أخيراً فعلها ليفربول، رسمياً، بتتويجه بطلاً لأشرس دوري في العالم، بعد غياب 30 عاماً عن رفع كأس الدوري الانكليزي، لتنتفض المدينة المكلومة بكارثتي “هيسيل” و”هيلزبره”، بفرحة عارمة في المدينة وحول استاد “انفيلد” من دون حساب لفيروس قد يضرب مجدداً في موجته الثانية.
رغم ان الجميع كان يعلم انها مسألة وقت قبل تتويج ليفربول، الا ان حصول هذا الأمر حسابياً وتأكيده رسمياً، كان له صدى غريب ولذيذ، واكثر من شعر بحرارة اللحظة كان المدرب الألماني يورغن كلوب، الذي انهالت دموعه فرحاً ولم يتمالك نفسه أمام كاميرات التليفزيون واعتذر عن تكملة اللقاء، فهو في هذه اللحظة فقط، استوعب حقيقة مع فعل مع رجاله على مدى عام كامل من معجزات كروية وأرقام قياسية وعروض خيالية وأهداف لا تنسى، ورأى في أجواء المدينة غمامة الخيبات تنقشع، لتحل محلها نفحات التفاؤل والابتسامات والاحتفالات رغم أزمة كورونا.
عندما قدم النجم المصري محمد صلاح موسماً خرافياً، في 2017-2018، وكان الاول له مع الفريق، وسجل 44 هدفاً كاسراًً كل الأرقام القياسية، طالبه الجميع بالرحيل الى ريال مدريد، أقول الجميع وانا أقصد هؤلاء أصحاب النظرات الضيقة والقصيرة المدى والمغيبين، رغم انه في ذلك الموسم لم يحرز أي لقب مع ليفربول، بل خسر نهائي دوري الأبطال أمام الريال بالتحديد، وقبلها خسر الفريق نهائيين مع كلوب (كأس الاتحاد الأوروبي وكأس المحترفين)، لكن ما كان يملكه في ليفربول، لن يتكرر له في ناد آخر، خصوصاً بوجود مدرب بعقلية يورغن كلوب، صاحب الشخصية الودودة والبشوشة والمبتسمة دائماً، لكنه حازم وصارم في ملعب التدريبات وصاحب نهج كروي مختلف، ومن الصعب على لاعب ألا يتمنى ان يكون جزءاً من فريق يدربه هذا الداهية الألماني، بل سيندم في حال طلب الرحيل.
وهذا بالضبط ما حدث مع النجم البرازيلي كوتينيو، فبعدما كان ملكاً في “انفيلد” ومركز الأضواء والانتباه في الفريق، أصر على الرحيل الى برشلونة، ورغم محاولات النادي باقناعه بالبقاء، الا انه أصر وفعل في شتاء 2018، وبعدها مباشرة انفجرت مواهب ليفربول، وحقق بعدها ألقاب أبطال اوروبا وكاس العالم للاندية والآن الدوري الانكليزي، وكوتينيو غير مرغوب به في برشلونة ويتنقل معارا من ناد الى آخر، من دون جدوى.
عقلية كلوب بلعب دور الأب والأخ والصديق مع نجوم الفريق ليست فريدة، لكنها مثمرة وأساسية في تحقيق النجاح، وهو ما تذوقه المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو في مطلع مسيرته مع تشلسي والانتر، ولكن فجأة فقد هذه الميزة في السنوات الأخيرة، اما بسبب تعنت اللاعبين او بسبب كبر “رأس” المدرب البرتغالي، ليفقد سحره وبريقه. لكن كلوب لعب دوراً مهماً في اطفاء النيران في صراع صلاح وماني، على الزعامة الافريقية وعلى زعامة الهدافين، مثلما وقف الى جانب الحارس “الكارثي” لوريس كاريوس الذي تسبب في هزيمة الفريق امام الريال في نهائي أبطال 2018، وظل على تواصل معه مشجعاً حتى برحيله معاراً الى أندية أخرى.
هذا الجانب الانساني من كلوب قربه جداً الى أبناء المدينة، بل أصبح شخصية محبوبة من الجميع، وبينهم أنصار الفرق الاخرى، رغم ان الاشادة على انجاز السنوات الأخيرة ينسحب على كل موظفي واداري النادي، وبينهم المدير التنفيذي مايكل ادواردز، مهندس صفقات ضم اللاعبين، والذي أقنع كلوب بصلاح، وهي ربما معلومة لا يعرفها كثيرون، ان كلوب وكشافوه كانوا يبحثون عن لاعب مهاري صاحب سرعة عالية، واقترح ادواردز اسم صلاح، لكن كلوب تردد، معتبراً ان جسم صلاح النحيل قد لا يلائم شراسة وخشونة الدوري الانكليزي، لكنه في النهاية اقتنع، مثلما اقتنع بضم قلب الدفاع فان دايك والحارس أليسون بعد اقتراح ادواردز بأن خط الدفاع لا يتماشى مع القوة الهجومية الخارقة في الفريق، فمثلما شبه البعض الفريق قبل عامين بان “خط هجومه فيراري وخطه الدفاعي تويوتا كورولا”، الا أن روح كلوب هي الفارق، ومثلما قال للاعبيه عند تعيينه مدرباً لليفربول في اكتوبر 2015: “علينا خلق قصصنا وتاريخنا ولا نقارن أنفسنا بأي أحد على الاطلاق وبأي من النجوم الرائعين الذين لعبوا للفريق على مر العصور… أنتم نجوم اليوم والمستقبل”، فان صلاح يدرك أنه أصبح أيقونة عالمية بوجوده في المكان الصحيح والزمان الصحيح تحت ادارة رجل خارق.