عُزلة الوباء وفعل الكِتابة تحت سماء الحرب: آراء وتجارب يمنية

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء ـ «القدس العربي»: تُضاعف جائحة كوفيد 19- من معاناة الناس، خاصة في بلدان الحرب كاليمن؛ إذ نلمس، هناك، التأثير واضحاً في ما تبقى من مجالات العمل والإنتاج، علاوة على ما تحصده من أرواح في ظل الافتقار للخدمة الصحية. نتوقف هنا عند الكُتاب الذين كانوا يجدون قبل الوباء، رغم الحرب، فرصة لتنظيم وحضور أنشطة ثقافية، وقبل ذلك النجاة من الموت، ضمن دائرة الوباء، متجاوزين بعض ما فرضته الحرب من واقع إنساني صعب، لتفرض عليهم عُزلة الوباء، واقعاً جديداً ضاعف من معاناة الصراع، الذي دمّر وأغلق وعزل البلد عن العالم، منذ أكثر من خمس سنوات…هنا نسأل، في ظل هذا الوضع، هل تخدم عُزلة الوباء فعل الكِتابة أم أنها عُزلة عقيمة؟ تفاعلاً مع ذلك رصدت «القدس العربي» آراء عددٍ من الكُتاب تحت سماء الحرب هناك.

انتظار الموت

هناك نوعان من العُزلة، وفق الكاتب والمحاضر في جامعة الحديدة خالد الأهدل: عزلة طوعية اختيارية يلجأ إليها المبدع أحياناً للاستجمام وإعادة ترتيب عالمه الداخلي، أو لإنجاز مشروع إبداعي يتطلب منه إيقاف نشاطه الاجتماعي، والتفرغ كلياً لإنجاز هذا المشروع، وهذا النوع من العزل لا شك مثمر وإيجابي.
أما النوع الآخر، أي العزلة القسرية الإجبارية، كالتي نعيشها هذه الأيام للوقاية من عدوى كورونا، فهي، وفق الكاتب الأهدل، «عزلة سلبية وعقيمة ومحبطة؛ لأنها محكومة أولاً بظروف نفسية في غاية السوء، فالمبدع يعيش حالة من الخوف والقلق الشديدين، خاصة مع يقينه من عدم وجود منشأة صحية واحدة، تنقذ حياته وحياة ابنائه من الموت، وإذا أضفت إلى ذلك الوضع المادي والمعيشي الصعب الذي يعيشه المواطن اليمني عامة، والمثقف والمبدع خاصة، جراء انقطاع الرواتب وغلاء الأسعار الناجم عن الحرب… تكون المحصلة هي الإحباط والعزلة؛ وبالتالي هي شكل من أشكال انتظار الموت، لكن يمكن لهذه العزلة أن تكون مثمرة بعد انتهاء عوامل الخوف والقلق، وتحسن الظروف النفسية للمبدع، حينها يمكن له استغلالها وتوظيفها في إبداع جديد كتابي (سردي/ شعري) أو فني تشكيلي أو موسيقي أو مسرحي، إلخ».

الكتابة والكآبة

لكن فعل الكِتابة، من وجهة نظر الشاعر محيي الدين جرمة، هو فعل وقائي، في كل الأحوال، من الكآبة، وبدونه سيتأثر الكاتب نفسياً، وبالتالي فإن فعل الكتابة «كان وسيظل مرتبطا بتهذيب العالم. لم تكن ورش الكتابة قبل أن توجد الكتابة ذاتها كغرفة ونافذة حرية مشرعة للكاتب، تمتلك خيارات ذاتها في المرض، كما في العلاج معاً.

العزلة تخدم الكتابة إذا افترضنا أن الكتابة فعل يحتاج إلى ظروف ملائمة للبوح، ومن هنا نجد العزلة بكل أنواعها جزءا مهما في عملية الإنتاج والإبداع

الكتابة طقس معهود لعزلة مؤقتة لحظية ويومية، ولدت معه، قبل أي مرض أو احتراز وبائي، وهي أيضاً أشبه بحالات عدوى حميدة، لكنها قد ترتبط بلذة ما، وإن صاحبتها أحياناً أعراض شبيهة بالاكتئاب لدى بعض الكُتاب، ولعل البعض يشفى منه بمجرد الانتهاء من فعل الكتابة كمخاض». معتبراً الكتابة في حقيقتها هي «عالم الكاتب وخلاصة عزلته المحبذة غالباً بعيدًا عن كل وسط ثقافي موبوء بأوبئة النم والإقصاء… وأرى الكتابة تنمو وتتطور في عزلتها بعيداً عن عزلات أخرى، كما تنضج، أيضاً، كنص موضع تفاعلات وتأويلات التلقي المفترضة». ولا يرى جرمة في عزلة الوباء تأثيراً في تجربة الكتابة «لأن عزلة الأخيرة متجذرة وأقوى في عدوى تفاعلاتها الثقافية المستحبة لدى المجتمعات، لكن الكتابة تتأثر إيجاباً عبر تفاعلات التلقي، أكان عن بُعد أو بحميمية تصفح ومصافحة الكِتاب، التي لا تُعدي بالطبع، بقدر ما تًصيب فائدة وتحقق ألفة».

منطق الحرب

لكن تأثيرات هذه العُزلة التي يفرضها الوباء تبقى متباينة من كاتب إلى آخر، حسب الشاعر بشير المصقري… لكنه يعتقد، أيضاً، أن «العزلة ستظل هي العزلة؛ لأن واقع البلد في ظل الحرب، التي صارت في عامها السادس، جعلت معظم الكتّاب يعيشون مع العزلة، حال كل اليمنيين في الداخل، ولا فرق في العزلة هنا من حيث أنها عزلة وباء أو عزلة من نوع آخر؛ فالعزلة باختلاف أسبابها هي ذاتها». مشيراً إلى ما يعانيه المثقف اليمني تحت ظروف الحرب «فالإحباط يحاصره، وظروف الحرب تضيق عليه الخناق؛ فإما أن يكتب مع مَن يحكم أو يبدو خائناً، وهنا تتضاعف معاناته مع الحرية، وأنصح الكاتب، في ظروف كهذه، أن يكتب؛ فالكتابة في ظروف الحرب مهمة، وإن لم يكن بالإمكان النشر، بسبب سيطرة منطق الحرب على واقعه، لكن ستأتي حاجة الناس لما كتب عاجلاً أو آجلاً، وطبقاً لهذا المنطلق أستطيع القول إن العزلة تخدم الكتابة». مقترحاً «أن يتم استغلال فترة توقف الأنشطة الثقافية، بسبب الوباء لقياس ما تحققه من مردود فكري والتقاط الأنفاس قليلاً لإعادة النظر في موجهاتها وفاعليتها من قبل المؤسسات الثقافية».

وحشة العزلة

فيما يرى الصحافي عبد الرحمن الشيباني العزلة المفروضة موحشة، ولها تأثيرها السلبي على الكتابة، مستغرباً «أن يجد الكاتب نفسه بعيداً عن معترك الحياة التي هي بالأساس تشكل ماده خصبه لفضاء تحليقه الإبداعي، وتناول الدهشة والألم والفرح والحزن، إلخ؛ فكل هذه المفردات تظل بعيدة عنه ما لم تكن معاشة». متسائلاً «كيف يمكن لهذا المبدع أن يتفاعل مع الآخرين وهو يعيش عزلة مفروضة؟ فلا يمكن أن يكتب أحد عن الحب ما لم يتجرعه مثلاً». معتقداً أن «العزلة قد تكون مفيدة إن كانت اختيارية للقراءة والمراجعة والوقوف على ضفاف الذات ومراجعتها، بل جلدها أحياناً». موضحاً «أن معايشة الناس كل يوم مع قراءة كتاب أو حضور ندوة، كل ذلك يسهم بشكل كبير في تجديد التفكير، وتوليد كتابة مختلفة ولغة أخرى، انطلاقاً من رؤية جديدة… وبالتالي فالعزلة موحشة والتملص منها فريضه يجب أداؤها حتى لا تترك جراحاتها فينا».

العزلة الوبائية

لكن هناك كتاب استفادوا من عزلة الوباء، ويعشقون العزلة دائماً كالقاص والروائي أحمد قاسم العريقي، فالعزلة بالنسبة له «هي نفسها في كل الأوقات لأنني، أولاً، أمقت القات ومجالسه، وبالتالي متعايش مع العزلة قبل هذا الوباء، كما جعلني الخوف من كورونا التزم العزلة، وأعمل خلال هذه العزلة، على مراجعة أخيرة لروايتي الجديدة، بل أوصيت أولادي بطباعتها في حال نال مني الوباء. كما أكتب مسلسلا تلفزيونيا علّ المخرج ينجح في تسويقه على قناة تعشق الحرية». وعلى الرغم من ذلك يعود العريقي ليقول «إن عزلة الوباء تختلف عن العزلة التي يفرضها المرء على نفسه في الظروف العادية. بالنسبة لنا نحن الكُتّاب فقد حرمتنا عزلة الوباء من لقاء الأصدقاء وجهاً لوجه في المنتديات الثقافية؛ فتلك اللقاءات كانت تعزز المحبة والتثاقف»، «فرضتُ على نفسي العزلة وعشقتها؛ لأنني لست من مرتادي مجالس القات، وأعشق العزلة قراءة وكتابة».

عوالم العزلة

ويتقارب مع رؤية العريقي الشاعر خالد الضبيبي، الذي يعتقد أن «العزلة هي بالنسبة له الحياة، سواء كانت عزلة مرضية أو عزلة اختيارية، أذهب إليها مدفوعاً بإرادتي، مغامرا بالوحدة في دهاليز الوجود التي ما أن تستتب تفتح لي عوالم كثيرة»، معتبراً «القراءة عالم من عوالم العزلة، إذ بها استطيع الرحيل في كل مكان والتحليق في كل فضاء، لهذا قبل العزل الصحي الوبائي، الذي جاء بأسلوب مغاير، كنت أعتزل الناس كثيراً؛ كي أجد نفسي في القراءة، أو حتى لإنجاز مشاريع كتابية… وبالتالي فالعزلة أيا كانت، هي جزء من الحلم والحياة الخاصة للقارئ والكاتب». مؤكداً على أن «العزلة تخدم الكتابة إذا افترضنا أن الكتابة فعل يحتاج إلى ظروف ملائمة للبوح، ومن هنا نجد العزلة بكل أنواعها جزءا مهما في عملية الإنتاج والإبداع»، مشيراً إلى أن انقطاع الأنشطة الثقافية العامة جراء الوباء لم يعد مشكلة، مع ما أتاحته التكنولوجيا من إمكانية المشاركة والتفاعل عن بُعد في أي فعالية ثقافية وفي أي مكان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية