باتريك سلويان في “عندما أرسل ريغان المارينز”: سياسات أمريكا الخاطئة في المنطقة أوقعت المجازر فهل سيتعظ ترامب؟

سمير ناصيف
حجم الخط
0

هل سيتعظ دونالد ترامب عبر مراجعة الأخطاء التي ارتكبها رونالد ريغان في سياساته في الشرق الأوسط (وفي لبنان بشكل خاص) في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ولا يتوجه نحو مغامرات ستؤدي إلى مجازر جديدة كمجزرة صبرا وشاتيلا بحق الفلسطينيين المدنيين العزل في عام 1982 التي شكلت أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت بمجموعات لبنانية متحالفة مع قوى عربية وإقليمية إلى تفجير السفارة الأمريكية في بيروت مطلع عام 1983 والهجوم الدامي على مركز المارينز الأمريكي في العاصمة اللبنانية في العام نفسه والذي أدى إلى مقتل 280 جندياً أمريكياً؟

هذا سؤال طرحه كتاب صَدَر مؤخراً لصحافي أمريكي متخصص في الشؤون الدفاعية وفائز بجائزة “بوليتزر” وجوائز أخرى عالمية على موضوعيته في تغطية الأحداث. باتريك جّاي سلويان أكد في كتابه أن ريغان أخطأ في الاعتماد على وزير خارجيته ألكسندر هيغ ومستشاره للشؤون الأمنية روبرت ماكفارلاند وبالتالي اتخذ قرارات متسرعة وخطيرة في لبنان في مطلع الثمانينيات. علماً أن هيغ وماكفارلاند تتلمذا وعملا قبل ذلك مع هنري كيسنجر، مهندس الأخطاء المقصودة وغير المقصودة ضد الشعوب العربية في الإدارة الأمريكية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وحسب المؤلف في الفصل الثاني (ص 53) فإن ريغان تغاضى عن تواطؤ وزير خارجيته هيغ مع وزير الدفاع الإسرائيلي آرييل شارون عندما غزا لبنان عام 1982. ويؤكد سلويان أن هيغ اجتمع بشارون في أيار (مايو) 1982 قبل الغزو بشهر، وخدعا كبار مسؤولي الدفاع الأمريكيين إذ أكدا أن عملية شارون في لبنان لن تتعدى حدوداً متفقا عليها مسبقاً في جنوب لبنان فيما امتد الغزو إلى العاصمة بيروت. كما يوضح المؤلف أن المبعوث الأمريكي إلى لبنان فيليب حبيب ومساعده موريس درايبر حاولا تأكيد الموقف الأمريكي المتحفظ لشارون، ولكن الأخير فعل ما كان قد خطط له هو وهيغ ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغين.

وبعد فداحة ما ارتكبه شارون ومعاونوه في لبنان (يقول المؤلف) استمر ريغان في تأييد الميليشيات الطائفية المدعومة من إسرائيل في لبنان ولم يتعلم الدروس من أخطائه. وبدلاً من أن يوعز إلى قادة قوات المارينز في لبنان بعدم دعم أي جهة لبنانية على حساب أخرى، شجعهم على ضرب القوات المشتركة المتحالفة مع سوريا في معارك الجبل اللبنانية، ثم حمّل ضباطه المسؤولية عن التفجيرات التي ارتُكبت بدعم سوري ـ إيراني ضد المارينز في لبنان.

كما أن شارون تعهد للمسؤولين الأمريكيين، عندما دخل لبنان بأنه لن يرتكب تعديات ضد المدنيين الفلسطينيين بعد خروج “منظمة التحرير الفلسطينية” من البلد ولكنه ساهم في تشجيع الميليشيات المتحالفة مع إسرائيل على فعل ذلك على أثر اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل في أيلول (سبتمبر) 1982. وكانت إسرائيل وعدت أيضاً أنها لن تتواجه برياً وجوياً مع القوات السورية في لبنان ولكنها فعلت ذلك مستخدمة أسلحة وأجهزة متطورة زودتها بها أمريكا. وتم كل ذلك تحت أنظار الرئيس ريغان الذي ادعى انه لم يكن ملماً بالشؤون العسكرية. لكنه رغم ذلك رجّح كفة مرتكبي الأخطار في إدارته على حساب تحذيرات وزير الدفاع كاسبر واينبرغر وقادة الأجهزة الدفاعية والعسكرية في القيادة المشتركة الأمريكية، حسب قول الكاتب.

