بغداد ـ «القدس العربي»: تعوّل الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي، على النتائج المرتقب تحقيقها من المفاوضات المُنبثة من الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً في مجال الأمن، بعد موافقة واشنطن على قرار بغداد القاضي بانسحاب القوات الأجنبية، الأمريكية تحديداً، من الأراضي العراقية وفق جدولٍ زمني، غير أن ذلك لم يُقنع الفصائل المسلحة، أبرزها كتائب «حزب الله» في العراق، المنضوية في «الحشد الشعبي»، والتي هدّدت، من يسعى إلى إبقاء القوات الأمريكية في العراق، متعهدة بـ«طرد المحتلّ».
وقالت الكتائب في بيان صحافي: «لَمْ تُبادرْ الولاياتُ المُتَحدةٌ الأمريكيّةُ لإجراءِ مَا يُسَمى بِالحوارِ الاستراتِيجيّ إلا بَعد إدراكِها أنَّ وجودَها لَمْ يَعُد مُرحبًا بِهِ فِي العِراق، لاسِيما بَعدَ قرارِ مَجلِسِ النّوابِ الذي ألزَمَ الحُكومةَ بإخراجِ القُواتِ الأجنَبيّةِ مِنْ البِلادِ، وَالّذي تَمَ تأييدُهُ مِنْ الشَّعبِ فيمَا بَعدُ بِخروجِ مَلايينِ المُتظاهرينَ فِي ثَورةِ العِشرينَ الثّانيةِ».
ووفق البيان»كانَ العِراقيّونَ يَنتَظرونَ مِنْ المَعنيينَ تَنفيذَ قَرارِ إجلاءِ القُواتِ بِمُدةٍ مُحدَدَةٍ، وَلَمْ يَتوقَعوا الرّضوخَ لِرَغباتِ الإدارةِ الأمريكيّةِ الإجراميّةِ بِإجراءِ مَا يُسَمى الحِوار الاستِراتِيجيّ وِفقَ تَوقيتاتٍ وَآلياتٍ وَشروطٍ وُضِعَتْ وفُرضِتْ تَحتَ وَقعِ التَّهدِيدِ، وَمَا قَبُولُها إلا إصرارٌ عَلَى الاستِمرارِ فِي هَتكِ السِّيادَةِ العِراقيّةِ وَالخُنوعِ لإرادَةِ العَدوِ».
وختم: «لِيتيقنَ الّذينَ يَسعونَ لإبقاءِ قُوّاتِ الاحتِلالِ فِي البِلادِ أنَّهم لَنْ يَستَطيعوا حِمايَةَ وجودِها غَيرِ الشَّرعيّ مِنْ غَضبِ العِراقييّنَ بِكُلِ أطيافِهِم، الّذينَ سَيَعمَلونَ بِكُلِ إمكاناتِهِم لِحِفظِ السِّيادَةِ وَطردِ المُحتَلِ».
من جهة ثانية، أعلن مستشار رئيس الوزراء للشؤون الخارجية حارث حسن، تفاصيل الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة.
ونقلت وكالة الانباء العراقية عن حسن قوله، إن «ما جرى بين الجانبين ليس مفاوضات حول موضوع محدد بل إطلاق لحوار على مستويات وقضايا متعددة»، لافتا إلى أن «الجلسة الأولى من الحوار كانت على مستوى وفد يرأسه وكلاء وزراء خارجية البلدين وممثلو الوزارات المعنية بالملفات».
وأضاف أن «اختيار أعضاء الوفد كان على أساس محاور اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وضمنها المحور الأمني والسياسي والاقتصادي والثقافي والصحي»، موضحا أن «من الطبيعي أن يكون هناك ممثلون للوزارات يتحدثون بما يعتقدونه ذا صلة بالعلاقات العراقية ـ الأمريكية في مجال تخصصاتهم».
وأشار إلى أن «فكرة هذا الحوار سيكون حصرا حول موضوع وجود القوات الأمريكية في العراق خاطئة»، مبينا أن «المحور الأمني هو واحد من المحاور ويشمل موضوع وجود القوات الأمريكية والتعاون اللوجستي والتدريب والتسليح».
وأكد أن «إذا عادت الأمور إلى طبيعتها بعد انتهاء كورونا، هناك احتمال أن يزور وفد عراقي الولايات المتحدة، وقد يكون على مستوى رئيس الوزراء أو وزير الخارجية»، مؤكدا أن «الحوار مستمر على مستويات متعددة لمتابعة ما يتم الاتفاق عليه».
