في سبيل الله أسمى أمانينا»، ويرى أن هذا جزء من أزمة الفشل والنهايات المأساوية مع كل انتصار يلوح في الأفق!
ما علينا، ففي هذه الزاوية، كتبنا من قبل عن ما أضافه هذا المسلسل لدعوة الإخوان المسلمين، والذي لم يكن خصما أبداً منهم، فهشام عشماوي ليس منهم، وعمل المسلحين في سيناء بدأ في عهد الرئيس محمد مرسي!
الموقف من ابن تيمية
ولم يكن «العك» قاصراً على هذه الزاوية، فقد بدا المسلسل مرتبكاً وهو يحدد الموقف من شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي البداية كان الهدف هو النيل منه، فلما تحول الأمر الى أزمة، وأثاروا سخرية الناس على منصات التواصل الاجتماعي، فشيخ الإسلام ليس هو منبع التطرف الديني، إلا إذا كانوا هم يمثلون الامتداد الطبيعي للتتار، الذين حاربهم ابن تيمية بلسانه وسيفه!
لدى الحاكم العسكري ومنظومته مشكلة مع التاريخ، فلهم مشكلة سابقة مع الوجود التركي دفعتهم للدفاع عن المماليك، وأحد الأبواق الإعلامية صور السيسي بالسلطان المملوكي قنصوة الغوري، الذي قتله السلطان العثماني سليم الأول، لأن العقلية العسكرية ومن يدور في فلكها تبسط الأمور، ولا تدرك أن التعامل مع العثمانيين على أنهم قوات احتلال لمصر، تتجاهل أنها كانت في مواجهة محتل آخر هم المماليك، والمصريون بدوا على مقاعد المتفرجين أكثر منهم لاعبين، وكأنهم ليسوا سكان البلد الأصليين.
لقد تراجع القوم في الحلقات التالية عن الإساءة لابن تيمية، وإن كان لا بد من ممثل للمتطرفين كمرجعية لهم، فقد وجدوا ضالتهم في سيد قطب، ليذكرونا بواقعة سابقة، خاصة بمسلسل لوحيد حامد كان يعرض في رمضان أيضاً، وقد أنكر فيه عذاب القبر، وإذ اعترض الأزهر، فقد تم التراجع عن ذلك في حلقة صنعت خصيصا لهذا الهدف.
ومهما يكن، فلم تكن الدراما وحدها العمل التلفزيوني الوحيد، الذي شغلنا في شهر رمضان، فقد كان هناك برنامج «الشريعة والحياة في رمضان»، الذي قدمه محمود مراد، وبدا كما لو كان شيخاً يحاور شيوخاً، ليذكرني ببرامج دينية قديمة للتلفزيون المصري كان يقدمها المفكر الإسلامي محمد عمارة، ورئيس جامعة الأزهر فيما بعد الدكتور أحمد عمر هاشم، لولا ابتسامات عريضة كانت تبدو مقحمة على السياق، وكأنه تلقى أمراً بها عبر «السماعة» في التو واللحظة!
وبعيداً عن شخصية أو شخصيتين، أحدهما كان غير مكترث بالمشاهدين ويجتر الكلام اجتراراً، وكأنه جاء للأستوديو عن طريق المخفر، فإن كل الضيوف بدوا وكأن الإلهام قد نزل عليهم، فأجادوا وتفوقوا على أنفسهم، لقد شملتهم بركة البرنامج «الشريعة والحياة» الذي ارتبط باسم الشيخ يوسف القرضاوي، فقيه الأمة وعالمها الأول. تمنيت لو عاد البرنامج إلى الشاشة أسبوعياً طوال العام، والذي افتقدته في السنوات الأخيرة، كما افتقدت برنامج «في العمق» لعلي الظفيري، إلا أن برنامج «سيناريوهات» لمحمد كريشان سد الفراغ، للدقة في التناول، والرصانة في المعالجة، والجدية في التحليل.
وبانتهاء الشهر الفضيل أصبح فؤادي فارغاً، فكان لا بد من التفتيش في الدفاتر القديمة، فإذا بي أتذكر منتهى الرمحي وما حل بها، ولا أعرف إن كانت قد عادت للشاشة، أم لا تزال تقضي العقوبة في بيتها وقد تقرر تمديدها، فلست زبونا دائما على «العربية»، كما أن البحث عن منتهى عبر غوغل لا يأتي بالنتيجة المرجوة، فرغم أنها من الجيل المؤسس لـ«الجزيرة»، والمؤسس للعربية، فإنها تبدو وكأن صحيفة أعمالها ليس فيها إلا نوبة الضحك، التي غشتها وهي على الهواء مباشرة!
من يعرفها يطمئنا عليها.
٭ صحافي من مصر