وبرغم أن ريغان أقال ألكسندر هيغ من وزارة الخارجية وعيّن جورج شولتز مكانه في 9 تموز (يوليو) 1982 فإنه استمر في ترجيح كفة المتطرفين في إدارته على حساب المتحفظين مدعياً أن همه الأساسي كان القضاء على النفوذ السوفييتي في لبنان والمنطقة.

ويعتبر الكاتب أن وحشية شارون في لبنان ساهمت في تعزيز حركة المقاومة المسلحة العربية واللبنانية ضد الوجود الأمريكي في لبنان وفي تصاعد العنف في المنطقة عموماً (ظهور منظمات على شاكلة “القاعدة” ومثيلاتها) (ص 72).

كما يوضح أن بشير الجميل، وبعد انتخابه رئيساً للبنان (بدعم إسرائيلي وأمريكي) في 31 آب (أغسطس) 1982 تريّث في غزو بيروت الغربية ذات الأكثرية المسلمة وتحفّظ إزاء توقيع اتفاق سلام متسرع مع إسرائيل واستاء من ضغوط مناحيم بيغين عليه في اجتماع عقده معه في نهاريا على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. ولما قامت إسرائيل بالإعلان عن هذا الاجتماع (خلافاً لما وعدت به) ثارت ثائرته وقرر تجميد التفاوض معها. علماً أن بشير الجميل اغتيل في 14 أيلول (سبتمبر) 1982 (بعد ذلك بأسبوعين). وبعد مقتله بأيام قليلة، أعطى بيغين الضوء الأخضر لشارون (وزير دفاعه) لدخول بيروت الغربية وحصارها وارتُكبت مجزرة صبرا وشاتيلا البشعة بين 16 و18 أيلول (سبتمبر) 1982 تحت أنظار شارون ومعاونيه. وبدلاً من أن يقطع ريغان علاقته بالقيادة الإسرائيلية وعملائها في لبنان، استمر في تأييدهما، وقَبِلَ بالحجة التي ادعت بأن جيش سعد الحداد (جيش لبنان الجنوبي العميل لإسرائيل) هو من أرتكب مجزرة صبرا وشاتيلا. كما رفض الانتقادات الموجهة ضده بأنه سحب القوات المتعددة الجنسية التي كانت تحمي المخيمات الفلسطينية في قرار سابق لأوانه، ثم قرر إعادة أرسالها إلى لبنان مرة ثانية مع قوات أوروبية حيث ارتكبت المزيد من الأخطاء (ص 92).

وتذرع ريغان آنذاك بأن القوات المتعددة الجنسية ستبقى في لبنان حتى انسحاب جميع القوات العسكرية الأجنبية من لبنان (قصَدَ سوريا وداعميها السوفييت).

وفي الفصل الثامن، أوضح سلويان بأن روبرت ماكفارلاند، الذي عيّنه ريغان مستشاره للأمن القومي في الشرق الأوسط، كان عسكرياً فاشلاً متأثراً إلى درجة كبيرة بهنري كيسنجر ومحاولاً اعتماد سياسات المفاوضات السرية التي يقال إن كيسنجر نجح فيها في الشرق الأوسط وآسيا. وعندما صار ماكفارلاند مبعوث ريغان إلى الشرق الأوسط، قام بمهمة فاشلة تلو الأخرى (حسب الكاتب) كان أخطرها عقده “اتفاق إيران ـ كونترا” مع النظام الإيراني حيث وفّر الصواريخ الخطيرة وقِطع الغيار العسكرية الأمريكية الأساسية لهذا النظام في مقابل الإفراج عن سبع رهائن أمريكيين احتجزهم حلفاء إيران في بعلبك (شرق لبنان). بيدَ أن إيران حصلت على هذه المعدات المتطورة ولم تفرج عن أكثر من أثنين من الرهائن ثم خطفت ستة رهائن آخرين.

ويعتبر الكاتب أن تأثر ماكفارلاند بسياسات كيسنجر وأمثاله لم يكن في محله إذ أن مبادرات أمريكا الانفتاحية في الصين والشرق الأوسط قام بها الرئيس ريتشارد نيكسون بنفسه فيما عارضها وعرقلها كيسنجر. ويؤكد سلويان بأن سياسة ريغان في الشرق الأوسط كانت مبهمة ومتسرعة ومتناقضة، وأن بعض مستشاريه كانوا من المحافظين الجدد الذين كرروا هذه الأخطاء لاحقاً في نظام بوش الأبن (كما يكررها بعضهم في نظام ترامب) على شاكلة اليوت ابراهامز الذي كان أحد أركان اتفاق إيران ـ كونترا. وحالياً يُعنى بالملف الفنزويلي في إدارة ترامب.

ويأسف المؤلف لقرار ريغان تكليف ماكفارلاند القيام بمهمات كان يقوم بها فيليب حبيب ثم معاونه موريس درايبر بنجاح. والأثنان كانا من الدبلوماسيين المخضرمين والمعتدلين في مواقفهما (ص 105). ويشير إلى أنه حتى الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل، الذي انتخب مكان شقيقه المغتال بشير، اعتبر ماكفارلاند مبعوثاً فاشلاً، علماً أن ماكفارلاند حاول الانتحار (لاحقاً) بتناول الحبوب المنومة بعد انهياره عصبياً بسبب فشل مهماته (التي قام بها بالتعاون مع الكولونيل اوليفر نورث) علماً أنهما وقعا ضحية تاجر سلاح إيراني فاسد كان يعمل للنظام الإيراني السابق قام بخداعهما وورطهما في عملية فاشلة.

ويشير الكاتب إلى أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد سمح لحلفاء إيران في لبنان بالقيام بتنفيذ عملياتهم بعدما نقضت أمريكا وإسرائيل وقيادتهما تعهدهما بأنهما لن يتعرضا للطيران والقوات السورية في لبنان (ص 108).

ويتطرق سلويان إلى عمليات قام بها حليف إيران عماد مغنيّة ضد الأمريكيين في لبنان بينها خطف رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت ديفيد دودج، وتسهيل عملية تفجير السفارة الأمريكية في غرب العاصمة (في 18 نيسان ـ أبريل 1983) التي ذهب ضحيتها 63 شخصاً بينهم 17 أمريكياً.

وقع قائد قوات المارينز في لبنان آنذاك الكولونيل تيموثي غيراثي (في رأي الكاتب) ضحية تخاذل سياسات الرئيس ريغان نتيجة لأوامره المتسرعة أو لعدم استماعه إلى نصائح القيادات الأمريكية الدفاعية والعسكرية في قراراته. فكما أخطأ ريغان، كانت المسؤولية تقع على غيراثي، مع أن هذا القائد (حسب قول الكاتب) كان قد نصح ريغان بسحب قوات المارينز إلى السفن الأمريكية الراسية في الشاطئ اللبناني قبل أيام من وقوع التفجير ضدها ميدانياً في الجناح في بيروت.

ولكن ريغان (في رأي سلويان) كان يستخدم مواهبه كممثل سينمائي وصاحب روح النكتة ليزيل اللوم عنه عندما يرتكب الأخطاء ويلبسها للآخرين (ربما كما فعل ويفعل غيره من الرؤساء الأمريكيين من بعده) ولم يكن يستمع إلى نصائح وزير دفاعه واينبرغر، كما لم يستمع رؤساء أمريكيون آخرون إلى نصائح وزرائهم لاحقاً. والخطأ الأساسي (حسب الكاتب) هو أن أمريكا في عهد ريغان (كما فعلت إدارات أمريكية لاحقة) انحازت إلى جانب جهة في لبنان، ضد جهات أخرى (ص 134).

وفي 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1983 تم تفجير مركز المارينز في منطقة الجناح في بيروت مما أدى إلى مقتل 281 جندياً أمريكياً، ثم مركز القوات الفرنسية الذي أدى إلى مقتل 58 جندياً فرنسياً. ولما ردت فرنسا بقصف جوي لمواقع الجهات التي ارتكبت هذين العملين، لم يشارك ريغان في هذا الرد الجوي. وكان قد أخطأ (قبل التفجيرين بثمانية أيام) حسب المؤلف، بإصداره الأوامر إلى قواته بقصف القوات المتحالفة مع سوريا من السفن الأمريكية إلى البر مما ساهم في حصول الرد التفجيري على هذا القصف (ص 137) أي أن ريغان قصف عندما لم يكن من الحكمة القصف بحرياً ثم تقاعس عندما كان من الضرورة الرد جوياً.

ويتهم الكاتب إيران بتوفير المتفجرات للذين قاموا بعمليتي السفارة الأمريكية والمارينز. ويقول إن هذه المتفجرات مرت من إيران عبر دمشق إلى هؤلاء ومقرهم ثكنة عبد الله في بعلبك (شرق لبنان). وحاول ريغان التمويه على فشله في لبنان بالقيام بعملية عسكرية ضد جزيرة غرينادا الكاريبية الواقعة قرب الولايات المتحدة، ولكنه فشل. وأكد سلويان أن ريغان كان المسؤول الأساسي عن المجازر التي ارتُكبت في عهده في لبنان. ولكنه تملص منها لأنه لم يُحاسَب عليها، ولم تُنفّذ حملة إعلامية فاعلة ضده كما نُفذّت ضد الرئيس ريتشارد نيكسون على أثر فضيحة “ووترغيت”. وهذه الأخطار “الريغانية” (حسب سلويان) لاحظها مقربون من نظامه، وبينهم السفير الأمريكي في لبنان آنذاك روبرت ديلون، والمبعوثان فيليب حبيب وموريس درايبر وغيرهم. ولدى مواجهة والترموندايل (خصم ريغان في الانتخابات الرئاسية للتجديد له في منتصف الثمانينيات) بهذه الحقائق لم يحصل على الدعم الكافي من الإعلام، واستطاع ريغان أن يلقي بالمسؤولية على الآخرين وانتُخب لولاية ثانية. أما معاونو ريغان في ارتكاب الأخطاء، فتمت محاسبتهم من جانب المدعي العام الأمريكي الخاص وصَدَرت إدانات بحقهم لضلوعهم في عمليات الصفقات مع إيران وتزويدها بالأسلحة المتطورة خلال حربها مع العراق في عام 1986 خلافاً للشرائع الأمريكية. فتمت إدانة وزير الدفاع كاسبر واينبرغر، وجون بويندكستر وروبرت ماكفارلاند (مستشاري الأمن القومي) واليوت ابراهامز، مساعد وزير الخارجية، والكولونيل اوليفر نورث، ولكنهم نالوا عفواً رئاسياً من رئيس الجمهورية الجديد جورج هيربرت بوش (بوش الأب) الذي كان نائباً للرئيس وانتُخب رئيساً بعد ريغان، علماً أن بوش الأب كان قد شارك واطلع على عملية إيران ـ كونترا (ص 179).

ويذكر سلويان أن إسرائيل حفّزت ماكفارلاند على القيام بعملية “إيران ـ كونترا” إذ كانت على علاقة مع تاجر السلاح الإيراني مانوشير غوربانيفار لدى عمله سابقاً كوسيط أسلحة في نظام شاه إيران واستمر في عمله وساهم في تسهيل زيارة روبرت ماكفارلاند إلى إيران عام 1986 وتزويده إياها بالأسلحة الأمريكية المتطورة (ص181 ـ 182).

Patrick J. Sloyan: “When Reagan Sent In the Marines”

Thoma Dunne Books, New York 2019

228 Pages.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية