البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي
بيروت- “القدس العربي”:
تراجع الحديث عن التغيير الحكومي بعد شروط سعد الحريري التي جدّد وضعها وأبرزها عدم توزير حزب الله ولا رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وإطلاق يده في تشكيلة مستقلة، ما جعل كلاً من حزب الله والتيار البرتقالي يعيدان التمسك بحكومة حسان دياب ولو على حساب الوضع الاقتصادي والمالي المتدهور في البلاد وغياب الثقة بمثل هذه الحكومة.
وقد كان الحريري واضحاً بأنه “لا يتوقع عودته إلى رئاسة الحكومة في المدى القريب على الأقل حتى تتحقق الشروط التي يعرفها الجميع ليتجدّد الأمل في الانتعاش الاقتصادي ومنح الشعب اللبناني ما يريده حقاً: إصلاح حقيقي، وفرصة للكرامة الوطنية والاجتماعية والشخصية”. وفي حديث إلى صحيفة إسبانية رأى الحريري أنه “لا يمكن إنكار وجود حزب الله، ولا يمكن إنكار أصواتهم في البرلمان”، لكنه استدرك: “نحن لا نشارك إستراتيجيته الإقليمية ولا نعتقد أنها إيجابية لمصلحة لبنان الوطنية وما يحدث اليوم هو ما كنا نخشاه: وهو ترك البلاد في وضع يركّز فيه المجتمع الدولي على لبنان وإيران. وبذلك أصبح لبنان يعاني من تداعيات السياسة الإقليمية”.
وفي موقف يذكّر بمواقف البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير ووقوفه في وجه الوصاية السورية على لبنان ودعوته إلى الاستقلال الثاني، خرج البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ليختصر عنوان الأزمة اللبنانية وليدعو في إشارة ضمنية إلى حزب الله “إلى فكّ الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحر”، مؤكداً أنه “كما أن الشعب لم يركع أمام أي احتلال، لن يركع اليوم”، متوجّهاً “إلى منظمة الأمم المتحدة للعمل على إعادة تثبيت استقلال لبنان ووحدته، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلان حياده”.
وقال البطريرك الراعي: “إن أسوأ ما نشهده اليوم عندنا هو أن معظم الذين يتعاطون الشأن السياسي، لا يعنيهم إلا مكاسبهم الرخيصة ومصالحهم وحساباتهم، وحجب الثقة عن غيرهم، وإدانة الذين يتولون السلطة في المؤسسات الدستورية. والأكثر ضرراً أنهم يعملون جاهدين لأن يكون الولاء لأشخاصهم ولأحزابهم، لا للبنان. إنهم بكل ذلك يتسبّبون بحرمان لبنان من ثقة الأسرتين العربية والدولية، على الرغم من قناعة هذه الدول بأهمية لبنان ودوره وإمكاناته وقدرات شعبه”.
وأضاف: “يبدو أن هؤلاء السياسيين يريدون بذلك إخفاء مسؤوليتهم عن إفراغ خزينة الدولة، وعدم إجراء أي إصلاح في الهيكليات والقطاعات، كما طالبت الدول التي تلاقت في مؤتمر باريس المعروف بسيدر في شهر نيسان 2018. لكنهم توافقوا بكل أسف على نهج المحاصصة وتوزيع المكاسب على حساب المال العام. فكان ارتفاع منسوب الفقر والبطالة والفساد والدين العام بالشكل التدريجي حتى كان الانفجار الشعبي مع ثورة 17 تشرين الأول 2019 التي ما زالت نارها مشتعلة، فيما المسؤولون السياسيون غير معنيين، ويراهنون على انطفائها، وهم مخطئون. فالجوع كافر كما كتب أحد المنتحرين. فكانت هذه وصمة عار أخرى على جبين الوطن. وما يؤسف له بالأكثر أن المسؤولين السياسيين، من مختلف مواقعهم، لا يمتلكون الجرأة والحرية الداخلية للالتقاء وإيجاد السبل للخروج من أسباب معاناتنا السياسية التي هي في أساس أزماتنا الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية”.
