ترى مصر في السد تهديدا وجوديا
القاهرة-“القدس العربي”:أيام قليلة تفصل المصريين عن الموعد التي أعلنته أديس أبابا لبدء ملء خزان سد النهضة، من دون التوصل لاتفاق بشأن قواعد وفترة الملء وطريقة التعامل خلال فترات الجفاف، ما يهدد بتعرض مصر لأزمة مائية بسبب انخفاض منسوب المياه الذي يصل إليها.
وأعلنت إثيوبيا عزمها بدء ملء خزان سد النهضة، بشكل منفرد، رغم فشل كل جولات التفاوض الثلاثية بينها ومصر والسودان، على مدار السنوات الماضية، وآخرها التي انطلقت في التاسع من حزيران/يونيو الجاري، بدعوى من عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان.
محمد عبد العاطي وزير الموارد المائية والري المصري، قال في أعقاب انتهاء اجتماع وزراء المياه في مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الذي عقد الأربعاء، إن مفاوضات سد النهضة التي أجريت على مدار الفترة الماضية لم تحقق تقدما يذكر، وذلك بسبب المواقف الإثيوبية المتعنتة على الجانبين الفني والقانوني، حيث رفضت خلال مناقشة الجوانب القانونية أن تقوم الدول الثلاث بإبرام اتفاقية ملزمة وفق القانون الدولي، وتمسكت بالتوصل إلى مجرد قواعد إرشادية يمكن لإثيوبيا تعديلها بشكل منفرد.
وتابع عبد العاطي في بيان: “كما سعت إثيوبيا إلى الحصول على حق مطلق في إقامة مشروعات في أعالي النيل الأزرق، فضلاً عن رفضها الموافقة على أن يتضمن اتفاق سد النهضة آلية قانونية ملزمة لفض النزاعات، كما اعترضت على تضمين الاتفاق إجراءات ذات فعالية لمجابهة الجفاف”.
كما ذكر وزير الري، أنه رغم طول أمد المفاوضات على مدار ما يقرب من عقد كامل، إلا أن مصر انخرطت في جولة المفاوضات الأخيرة التي دعا إليها السودان الشقيق بحسن نية سعياً منها لاستنفاد واستكشاف كافة السبل المتاحة للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول سد النهضة، بما يؤمن لإثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية من هذا المشروع، مع الحد، في الوقت ذاته، من الآثار السلبية والأضرار التي قد يلحقها هذا السد على دولتي المصب. ولكن للأسف، استمرت إثيوبيا في مواقفها المتشددة.
وأوضح أن إثيوبيا اعترضت في ختام اجتماعات وزراء الري على اقتراح بأن تتم إحالة الأمر إلى رؤساء وزراء الدول الثلاث كفرصة أخيرة للنظر في أسباب تعثر المفاوضات والبحث عن حلول للقضايا محل الخلاف، مما أدى إلى إنهاء المفاوضات.
إلى ذلك حذر خبراء مصريون من دعوات توقيع أي اتفاق جزئي، مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، واعتبروا أن التوقيع على مثل هذا الاتفاق سيمثل إهدارا للحقوق المائية لمصر.
استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حمدي عبدالرحمن حسن، كتب على صفحته على فيسبوك، تحت عنوان مناورة الفرصة الأخيرة: “لعلنا نذكر أنه في 10 نيسان/ابريل الماضي عرض رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد مشروع اتفاق جزئي خاص بقواعد الملء الأول، وكان المنطق هو كسب المزيد من الوقت لبناء الثقة حتى يتم التوصل لاتفاق نهائي في غضون عامين”.
وأضاف:” على أن مصر والسودان رفضتا ذلك بشكل قاطع واشترطا لاستئناف المفاوضات التوصل لاتفاق شامل، اليوم تعيد بعض الأطراف ومنها مجموعة الأزمات الدولية فكرة التوقيع على اتفاق جزئي لتمكين إثيوبيا من المضي قدما في خطة الملء الأول خلال الشهر المقبل مع تعهدها بالنظر في مخاوف كل من مصر والسودان وأخذها بعين الاعتبار”.
وزاد: “لا يزال الموقف المصري واضحا حيث أن الجولة الأخيرة من المفاوضات لم تحقق أي اختراق يذكر ما يعني العودة للمربع الأول، وعليه فإن خيار لا اتفاق يظل أفضل من اتفاق جزئي منقوص”.
وتابع: “إذا استمرت إثيوبيا في خططها بالملء الأول فيمثل ذلك انتهاكا صريحا لإعلان المبادئ ولموقف الأطراف الدولية الفاعلة ومنها الولايات المتحدة والصين. كما يمكن لمصر إلغاء اتفاق المبادئ ما يسحب الاعتراف بمشروعية السد نفسه. لن تستطيع إثيوبيا ولا داعميها في الداخل والخارج تحمل تداعيات ذلك كله. وأخيرا فإن نهاية المسار التفاوضي تعني وجود أوراق أخرى مهمة تمتلكها مصر قد تدفع بالطرف الآخر إلى العودة مرة أخرى للتفاوض والتوصل لصفقة عادلة، إنها قضية مصيرية وترتبط بالأمن القومي لكافة الأطراف”.
