بغداد ـ «القدس العربي»: لم يهدأ ضغط الأحزاب السياسية الكردستانية، وخصوصاً الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الكردستاني) على الحكومة الاتحادية بشأن إشراك قوات البيشمركه الاتحادية، في ضبط الملف الأمني في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، بعد خطة فرض القانون وسيطرة القوات الاتحادية منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2017، إبان تولي حيدر العبادي دفّة الحكم.
وغالباً ما تربط الأحزاب الكردية بين الهجمات التي يشنّها تنظيم «الدولة الإسلامية» بين الحين والآخر، في محافظات ديالى وكركوك ونينوى، بغياب دور قوات البيشمركه عن الملف الأمني في هذه المناطق.
ولم ينجح الأكراد في تحقيق هدفهم خلال فترات حكم حيدر العبادي 2014 ـ 2018، وعادل عبد المهدي 2018 ـ 2020، لكن يبدو أن التحسن في علاقة الإقليم مع المركز في زمن رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي، قد تفتح صفحة جديدة تمهد لعودة البيشمركه إلى المناطق التي «طردوا» منها في أحداث تشرين الأول/أكتوبر، الأمر الذي أثار موجة من ردود الفعل الغاضبة لدى الأوساط السياسية الشيعية. ائتلاف «دولة القانون»، بزعامة نوري المالكي، طالب الكاظمي «عدم السماح» بعودة البيشمركه إلى محافظة كركوك.
النائب عن الائتلاف، منصور البعيجي، شدد في بيان صحافي أصدره أمس، على أن يقتصر تواجد القوات الكردية «داخل محافظات الإقليم الثلاث وعدم الموافقة على عودتهم مرة أخرى إلى محافظة كركوك بعد أن تم فرض القانون وسيطرة الحكومة الاتحادية على المحافظة».
رفض شعبي
وأشّار إلى وجود «رفض شعبي كبير من قبل أكبر مكونين في محافظة كركوك؛ هم العرب والتركمان، ولا يمكن أن يتم تهميشهم بالموافقة على عودة البيشمركه إلى المحافظة، بعد أن تم فرض القانون من قبل القوات التابعة للحكومة الاتحادية بعد عملية الاستفتاء المشؤوم»، في إشارة إلى استفتاء «استقلال» الإقليم عن العراق الذي جرى في 25 أيلول/ سبتمبر 2017.
وزاد: «محافظة كركوك هي عبارة عن عراق مصغر يضم جميع أطياف ومكونات أبناء الشعب العراقي، لذلك، من غير الممكن، أن يتم السيطرة وفرض النفوذ من قبل جهة أو مكون معين في المحافظة، كما كان يحصل سابقا وبشهادة أهل كركوك الذين يرفضون عودة البيشمركه إلى المحافظة».
وعدّ النائب عن ائتلاف المالكي، محافظة كركوك بأنها «اتحادية، حالها حال المحافظات الأخرى، وفرض الأمن والقانون من واجب الحكومة الاتحادية حصرا، ولن نسمح بأي اتفاق سياسي أو حزبي يكون على حساب المحافظة لأي جهة كانت من خلال عودة البيشمركه (بـ) صفقة سياسية»، مشدداً على أهمية «بقاء المحافظة تحت سيطرة الحكومة الاتحادية كون هذا مطلب أهالي المحافظة وممثليهم داخل مجلس النواب ولن يقبلوا بعودة البيشمركه مرة أخرى إلى محافظة كركوك».
وكانت حركة «عصائب اهل الحق»، بزعامة قيس الخزعلي، أن دعت الحكومة إلى الحفاظ على ما تحقق في كركوك.
وقالت، في بيان صحافي، أول أمس، إن «رغم الظروف الصعبة والتحديات الكبرى التي مرت على بلدنا العزيز كانت لأبنائه مواقف وبطولات حفظت العراق بكل دياناته وطوائفه وقومياته واحدة موحدة، وبفضل دماء أبنائه اندحرت مخططات الأعداء التي كانت تهدف إلى تمزيقه جغرافيا ومجتمعيا، وفي هذه المرحلة وحين تضافرت الجهود الوطنية المخلصة في محافظة كركوك لتعود إلى وضعها القانوني والوطني السليم وفرض سيادة الدولة فيها».
وأضافت: «لقد سعت الحكومات بعد عام 2017 إلى الحفاظ على هذا الوضع، ونرى ضرورة إدامته من أجل عدم الإضرار بالسلم الأهلي والأمن المجتمعي الأبناء كركوك بكل قومياتها وأديانها».
وتأتي تلك المواقف الرافضة لعودة البيشمركه إلى كركوك، إثر إعلان ممثلي المحافظة من العرب والتركمان، في مجلس النواب، «رفضهم القاطع» لـ«موافقة» القائد العام للقوات المسلحة إعادة البيشمركه لمركز قيادة عمليات كركوك، معتبرين تلك الخطوة بأنها «سابقة خطيرة ومخالفة دستورية».
وقالوا في بيان صحافي: «في سابقة خطيرة ومخالفة دستورية وافق القائد العام للقوات المسلحة بإعادة البيشمركه إلى مركز قيادة عمليات محافظة كركوك».
وأضاف البيان: «أننا ممثلو المكونين العربي والتركماني، إذ نرفض رفضاً قاطعاً اتخاذ القائد العام لهذه الخطوة بالاتفاق مع الاقليم دون الأخذ بوجهات نظر مكونينا، والتي لها ذاكرة سيئة مع هذه القوات التي دمرت عشرات القرى بعد تحريرها من داعش، فإننا نذكر أنها ستضر بالسلم الأهلي والاستقرار الذي تحقق في كركوك بعد عمليات فرض القانون في عام 2017».
مشاورات عسكرية تمهّد لإنشاء مراكز عمليات مشتركة في كركوك والموصل ومخمور وخانقين
وتابع، أن «التفريط بالمنجز الكبير بإعادة الملف الأمني للسلطة الاتحادية في كركوك الذي حققه (رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي) وحافظ عليه (رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي) والذي يتوافق مع نصوص الدستور العراقي، يضع القائد العام تحت طائلة المسؤولية الدستورية والتاريخية، ولولا مراعاة جائحة كورونا ومنع التجمعات فإن أهالي كركوك سيلجأون إلى كل الطرق الدستورية لمنع هذه الخطوة الاستفزازية».
في السياق، كشف النائب عن محافظة نينوى، أحمد الجربا، عن ورود معلومات «شبه مؤكدة» تفيد بنيّة الكاظمي «إعادة قوات البيشمركه إلى قضاء سنجار وبعض نواحي محافظة نينوى».
وأضاف في بيان صحافي سابق: «مقدماً نقول لك (للكاظمي) هذا الأمر مرفوض وأتمنى أن لا تغامر وتأثر على التعايش الموجود في محافظة نينوى، من أجل أن تحافظ على منصبك، لأن نهاية المطاف المناصب زائلة والتاريخ سيلعن كل من يحاول المتاجرة بأراضي محافظة نينوى من أجل كرسي زائل».
الموقف الحكومي بشأن ملف إشراك قوات البيشمركه في الملف الأمني في المناطق المتنازع عليها، جاء على لسان رئيس أركان الجيش، الفريق الركن عبد الأمير يار الله، الذي اعتبر أن تشكيل «مركز تنسيق مع البيشمركه سيعزز أمن واستقرار محافظة كركوك».
وجاء تصريح القائد العسكري الاتحادي، خلال زيارة أجراها لمقر قوات الشرطة الاتحادية في كركوك، أول أمس، مبيناً إنه «تمت مناقشة العلاقة ما بين قطعات الاتحادية والبيشمركه وأسلوب العمل الذي من شأنه إجراء بعض التغييرات لتعزيز أمن كركوك».
وكان الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العميد يحيى رسول قد نفى إعادة انتشار قوات البيشمركه في محافظة كركوك.
وقال رسول، إن «المراكز التنسيقية التي تم التباحث بشأنها في ثلاث محافظات تضم ممثلين من وزارتي الدفاع والداخلية الاتحاديتين والقطعات العسكرية ووزارة البيشمركه».
وأضاف أن «المراكز التنسيقية تتضمن تبادل المعلومات والتنسيق في متابعة عصابات داعش وحركة الأرتال والعجلات المدنية».
وأشار إلى أن «لا يوجد أي إعادة انتشار للبيشمركه في كركوك أو مناطق أخرى».
لكن حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، كشف عن قرار وفد البيشمركه والدفاع العراقية تشكيل مركزين رئيسيين للعمليات وأربعة مراكز عمليات تنسيق بين قوات البيشمركه والقوات العراقية في كركوك والموصل ومخمور (في نينوى) وخانقين (في ديالى)، على أن يكون في تلك المراكز 15 ضابطا كرديا للعمل على ملء الفراغ الأمني في المناطق المتنازع عليها.
وقال مسؤول مركز تنظيمات كركوك لـ«الاتحاد الوطني الكردستاني»، محمد عثمان، لإعلام حزبه، إن «كانت هناك في السابق لجنة بين وزارة البيشمركه والدفاع العراقية، إلا أن عملها توقف منذ أكثر من سنة، لكن بقرار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي باشرت اللجنة بعملها وعقدت اجتماعا في بغداد».
وأضاف: «اللجنة ستعقد اجتماعا آخر خلال الأسبوعين المقبلين في أربيل، وتقرر أن يكون هناك مركزان رئيسيان للعمليات وأربعة مراكز عمليات تنسيق في كل من كركوك والموصل ومخمور وخانقين».
تواجد ضباط أكراد
وأشار إلى إن «وفق المعلومات التي ادلى بها لنا وفد وزارة البيشمركه، سيعمل في تلك المراكز 15 ضابطا كرديا، حيث يكونون في كركوك في قاعدة (كي وان) العسكرية، للعمل على ملء الفراغ الأمني الموجود بين الطرفين».
وبشأن اعتراض العرب والتركمان في كركوك حول تشكيل تلك المراكز، قال عثمان: «حتما هم يقولون هذا لسببين، الأول هو أن تركيا لا تريد أن تبقى تلك المناطق بيد الكرد، لذلك يعترض التركمان على ذلك، فضلا عن أن العرب وبسبب أن داعش ومنذ سنوات في تلك المناطق وضربته قوات البيشمركه، وقعوا في مشكلة، لذلك فإن مصلحتهم تقتضي عدم عودة البيشمركه، لكن بعد أن صدر قرار بذلك لن يستمع أحد إلى هؤلاء»، على حدّ قوله. وأكد محمد عثمان، أن، وفق معلومات وفد البيشمركه، تم الحديث خلال المفاوضات عن «تشكيل غرفة عمليات مشتركة، وبعد ذلك يكون هناك عدة مقترحات، أولها الدمج بين الخطوط الحدودية بين البيشمركه والقوات العراقية، وثانيهما بقاء قوات البيشمركه والعراقية في مواقعهما على أن تكون بينهما عمليات عسكرية، والمقترح الثالث، التقارب بين البيشمركه والقوات العراقية».
والإثنين الماضي، عقدت قيادة العمليات المشتركة وبحضور ممثلين من وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والوكالات والأجهزة الأمنية، اجتماعات مع قيادة قوات البيشمركه لمناقشة القضايا الميدانية المهمة التي تخص مناطق الحدود الفاصلة بين حرس الإقليم والقوات الاتحادية على طول الخط الفاصل، وكذلك الثغرات والفراغات الأمنية التي استغلت من قبل المجاميع الإرهابية.
وحسب بيان سابق لقيادة العمليات، فإن اللقاء «كان مهنياً هدفه التنسيق والعمل على حل المشاكل والمعوقات لمكافحة الإرهاب وضبط الأمن في هذه المناطق والتي هي ضمن المهام الاتحادية في مكافحة الإرهاب»، مؤكداً أنه «لم يجر مناقشة أي موضوع يخص عودة البيشمركه إلى كركوك أو مناطق أخرى، كما روجت لها إحدى الجهات السياسية».