تونس-“القدس العربي”:يبدو أن قدر تونس هو أن تعيش الأزمة السياسية تلو الأزمة وذلك بسبب نظام سياسي وآخر انتخابي خلف الفوضى في ربوع البلد وعدم استقرار الحكومات وسرعة انفراط الائتلافات الحاكمة. ولا يبدو أن لأحد القدرة على تغيير هذا النظام في الوقت الراهن، رغم تسببه في كوارث بالجملة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي وذلك باتفاق جلّ الطيف السياسي في البلاد. وهذا ما يؤدي إلى اشتعال بركان الغضب الشعبي في أي لحظة وفي أول أزمة تعترض البلاد التي – وأن نجحت في انتقالها الديمقراطي – فإن انتقالها الاقتصادي يمر ببطء شديد وهو ما يزيد تأزيم الوضع القائم.
فالنصاب القانوني الذي يفرضه الدستور لتزكية الحكومات وللتصويت على المحكمة الدستورية العليا ولتمرير مشاريع القوانين مرتفع، وهو ما يجعل المكلف تشكيل الحكومة في عملية بحث في كل مرة على أكبر قدر ممكن من الأحزاب لتشكيل ائتلاف حكومي قوي. فيضطر هذا المكلف إلى ترضية هذا الطرف الحزبي وذاك بتعيينات قائمة على الولاء على حساب الكفاءة، كما يضطر أيضا إلى القبول ببرامج وشروط أحزاب الائتلاف حتى تزكيه في البرلمان ويعجز عن تنفيذ برنامجه الذي تم تكليفه من أجله.
خلافات متجددة
وتنهار الحكومات في تونس بمجرد انسحاب أحد الأحزاب من الائتلاف الحاكم، فلا تعمر طويلا ولا تحقق برامجها في مختلف الوزارات، وتتعطل عجلة التنمية في غياب التخطيط والبرمجة والسهر على تنفيذ هذه البرامج. وزادت الخلافات بين مختلف التيارات السياسية والفكرية الطين بلة وذلك في غياب المصالحة الشاملة وفشل منظومة العدالة الانتقالية في تحقيق مبتغاها. ومن مظاهر هذه الخلافات الإيديولوجية والسياسية القديمة سعي المعارضة أي كان لونها، وباستمرار في السنوات الأخيرة، إلى إفشال جهود الفريق الحاكم وتسجيل النقاط عليه غير عابئة بالمصلحة الوطنية العليا.
وتزيد التهم المتبادلة بين مختلف الأحزاب والكتل البرلمانية والسباب المستمر فيما بينها سواء تحت قبة البرلمان أو في المنابر الإعلامية في تأجيج الشارع وتغذي الخلافات بين أفراد الشعب الواحد. فيساهم هذا الجو المتوتر بين السياسيين في توتير الشارع وخلق العداوات بين أنصار الأحزاب الذين ينخرطون في لعبة عرقلة الطرف الآخر وتشويهه وقذفه سواء بعلم أو بدونه، والمتضرر الأكبر من كل هذه “الفوضى الخلاقة” هو الوطن المكلوم الذي يتقاذفه الجميع في صراع عنيف لا يبقي ولا يذر.
وتزيد أيضا شبهات الفساد التي تطال السياسيين الذين هم في الحكم أو في المعارضة من نقمة الشارع على طبقته السياسية وعدم رضوخه للأمر الواقع أي الصبر على الفقر والبطالة والتهميش وغياب التنمية خصوصا في الجهات الداخلية المحرومة منذ عقود. كما لا يجد هذا الشارع نفسه معنيا بالإجراءات الأخيرة للحكومة التي تدخل في باب التقشف، ومنها عدم الانتداب في الوظيفة العمومية وإمكانية التخفيض في الأجور في وقت تنتفخ فيه أرصدة وبطون من هم في السلطة أسوة بسابقيهم ولا أحد يحاسبهم ويقول لهم من أين لكم كل هذا؟
وبالتالي فإن تأثير الأزمة السياسية على الاقتصاد وعلى الاضطرابات الاجتماعية واضح وجلي في تونس سواء من خلال تسبب النظام السياسي الذي أقره دستور سنة 2014 في عرقلة عجلة التنمية الاقتصادية أو من خلال تأثير الخلافات بين السياسيين على المناخ العام في البلد ومساهمته في رفع منسوب العنف بين أفراد الشعب الواحد أو من خلال الغضب من شبهات الفساد التي تطال السياسيين. كما أن انصراف الطبقة السياسية إلى مسائل جانبية وإهمالها لمشاكل المواطن الحقيقية زاد من تأزم الوضع الاجتماعي في البلد في غياب التنمية والحلول طيلة السنوات الماضية.
ولعل في اتهام قياديين من حزب في الائتلاف الحاكم لحزب حليف لهم من هذا الائتلاف بالوقوف وراء اعتصام الكامور وتأجيج الاحتقان في ولاية تطاوين، مقابل انتقاد منتمين إلى حزب حاكم آخر لقمع الحكومة للاعتصامات يجعل الحليم حيرانا من هذا المشهد السياسي الغريب. فما يحصل في تونس يصعب تكراره في بلد آخر بعد أن اختلط الحابل بالنابل وأصبح من الصعب تمييز المعارض من من هو في الحكم، خاصة وأن هناك من مكونات الائتلاف الحكومي من يعيق عمل حكومته ويعارضها، وهناك معارضون في البرلمان دعموا في أحيان كثيرة الحزب الأول المسيطر على دواليب الدولة.
المأزق الحالي
ويتوقع جل الخبراء أن تستمر الأزمة السياسية في تونس ما لم يتم تعديل الدستور لتغيير شكل النظام السياسي ولن تغير الحكومات المتداولة على البلد من الواقع شيئا، وسيواصل هذا الواقع السياسي المرير انعكاسه السلبي على الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فمشاريع القوانين واللوائح لا يقع تمريرها في البرلمان نتيجة عدم قدرة أصحاب المبادرات على تأمين ذلك في ظل النصاب المرتفع الذي يجب توفره من جهة، والعراقيل التي تضعها الكتل النيابية لبعضها البعض كلما تقدم أحدها بمبادرة.
وتشترك الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلد في السنوات الأخيرة في سوء التعاطي مع الملفات الاجتماعية العالقة وسوء إدارة الأزمات وهو ما جعل البلد في حالة احتقان رغم النجاح في تكريس نظام ديمقراطي حقيقي. فأزمة الكامور التي يسلط عليها المجهر هذه الأيام هي قديمة تفاوضت بشأنها حكومة الشاهد سنة 2017 وتوصلت فيها إلى اتفاق مع المعتصمين برعاية الاتحاد العام التونسي للشغل لكنها لم تف بالتزاماتها بتشغيل أبناء ولاية تطاوين وتخصيص جانب من الثروة النفطية لتنمية الجهة ما فجر الأوضاع مجددا.
ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة أيضا من إيجاد حل لمعضلة الحوض المنجمي أين تعطل إنتاج الفوسفات الذي كان يدر على البلد أرباحا هامة من العملة الصعبة باعتبار أن تونس كانت قبل الثورة ثاني أهم منتج في العالم لهذه المادة. وبقيت أيضا أزمة الأساتذة النواب لم تحل وأزمة أعوان الصحة وغيرها وذلك بسبب قلة الخبرة لدى الحكومات وغياب الطرف القادر على الاقناع مع مختلف النقابات المهنية المنضوية تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل.
وتبقى أهم المعضلات التي تهدد بانفراط عقد التحالف الحكومي في كل حين هي مسألة المواقف من القضايا الخارجية وخصوصا الملف الليبي الذي أصبح مادة للتجاذبات السياسية بامتياز. فالبون شاسع في الرؤى في هذا الملف بين حركة النهضة وحركة الشعبة أي الإسلاميين والقوميين العروبيين وينسحب الأمر على الملف السوري الذي من المرجح أن الخلاف بشأنه يفوق بكثير ما هو حاصل حول الملف الليبي.
اقتباس
تستمر الأزمة السياسية ما لم يتم تعديل الدستور