وتابع البطريرك: “نسأل بمرارة: مذ متى كان الإذلال نمط حياة اللبنانيين؟ فيتسوّلون في الشوارع، ويبكون من العوز، وينتحرون من الجوع؟ أوتدركون أيها المسؤولون السياسيون الجرم المقترف: فلبنان جامعة الشرق ومدرسته تغلق جامعاته ومدارسه وتنحط عزيمتها، ولبنان مستشفى الشرق تقفل مستشفياته ويتعثر تطورها؟ ولبنان السياحة والبحبوحة والازدهار تعاني فنادقه من الفراغ وتحتجز أموال الشعب في المصارف؟ هل لبنان الفكر والنبوغ والنهضة يُحجّم ويُحوّل إلى ملكية خاصة تصادره طبقة سياسية وتتصرف به على حساب المصلحة العامة؟ أيريدون لهذا الشعب أن تركّعه لقمة الخبز؟ لا، فكما أنه لم يركع أمام أي احتلال، لن يركع اليوم. ونحن لن نسكت على ما يجري. هذا الوطن هو ملك بنيه وهم مصدر سلطاته (مقدمة الدستور، و)”.
وانتقد الراعي الملاحقات وأداء الدولة البوليسية ضد الناشطين بقوله: “ثورة شعبنا المذلول والجائع والمحروم من أبسط حقوقه الأساسية تستحق الحماية الأمنية لا القمع. الخطر على لبنان ليس من شبابه وشاباته لكي يردعوا ويعتقلوا. فتّشوا خارج الثورة عن المخربين ومهدّدي الأمن القومي اللبناني، والمتطاولين على الجيش والشرعية والمؤسسات، ومعطلي الدستور والاستحقاقات الديموقراطية ومن وراؤهم. الثوار بناتنا وأبناؤنا، هم زخم التغيير وأمل المستقبل. نحن نريدها تكراراً لثورة حضارية لا يكون ضحيتها الشعب في مصالحه وتنقلاته اليومية، بل نريدها أن تحترم الأصول القانونية للمظاهرات، وتكون صاحبة رؤية بناءة. المرحلة التي بلغناها تحملنا إلى توجيه هذا النداء: نناشد فخامة رئيس الجمهورية العمل على فك الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحر. ونطلب من الدول الصديقة الإسراع إلى نجدة لبنان كما كانت تفعل كلما تعرّض لخطر. ونتوجه إلى منظمة الأمم المتحدة للعمل على إعادة تثبيت استقلال لبنان ووحدته، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلان حياده. فحياد لبنان هو ضمان وحدته وتموضعه التاريخي في هذه المرحلة المليئة بالتغييرات الجغرافية والدستورية”.
وختم: “حياد لبنان هو قوته وضمانة دوره في استقرار المنطقة والدفاع عن حقوق الدول العربية وقضية السلام، وفي العلاقة السليمة بين بلدان الشرق الأوسط وأوروبا بحكم موقعه على شاطئ المتوسط”.
وكان الصوت ارتفع ضد سلاح حزب الله في تظاهرة إلى السفارة الأمريكية في عوكر نفّذتها مجموعة حملت تسمية “أصدقاء دونالد ترامب في لبنان” ومجموعة 128 وعدد من المجموعات الأخرى، حيث طالبت بتطبيق القرارات الدولية ولا سيما القرار 1559، وسط انتشار لعناصر الجيش والقوى الأمنية، الذين قطعوا الطريق المؤدية إلى السفارة بالأسلاك الشائكة.
حزب الله والتيار العوني يؤجّلان تغيير دياب بعد شروط الحريري.. وتظاهرة تطالب بالقرار 1559
ورفع المتظاهرون الأعلام اللبنانية والأمريكية، وسلّموا ممثل السفارة كايسي بونفيلد رسالة شكر للمواقف الأميركية الداعمة للبنان والجيش، مطالبين الولايات المتحدة بـالمساعدة في تطبيق القرارات الدولية ولا سيما 1559. واعتبروا أن “لا خلاص للبنان إلا بتطبيق هذه القرارات وحل الميليشيات ونزع سلاحها وحصره بيد الجيش، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وبسط سلطتها على كل الأراضي”. وطالبوا “بإلغاء معادلة جيش شعب ومقاومة، وتحويلها الى معادلة وطن شعب جيش، ومساعدة لبنان للخروج من الوضع الاقتصادي الذي يتخبّط به، واستكمال ترسيم الحدود مع سوريا وإقفال المعابر غير الشرعية”.
بعد ذلك، غرّدت السفارة الأمريكية عبر “تويتر” وقالت: “شكرًا للمجموعة من اللبنانيين التي جعلت يوم استقلالنا مميّزاً وعبّرت خلال التجمّع عن تقديرها للولايات المتحدة على شراكتها ودعمها المستمرة لتحديات لبنان الأمنية والإنسانية والتنموية”.