هاني رسلان مستشار مركز “الأهرام” للدراسات السياسية والاستراتيجية كتب على صفحته الرسمية على فيسبوك:” نحذر من أن أي جهة خارجية أو غير خارجية، تدعو لأي اتفاق جزئي بشأن السد الإثيوبي، إنما تقدم نصيحة ظاهرها الحكمة وباطنها الخراب، فذلك يصب تماما وبشكل نهائي في نفاد الاستراتيجية الإثيوبية كاملة في الهيمنة المائية والاستراتيجية”.
وتابع: “أي اتفاق جزئي بشأن السد الإثيوبي سوف يمثل تفريطا وإضرارا هائلا بحقوق ومصالح مصر المائية، وما سوف يترتب على ذلك من تداعيات خطرة سياسيا واستراتيجيا لأنه سيضفي شرعية على عملية الملء التي سوف تكتمل بدون التوصل بعدها إلى أي اتفاق، وخبرة السنوات العشر السابقة وكذلك المواقف الإثيوبية المعلنة شاهدة وشاخصة”.
إلى ذلك حذرت مجموعة الأزمات الدولية من أنه في حال عدم التوصل لاتفاق خلال الأسابيع المقبلة، وبدء إثيوبيا ملء خزان السد، فان ذلك سيؤدي إلى تصاعد التوترات، ما يزيد صعوبة التوصل لتسوية للأزمة.
وقالت المجموعة في تقرير لها تناول المحادثات التي استؤنفت في التاسع من الشهر الجاري بين مصر والسودان إثيوبيا، إنه إذا مضت أديس أبابا قدما في خطتها لملء الخزان حتى لو لم يكن هناك اتفاق، فإن التوترات بين الدول الثلاث سترتفع، ما يجعل من الصعب عليها إيجاد تسوية.
وأضافت، أن بدء موسم الأمطار الموسمية الطويل في إثيوبيا يجعل ضرورة التوصل لاتفاق أكثر إلحاحا.
ورأت مجموعة الأزمات الدولية أنه للوصول إلى اتفاق، يجب على الطرفين (إثيوبيا من جهة ومصر والسودان دولتي المصب من جهة أخرى) التوقف عن النظر في المفاوضات من خلال منظور المصالح الوطنية الضيقة والشك المتبادل، وتبني عقلية تسعى إلى توافق الآراء من شأنها أن تخلق البيئة لإيجاد حلول تقنية.
واعتبرت أن مثل هذا النهج موجود في روح اتفاق إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة لعام 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا، الذي ينص على استخدام مواردهم المائية المشتركة “بطريقة عادلة ومعقولة”.
وأشارت المجموعة إلى أن أي تنازل الآن سيكون مكلفًا سياسيًا لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الذي يواجه فترة صعبة قبل الانتخابات التي تم تأجيلها للعام المقبل بسبب فيروس كورونا المستجد إذا سمحت الظروف بذلك.
واعتبرت أنه لإحراز تقدم، ينبغي أن تقدم أديس أبابا مقترحات تفصيلية حول تدابير تخفيف آثار الجفاف في مختلف الظروف الهيدرولوجية لمعالجة مخاوف دولتي المصب بما في ذلك كيفية إدارة فترة سنوات الجفاف المتتالية.
الدكتور محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية السابق، طرح إمكانية تكليف لجنة مستقلة من الخبراء لتوضيح الضرر الذي قد يقع على مصر، بسبب أزمة السد.
وقال في تغريدة له، عبر “تويتر”: “قد يكون من المفيد في تلك المرحلة الخلافية الدقيقة حول كيفية ملء سد النهضة تكليف لجنة مستقلة من الخبراء الدوليين بإعداد كتاب أبيض، يوضح الضرر على مصر الذي يمكن أن ينتج عن الملء بدون اتفاق”.
وتابع: “وجود مثل تلك الدراسة المستقلة سيساعد في أي جهود سياسية للتوصل إلى حل مقبول”.
وحذر وزير الخارجية سامح شكري من أي “تحرك أحادي” إثيوبي قبل التوصل لاتفاق. وحمل “التعنت الإثيوبي” المسؤولية عن تأزم الأمر، رغم ما أبدته القاهرة من جدية للتوصل لاتفاق عادل يراعي مصالح الدول الثلاث، على حد قوله، محذرا من “خطوات أحادية من شأنها أن تدفع الأوضاع إلى مزيد من التوتر بما يهدد استقرار المنطقة”. وكانت مفاوضات يومية، تضم وزراء الري والفرق الفنية للدول الثلاث، بدأت في التاسع من حزيران/يونيو الجاري، في محاولة للتوصل لاتفاق قبل تموز/يوليو المقبل، وهو الموعد الذي قالت إثيوبيا إنها ستبدأ فيه ملء خزان السد.
وكان وزير الخارجية المصري، لوح باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي.
وقال إن مصر ستضطر إلى بحث خيارات سياسية أخرى، في حال تعنت إثيوبيا وتهربها من التفاوض للتوصل إلى حلول في أزمة سد النهضة.
وأضاف خلال تصريحات صحافية على هامش ندوة لمجلس الأعمال المصري الكندي بعنوان “الدبلوماسية المصرية نجاحات مستمرة في مواجهة أزمات متواصلة” بمقر وزارة الخارجية، أن مصر لن تفرط في أي حق من حقوقها المائية في أزمة سد النهضة، مشيرا إلى أنها ستبحث كل الخيارات السياسية لمنع إثيوبيا من اتخاذ إجراءات أحادية في القضية قد تؤدي إلى حرمان مصر من حقوقها المائية.
إلا أن مراقبين قالوا إن اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي في ظل توقيع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على اتفاق إعلان المبادئ عام 2015 لن يفضي إلى شيء.
واستندت مصر وإثيوبيا خلال المفاوضات الأخيرة إلى اتفاق المبادئ ذاته لتبرير المقترحات المتعارضة بشأن 5 قضايا رئيسية فنية وقانونية: الأولى مدى إلزامية القواعد الخاصة بالتشغيل والملء الأول والمستمر للسد، والثانية مدى تمتع إثيوبيا بالحق في ملء السد للمرة الأولى قبل التوصل إلى اتفاق على تلك القواعد، والثالثة كمية المياه التي ستسمح إثيوبيا بتمريرها في أوقات الجفاف والجفاف الممتد، والقضية الرابعة هي استحداث آلية مستدامة لفض النزاعات التي تنشأ بسبب الملء والتشغيل، والخامسة مدى تمتع إثيوبيا بالحق في إنشاء مشاريع على مجرى النيل الأزرق من دون إذن مصر والسودان، بما قد يؤدي إلى المساس بحصتيهما التاريخيتين في مياه النيل.
وحمل اتفاق المبادئ اعترافاً مصرياً بحق إثيوبيا في بناء السد، الأمر الذي لم تكن مصر قد بادرت به من قبل، وأقر ثانياً بحقها السيادي في إدارته، ولم يقرر أي جزاء قانوني دولي عليها في حال مخالفة الاتفاقيات السابق توقيعها في إطار الإدارة المشتركة لمياه النيل، وبصفة خاصة عامي 1902 و1993.
فالمبدأ الخامس من الاتفاق، يتحدث عن التعاون في الملء الأول وإدارة السد، ويكتفي بالنص على التشارك في وضع “الخطوط الإرشادية والقواعد” من دون تفاصيل التشغيل، ويجيز لإثيوبيا إعادة ضبط سياسة التشغيل من وقت لآخر، بشرط “إخطار” وليس أخذ رأي أو استئذان مصر والسودان.
وتستند إثيوبيا للبند الثاني من هذا المبدأ لتبرر لنفسها وللعالم أن القواعد التي يجب الاتفاق عليها لا يمكن اعتبارها ملزمة بأي حال، لأنها موصوفة في الاتفاق بأنها “استرشادية” فضلاً عن كونها غير مقتصرة على خطة واحدة يجب اتّباعها.
وسبق أن ادعى وزير الطاقة والمياه الإثيوبي سيليشي بيكيلي أن بلاده تنفذ المبدأ الخامس من الاتفاق “بالحرف الواحد” وأنها أطلعت دولتي المصب على جميع الاحتمالات خلال مفاوضات واشنطن، وأن حالة الجفاف تحديداً تُقدّر احتمالاتها بأقل من أربعة في المئة خلال أول عامين وفقاً لأكثر التحليلات تشاؤماً، وأنها تلتزم بعدم الإضرار بالدولتين في تلك الحالة، وأن الإخطار المسبق الوحيد الذي تكلف به إثيوبيا ضمن الاتفاق هو إخطار دولتي المصب بأي ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد. ويتضمن هذا المبدأ بنداً آخر تفسره إثيوبيا لصالحها فقط، هو “الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر”. وعليه، ترى إثيوبيا أن مصر اعترفت بتوقيعها على هذا البند بالسيادة المطلقة لها على السد، وترفض مشاركة مصر والسودان في تحديد قواعد التشغيل طويلة الأمد، إلا في حدود التأكد من “عدم الإضرار” باعتباره مبدأً منصوصاً عليه في الاتفاق ذاته.
ويقع السد، الذي تم الانتهاء من نحو 75 في المئة من إنشاءاته، على النيل الأزرق في إثيوبيا قرب الحدود مع السودان. وترى مصر، في السد تهديدا وجوديا محتملا. وتسعى للتوصل إلى اتفاق ملزم قانونا يضمن الحد الأدنى من تدفق مياه النيل وآلية لحل النزاعات قبل أن يبدأ تشغيل السد.