يبدأ الكاتب سمير أبوحامد روايته «أنا مريم التي وضعوا الريحان على قبرها» من مخيم للفلسطينيين في اللاذقية، ويحدد المكان والزمان بدءاً من (حصار بيروت 82)، ويتابع التعريف بأسماء الشخصيات ضمن فصول منفردة لكل منها، منطلقاً من السرد السياسي، ليتنوع في ما بعد بمستويات سردية يغلب عليها النفسي الذي يبحث في علاقة الشخصيات بمرجعياتها وطفولتها وتكوينها وإشكالياتها وسلوكياتها المباحة والمحرمة والممنوعة والمستورة.
مستويات السرد
تتعدد في الرواية مستويات السرد، ضمن بناء روائي يغلب عليه الطابع التقليدي، وتتوزع بين السياسي والفكري والاجتماعي والنفسي والطبقي.. وقد كانت بداية الرواية بالسياسي، لكنه خبا رويداً رويداً، ولم يعد لمرجعيات الشخصيات بأفكارها الحزبية أي تأثير على سلوكها وعلاقاتها اليومية، وإن كان في واقعنا الحقيقي يحدث هذا، ففي الرواية تظل إشارات عابرة لذلك، مع ربط الفكري بالاجتماعي أحياناً، خاصة ربط الأحزاب اليسارية بتحرر المرأة، لكنها تكون بتهكم واضح مع ربطها بالدين، عند بعض الشخصيات التي كانت تحتاج لفصول كاملة لدورها في أحداث الرواية، ومع كل هذا ظل النفسي (فرويد- علم النفس التحليلي) هو السائد على كل مجريات الأحداث وشخصيات الرواية، ومرجعياتها، وتركبيتها العقلية والجسدية، وعلاقة ذلك بالطفولة، وهذا ما شكل مدخلاً لتناول المحرمات والممنوع والمستور، ومنح الرواية جرأتها وربما غرابتها.
المكان والزمان
المكان يعني المشهدية.. يعني حركة وحياة الشخصيات فيه، وانعكاس ذلك على سرديات الرواية.. المكان يتطور مع تطور الشخصيات، وربما العكس صحيح، ويثير الأسئلة والحوار في الوقت الذي يكون فيه بمثابة نقاط ارتكاز للتداعيات والذكريات، وعليه لقد اشتغل الروائي على ربط المكان بالشخصيات فعلاً، لكنها لم تكن واضحة لقارئ لا يعرف أسماء تلك الأمكنة.. فلولا تسمية الأحياء في دمشق، لما عرف القارئ أين يدور الكثير من الأحداث، خاصة أن الكاتب يتعامل بمزاجية مع تلك المسميات.. مرة حي راق، ومرة مكتبة المدينة ومرة الحميدية. ومرة شارع بغداد.. لكنها واضحة جدا بالنسبة لمن يسكن في اللاذقية مثلاً، فقد استطاع الروائي أن ينقلها بدقة من حيث ذاكرة المكان والوضع الاجتماعي والسكاني والبيئي.. لكنه لم يرصد تطورها، أو لم ينقل للقارئ تطورها مع تطور الشخصيات.
أما بخصوص الزمان فقد حدد سمير أبو حامد الزمن بدقة متناهية بالسنين وبالشهور، ولا أدري تماماً هل هذا التاريخ يساعد القارئ على ربط الواقع المعاش بالواقع الروائي والزمن الوقائعي بالزمن التخييلي؟ هل فعلاً الأحداث والتطورات التي صارت في سوريا ما بين 1983 و1919 تتناسب مع تكوين الشخصيات وتطورها وتداعياتها وأفكارها وطروحاتها وحتى عقدها النفسية؟
إشكالية الشخصيات
يقود سمير شخصيات الرواية، ويتكلم بلسانه عنها، رغم محاولته التنويع في استخدام الضمائر(أنا وهو وهي وأنت)، ما أثر سلباً في تنوع المستويات اللغوية للرواية، تبعاً لتباين شخصياتها التي يربطها الكاتب بتحولاتها المجتمعية والنفسية والطبقية.
الرواية جريئة من حيث إشكاليات شخصياتها وأفكارها وموضوعاتها وخصوصيتها، وتشد القارئ برشاقة لغتها، وتداخل وتنوع سردها بين السياسي والاجتماعي والطبقي والعلمي والنفسي.
في الرواية عدد محدد من الشخصيات، تم اختيارها لتلعب الدور المراد لها نفسياً (مدرسة التحليل النفسي) مريم – عبدالله – فارس – غسان- وأخيراً عزة… هل الباقي (كومبارس)؟ لنقل أن هناك شخصيات مساندة كعماد ومنصور والأب والأم.. لكن هذا عمل روائي ويتسع لكل الخيوط والسيناريوهات، فكما ربط الكاتب تطور شخوصه الرئيسية بطفولتهم، ثمة شخوص استمروا في حياة تلك الطفولة، ولهم عقدهم النفسية ومرجعياتهم أيضاً، كوالد عزة الذي اغتصبها واستلبها، وأم عزة الصامتة عن ما يفعله وفعله زوجها تاريخيا. وفي بناء الشخصيات تظهر عند سمير بعض الكتابات «الذهنية «. فثمة نظريات «علم التحليل النفسي» تظهر وكأنها مركبة ضمن مجموعة من الأفكار والأحداث والحوارات، تجعل من الشخصي ما أراده المؤلف، فثمة طفولة مغايرة عند مريم وعبدالله جعلتهما مثليين في اتجاهين مختلفين مثلاً، وهنا تلح بعض الأسئلة: كيف على القارئ أن يقتنع بأن هذه الشخصيات كانت نتيجة الظروف والتطورات التي حددها الكاتب.. وهل بالضرورة الطفولة التي ركبها تقود إلى بلورة مثل كذلك شخصيات؟ وهل في الزمان والمكان الذي حدده الكاتب توجد شخصيات كهذه بتلك الإشكاليات؟ وما هي دقة تلك التوصيفات (مثلي، شاذ، لوطي، سادي، مستلب، مخنوث)، وإذ كان هدف سمير إنسانيا وطبيا وتربويا، وأراد أن يوصل دروسه للقارئ، فهل قدرته على إيصال ما يفهم هو كطبيب موفقة ودقيقة؟ وهل قناعاته وأفكاره وإسقاطاته صحيحة، والعالم في تطور متسارع على كل الأصعدة؟ وحتى في عالم التحليل النفسي وعند فرويد وغيره، كل النظريات والاستشرافات سقطت أمام الاكتشافات العلمية الحديثة وخاصة الجينات.
بين البداية والنهاية
«أنا مريم التي وضعوا الريحان على قبرها»
العنوان لافت وموح، رغم طوله، ويثير الكثير من الأسئلة التي تدفع القارئ للبحث عما يريد الروائي، ولم يتوقف الأمر عند العنوان، فقد استطاع سمير بلغة قصصية رشيقة وسلسلة، وبأحداث شيقة، أن يشد القارئ ويجعله يكمل الرواية وصولاً الى نهاية منطقية وموفقة.. وجاء ذلك من خلال شغله على حبكات متسارعة، لأحداث متنوعة تصب في حركة الشخصيات وسلوكها، وقدرته على إدخال التشويق والمفاجآت، بالإضافة إلى تسخيره لخبرته الطويلة كطبيب في سوريا وفرنسا، ونبشه للمسكوت عنه وفضحة للممنوع، خاصة في العلاقات الجنسية المثلية التي لم يوجه لها أصبع الاتهام بشكل مباشر، بل بعرض لنتائجها المؤسفة، كمرض الإيدز مثلاً، والإجابة عن أسئلة عميقة، وخاصة جداً، يبحث القرّاء عن إجابات لها.
وأخير يمكننا القول إن الرواية جريئة من حيث إشكاليات شخصياتها وأفكارها وموضوعاتها وخصوصيتها، وتشد القارئ برشاقة لغتها، وتداخل وتنوع سردها بين السياسي والاجتماعي والطبقي والعلمي والطبي والنفسي، تضفي على الرواية إرباكاً ما.. ولكن ليس بالمعنى السائد، بل بالمعنى الجدلي للإرباك.
كاتب فلسطيني/سوري