وأوضح أن «الملف الأمني يتحرك في إطار ثلاثة مبادئ أساسية، حددها رئيس الوزراء؛ الأول سيادة العراق، والثاني مصلحة العراق، والثالث الرغبة في إقامة علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة»، مؤكدا أن «المحاور العراقي كان يتحرك في هذا السياق، وهذه المبادئ كانت واضحة بشكل جيد في لغة البيان، ولُمس الاعتراف الأمريكي بسيادة العراق ووحدة أراضيه وبقرارات مؤسساته الدستورية، والاستمرار بتقليص القوات الأمريكية في العراق، والانتقال إلى علاقة أمنية طبيعية، تقوم على الهدف المشترك تحديدا لمحاربة داعش، لأن وجود قوات عسكرية أمريكية في العراق كان ولا يزال هدفه الأساسي هو محاربة داعش، وبعدها الانتقال إلى علاقة أمنية طبيعية بين بلدين يحاولان أن يؤطرا تعاونهما الاستراتيجي عن طريق التدريب والتسليح والدعم التكنولوجي وغيرها من الأشياء».
دوافع سياسية
وتابع أن «التشكيك في المحاور العراقي جزء منه يحمل دوافع سياسية، لأن بعض الأطراف لم تفهم بالضبط طبيعة هذا الحوار، وتصورت أن هناك تفاوضا في غرف مغلقة، تناقش فيه القضايا الجوهرية بعيدا عن إرادة المؤسسات الدستورية العراقية، وهذا غير صحيح»، مشددا على أن «هؤلاء ممثلين للحكومة العراقية تم اختيارهم على أسس تمثيل وزاري ومؤسساتي».
وأكد مستشار رئيس الوزراء، أن «الجانب الأمريكي كان مرنا جدا وراغباً في إنجاح الحوار، ومنذ البداية كان موقفه واضحا، فيما يتعلق بتقليص القوات»، مشيرا إلى أن « تواجد القوات الأمريكية في العراق مبني على إطارين؛ الأول هو اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين، والإطار الثاني هو دعوة الحكومة العراقية في رسائل، وجهت من العراق إلى مجلس الأمن لتشكيل التحالف الدولي المناهض لداعش بقيادة أمريكية».
كتائب «حزب الله» تهدد الساعين للإبقاء على القوات الأمريكية
ولفت إلى أن «هذين الإطارين هما اللذان نظما الوجود الأمريكي في العراق»، موضحا أن « الجانب الأمريكي ملتزم بهذين الإطارين، وقد تعهد أن مهمته الحصرية وتفويضه الوحيد متعلق بالصراع مع داعش، وأن عملية تقليص القوات الأمريكية هي نتيجة طبيعية لانحسار خطر داعش، وفقدان داعش السيطرة على الأرض العراقية، مما يفترض الانتقال إلى مرحلة أخرى من التعاون بين البلدين».
وبين أن «الطرفين ملتزمان بإطلاق الحوار الاستراتيجي، لأن لديهما مصلحة في هذا الحوار ومصلحة بتعزيز العلاقات بين البلدين»، منوها إلى أن «البيان المشترك يجب أن يفهم باعتباره نجاح للحكومة العراقية ولسياسة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، التي نجحت في وضع جميع مطالب العراق الرئيسية في هذا البيان، وكان هناك تفهم جيد من الجانبين لآفاق التعاون المشتركة في المرحلة المقبلة». وأشار إلى أن «الحوار الاستراتيجي مستمر وسيتم عقد جلسات في بغداد وحسب الظروف والالتزامات وسيتم تحديد مستوى الوفد العراقي لاحقاً». وتعدّ الفصائل المسلحة المقرّبة من إيران، أبرز العقبات أمام الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، لما تمثله من خطر على مصالحها في هذا البلد المليء بالأزمات.
ويرى الباحث الاستراتيجي العراقي، علي فضل الله، أن واشنطن غيّرت من استراتيجيتها في مواجهة إيران، من العقوبات المباشرة إلى استهداف الأفراد والمؤسسات المتعاونة مع الجمهورية الإسلامية.
وزاد لـ«القدس العربي»، أن «أمريكا تحولت باستراتيجية فرض العقوبات المباشرة باتجاه إيران؛ بعد أن فشلت علما أنها بدأت هذه الاستراتيجية منذ بدأ الألفية الثالثة، وأنشأت وكالة استخبارات للشؤون المالية تحديد لهذا الغرض، وتعقبت الأصول المالية الإيرانية في كل دول العالم ثم منعت بيع النفط الإيراني».
إجراء استفزازي
وأضاف: «اليوم اتجهت أمريكا، باتجاه الدول والمؤسسات والأفراد الذين تعتقد أنهم متعاونون مع إيران دون الرجوع لجمعية الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو المحكمة الدولية، لتنصب نفسها شرطيا وقاضيا للعالم أجمع».
وأوضح أن «العقوبات التي طالت بعض الشخصيات والمؤسسات العراقية الحكومية وغير الحكومية ما هو إلا إجراء استفزازي بحجة تعاونهم مع إيران، ولو سلمنا لذلك، ما الذي أثمر هذا التعاون؟ لقد دحر أكبر تنظيم وحشي وإرهابي عرفه التاريخ الحديث إن لم يكن التاريخ كله، تنظيم هدد السلم المجتمعي الدولي برمته.. وهذا يتناقض مع شعارات أمريكا التي تدعي فيها محاربة داعش، ونحن نعلم أن داعش ذلك المنتج الإرهابي الهجين جاء نتيجة التزاوج الذي حصل ما بين الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان أبان الحرب ما بين الاتحاد السوفيتي والسلفية الوهابية القندهارية».
وأشار إلى التوصية الأخيرة للحزب الجمهوري الأمريكي، بشأن إدراج هادي العامري وفصائل مسلحة تابعة «للحشد» على لائحة الإرهاب، قائلاً: «يأتي توقيت هذه العقوبات لإرغام قادة الفصائل للقبول بجلوس الحكومة العراقية للتفاوض مع أمريكا، والقبول بعقد اتفاقية استراتيجية شبيهة بعام 2011، لكن ببقاء القوات الأمريكية في العراق الى أجل غير مسمى وتبيت لقواعد عسكرية أمريكية».
وتحدث أيضاً عن الأسباب الأمريكية التي تقف وراء التركيز على قادة «الحشد»، قائلاً: «إنهم يمثلون خط الصد الممانع للسياسات الامريكية في العراق والمنطقة، وخصوصا في موضوعة القواعد العسكرية في العراق وعدم التطبيع مع اسرائيل والقبول بصفقة القرن، والأهم من ذلك كله التوافق والتقارب مع إيران».
ورغم سعي واشنطن لتفكيك مؤسسة «الحشد» غير أن فضل الله رأى أن «لا خوف على مؤسسة الحشد إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن هذه المؤسسة جاءت وتأسست بمتبنيات عقائدية قبل أن تكون دستورية قانونية. وهذا الخط ارتباطه بمصير الوطن ويحظى بتأييد شعبي كبير رغم الهجمة الإعلامية الممنهجة عليه».
وتابع قائلاً: «قادة الحشد لم يكترثوا (للمساعي الأمريكية) لأن هكذا شكل من العقوبات مرهون بارتباط المصالح مع أمريكا والدول الغربية وهم ليست لهم ادنى مصلحة مع هذه الجبهة الصهيو أمريكية»، معتبراً في الوقت عيّنه أن عدم ردّ الحكومة العراقية على الاستفزازات الأمريكية تجاه قادة «الحشد»، أنه «خرق سيادي نابع من حالة الانقسام في القرار السياسي العراقي.. حيث بعض الفرقاء يدينون بالولاء لأمريكا وإسرائيل بل بالائتمار لهم، وأن أمريكا تريد أن تستغل حالة الانقسام هذه لكنها دون أن تدرك سوف تخلق جبهة رصينة على المستوى القريب قد تصل قوتها للعودة وتفعيل الأغلبية الوطنية السياسية المجتمعية لمواجهة أمريكا على المستوى الأمني والسياسي وحتى الاقتصادي».
ويبدو أن حكومة رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي، تنتهج سياسة مسك العصا من الوسط في علاقاتها الخارجية، خصوصاً بما يتعلق بإيران وأمريكا، الأمر الذي يخالف سياسة «المقربين من إيران» الذين يعدّون الأمريكان «محتلين».