ليبيا: السيناريوهات المحتملة بعد سيطرة الوفاق على قاعدة الوطية

روعة قاسم
حجم الخط
1

بات توحيد ليبيا خارج إطار المفاوضات أمرا مستحيلا

تونس-“القدس العربي”:تؤكد كل المؤشرات الآتية من بلد عمر المختار أن الأزمة الليبية مقبلة على تحولات وتغيرات كبرى في الميدان وفي التحالفات السياسية الإقليمية والدولية. فبعد الهزائم الكبيرة التي مني بها حفتر على يد حكومة الوفاق، وبعد دحر قواته من قاعدة الوطية، فإن الملف الليبي بات مفتوحا على سيناريوهات عديدة. فحفتر لم يعد الرجل القوي في ليبيا حتى أنه -حسب أغلب المحللين والعارفين بخبايا الشأن الليبي، بدأ يفقد دعم بعض الأطراف التي كانت وقفت إلى جانبه سواء داخليا – بعد التقارير التي تتحدث عن انشقاقات داخل صفوف قواته – أو خارجيا بسبب تغير طبيعة التحالفات وموازين القوى السياسية والعسكرية.

ويبدو حسب عديد المتابعين، أن دحر اللواء المتقاعد خليفة حفتر وجنده ومن سانده من المقاتلين غير الليبيين من قاعدة الوطية، وحتى من كامل الغرب الليبي، لو حصل، لن ينهي النزاع المسلح في البلاد لأن الأمور ما زالت بعيدة عن الحسم العسكري لهذا الطرف أو ذاك. فحفتر ما زال يسيطر على الهلال النفطي الذي يتوفر به أكثر من 70 في المئة من احتياطيات النفط في بلد عمر المختار الذي تتوجه إليه أنظار العالم أساسا من أجل النفط الذي تعتبر كلفة استخراجه زهيدة مقارنة بعدد هام من البلدان المنتجة لهذه الثروة الطاقية.

لكن ما هو أكيد أن خليفة حفتر الذي خاض حربا في طرابلس تنبأ الجميع بفشلها منذ البداية، باعتبار بعد المسافة بين العاصمة وبين قواعده في الشرق الليبي، وضعف خطوط الإمداد وضعف إمكانيات هذا الجيش الذي يقوده، لم يعد رجل المستقبل القوي في ليبيا القادر على جمع الليبيين من حوله في نظر حلفائه الغربيين والإقليميين. كما أن الثقة في قدرته على الحسم العسكري باتت مهزوزة خاصة وأنه حدد سقفا لعملياته فاق بكثير امكانياته. فهاجسه نحو السلطة والسيطرة على طرابلس جعله يضع أهدافا غير معقولة ووضع نفسه في موقف محرج أمام حلفائه والمراهنين عليه خاصة وأنه كان يخوض حرب استنزاف بكل ما للكلمة من معنى.

فالأهمية الاستراتيجية لقاعدة الوطية التي بناها الأمريكان بداية أربعينيات القرن العشرين لا جدال فيها من الناحية العسكرية، بالنظر إلى حجم القوات التي يمكن أن تتواجد فيها وهو عدد كبير يحتاجه حفتر للحشد لاقتحام طرابلس ولن يتمكن بعد الآن من إيجاد مكان أكثر ملاءمة منه لتجميع عدد هام من قواته وتوفير مستلزماتهم اللوجستية. فقد كانت سيطرة حفتر على هذه القاعدة تقلل من احتمالات خسارته لمعركة طرابلس، وتعوض بعده عن قواعده وخطوط إمداده الرئيسية في الشرق خاصة وأن هذا البعد كان من أهم نقاط ضعفه التي حددها كثير من الخبراء العسكريين قبل بداية المعركة.

ولا يبدو أن قوات الوفاق المدعومة بقوة من تركيا ستكتفي بهذا النصر المحدود، إذ يتوقع البعض أن تتقدم باتجاه الجنوب الشرقي نحو ترهونة والجفرة لتوجيه ضربات أخرى موجعة لحفتر وحلفائه من فرنسيين وروس وإماراتيين ومصريين. وبالتالي ستعود الأمور، وفقا لهذا الطرح، كما كانت قبل أن يشنّ حفتر هجومه على طرابلس، بل ستكون أسوأ مما كانت عليه قبل هذا الهجوم بالنسبة لحفتر وداعميه باعتبار أنهم لن يلوحوا مستقبلا بورقة الحسم العسكري التي كانت تخيف الطرف المقابل، وبات توحيد ليبيا خارج إطار المفاوضات أمرا مستحيلا.

صراع إقليمي ودولي

 

لكن بطبيعة الحال يبقى هذا رهين تحقيق قوات الوفاق لانتصارات جديدة على الميدان من دون أن يستطيع حفتر لملمة جراحه والتقدم مجددا باتجاه طرابلس، خاصة وأن هناك حديثا عن إمكانية أن تعود روسيا بقوة لجولة جديدة في طرابلس وتنقل صراعها الرئيسي مع الأتراك من سوريا إلى ليبيا وبعتاد حربي كبير وبعدد كبير من الجنود من غير مرتزقة الشركات الأمنية والتشكيلات شبه العسكرية. فالحرب في ليبيا وإن بدت بين الليبيين، إلا أنها بالأساس صراع إقليمي ودولي حول الثروات الطاقية وموقع ليبيا في شرق المتوسط الذي تحتاجه أطراف عديدة حالمة بالأمجاد ومد النفوذ ليكون قاعدة ارتكازها.

ومن السيناريوهات المتوقعة أيضا من قبل عديد الخبراء، الوصول إلى وقف لإطلاق النار يمهد لعودة العملية السياسية التي توقفت بسبب هجوم حفتر على طرابلس على حين غرة، وفي وقت أعلن فيه المبعوث الأممي المستقيل غسان سلامة عن خطة جديدة للحل في ليبيا. ولعل ما يدعم هذا الرأي الاتصالات الإقليمية والدولية بين المتورطين في الصراع وأساسا المكالمة الهاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتن والتركي رجب طيب اردوغان، اللذين أعربا عن قلقهما إزاء تصاعد الاشتباكات مؤكدين على الحاجة إلى استئناف الهدنة الدائمة وإجراء الحوار بين الليبيين على أساس قرارات مؤتمر برلين، وأيضا المكالمة التي حصلت بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيطالي لويجي دي مايو وصبت في هذا الإطار.

كما أن حلف شمال الأطلسي الذي يضم حليفين لحكومة السراج وهما تركيا وإيطاليا، أعلن عن استعداده لدعم حكومة الوفاق على لسان أمينه العام، قبيل سيطرة القوات التابعة لحكومة الوفاق على الوطية، وهو ما يمثل دعما دوليا إضافيا لهذه الحكومة ويجعل روسيا تفكر بجدية قبل الإقدام على الدخول في مواجهة مع هذا الحلف الذي ما زال الصراع معه إبان الحرب الباردة ضمن حلف وارسو ماثلا في أذهان قادة أهم دولة في الاتحاد السوفييتي السابق. ناهيك عن التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي في ليبيا التي اعتبر فيها أن حفتر “ذكي بما يكفي لإدراك أن نفوذه ينحسر مع كل يوم تستمر فيه المواجهات” وهو ما رأى فيه البعض مؤشرا على فقدان اللواء الليبي المتقاعد ثقة الأطراف الدولية في قدرته على الحسم وبأنه رجل ليبيا القوي الذي لا يقهر، وبالتالي لا مفر من الحل السياسي الذي يبقى هو الأساس.

كما أن التصريحات الأخيرة لمبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة بالنيابة ستيفاني وليامز، تصب في هذا الإطار، أي الدعوة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات. فقد تحدثت وليامز للمرة الأولى عن التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، منتقدة الأطراف الدولية والإقليمية معتبرة أنها بتدخلها تزيد من تأزم الأوضاع في ليبيا ولا حل في نظرها إلا بوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.

باختصار تبدو الساحة الليبية بعد سيطرة حكومة الوفاق على قاعدة الوطية مفتوحة على احتمالات عديدة منها إمكانية استمرار هذه القوات في تقدمها باتجاه الجنوب الشرقي وغلق الباب نهائيا أمام فرضية الحسم العسكري من قبل خليفة حفتر، ومنها أيضا فرضية أن يستجمع الأخير قواه ويقوم حلفاؤه بدعمه للهجوم مجددا على طرابلس في وقت أصبحت فيه المواجهة بين الروس والأتراك علنية وطاغية على المشهد الليبي بعد أن كانت بالأساس بين الفرنسيين والإيطاليين. كما أن خيار وقف إطلاق النار والذهاب نحو الحل السلمي يبقى قائما أيضا إذا ما وصلت الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة على الأرض الليبية إلى قناعة مفادها استحالة الحل عسكريا والاكتفاء فقط بغنائم طاولة المفاوضات رغم أنها لا تلبي طموحات البعض.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية