بيروت- “القدس العربي”:
على غرار “خلية حمد” و”اللقاء التشاوري” اللذين أنشأهما النظام السوري كرد على “لقاء قرنة شهوان” الذي نشأ في ظل نظام الوصاية برعاية البطريرك مار نصر الله بطرس صفير لإظهار اللبنانيين منقسمين ولمقابلة طرح بطرح آخر، هكذا يمكن اختصار المشهد حالياً في لبنان.
فبعد الحملة القاسية على مواقع التواصل الاجتماعي ضد طرح الحياد الذي نادى به البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، بدأت تصدر مواقف روحية وسياسية معارضة لهذا التوجه موحى بها من قبل حزب الله الذي ما زال يتجنب الدخول علناً في سجال مع البطريركية المارونية كي لا يساعد في عملية الاصطفاف حول البطريرك وكي لا يُحرج حليفه رئيس الجمهورية ميشال عون و”التيار الوطني الحر” الذي يحاول احتواء نداء الراعي وتعقيد مهمته من خلال التركيز على التوافق الداخلي حوله، وهو أمر لن يحصل ولن يمشي به حزب الله.
وفي سياق المواقف التي برزت ضد طرح الحياد، ما صدر عن رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان في رسالة إلى اللبنانيين، في الذكرى السنوية الـ14 لعدوان تموز، توجه خلالها بتحية الإكبار والتقدير إلى “صانعي انتصاراتنا التي رفعت اسم لبنان عالياً في سماء العزة والكرامة، وجعلته محط أنظار العالم في مقابل حفنة من عملاء رذلهم التاريخ ولفظتهم قيمنا الوطنية والأخلاقية”.
وقال: “من السخافة والنذالة أن نجد من يتعاطف مع الخونة والعملاء تحت عناوين شتى تريد تشويه صورة لبنان المقاوم والمنتصر على العدو الصهيوني بغية إخراجه من دائرة الصراع مع عدو ظالم لا يزال محتلاً لأرضنا وينتهك على الدوام سيادتنا فضلاً عن سرقة ثرواتنا المائية والنفطية”.
بعد الحملة القاسية على مواقع التواصل الاجتماعي ضد طرح الحياد الذي نادى به البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، بدأت تصدر مواقف روحية وسياسية معارضة لهذا التوجه موحى بها من قبل حزب الله
وأضاف: “في هذه الذكرى المجيدة، نخص رجال المقاومة والجيش والمدنيين الذين سمت تضحياتهم بشجاعتهم ومناقبيتهم الوطنية بوصفهم أصحاب الفضل في تسجيل نصر تموز”، محذراً من “تضييع بوصلة المصلحة الوطنية والأخلاقية في ما يتعلق بموقع لبنان وكيفية إنقاذه وسط هذه الأعاصير والهجمة الدولية والإقليمية على تمزيقه، تارة بفرض حصار وعقوبات اقتصادية عليه وأخرى بتدخلات في شؤونه الداخلية وتحريض فئة على أخرى وصولاً إلى الدعوة إلى الفدرلة وتحميل المقاومة وزر الأزمة الاقتصادية والمعيشية وطرح حياد لبنان كمخرج للخروج من الأزمات الحالية”.
ورأى قبلان أن “الحياد بمنطق النبي محمد والسيد المسيح يعني أن ننحاز للحق، وأن ندافع عن بلد يذبح بسيف الحصار الاقتصادي، الحياد بمنطق النبي محمد والسيد المسيح هو أن نكون في الموقع الإنقاذي للوطن المنهوب، وأن نلتزم قضايا المظلومين شعوبا وكيانات أينما كانوا بعيداً من أسماء الكيانات والديانات، الحياد بمنطق المسيح ومحمد يعني أن نقول للظالم أنت ظالم، وأن نقول لمن بذل وقاتل وحرر الأرض واستشهد من أجل ذلك شكراً لك، الحياد يضعنا في قلب المسؤولية التاريخية لموقع وقضايا لبنان ولمظلومي المنطقة والعالم، وهو بمنطق السيد المسيح والنبي محمد يفرض علينا أخذ قرارات مرة في وجه طواغيت المشروع الدولي الإقليمي المحلي الذين يتعاونون على استنزاف لقمة الفقير في لبنان، الحياد أن نكون ضد شياطين النهب والفساد والظلم والفتنة والاستبداد الذين حولوا الدولة إلى جثة نتنة ممزقة فوق ركام شعب من المضطهدين والمظلومين”.
أما رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل الذي زار الديمان للقاء البطريرك الراعي بعد يوم واحد على زيارة لرئيس الحكومة حسان دياب أظهرت مدى البُعد بينه وبين ما يفكر به البطريرك، فلفت إلى أن “التيار مع تحييد لبنان، وطبقنا هذا الموضوع في وزارة الخارجية أيضاً”، واعتبر أن “التحييد هو قرار ذاتي أما الحياد فهو قرار مطلوب منا ومن الغير”. وقال: “الحياد هو تموضع إستراتيجي يجب أن نعمل لنوفر ظروف نجاحه التي تعتمد على التوافق الداخلي ما يتطلب حواراً وطنياً للوصول إلى قناعة وطنية وإلا سنتسبب بمشاكل داخلية”، ودعا إلى “تأمين مظلة خارجية لتطبيق هذا الموضوع، ووجوب اعتراف الدول المجاورة وتسليمها بهذا المبدأ”، مضيفاً: “نحن مع الحياد الذي يحفظ للبنان وحدته ويحفظ جميع عناصر قوته ويحميه من أطماع إسرائيل ويزيل عن لبنان أعباء النازحين”. وختم باسيل: “لبنان همزة وصل بين الشرق والغرب، هو رسالة تنوع وقبول الآخر، ما يجب أن يكون مصدراً لاستقراره. في النهاية البطريركية المارونية من حراس وحملة الرسالة اللبنانية وأبدينا استعدادنا لأي عمل مطلوب في هذا الاتجاه”.
وفي إطار المواقف المعترضة على الحياد خصوصاً بعد موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط المؤيد ضمناً للحياد من دون الاقتناع بإمكانية تغيير المعادلات، غرد رئيس “حزب التوحيد العربي” وئام وهاب عبر “تويتر”: “أريد أن أفهم شيئاً عن الحياد. هل هو الحياد في الصراع بين إسرائيل والمقاومة؟ هل في الصراع بين الفساد وضحاياه؟ هل في الصراع بين السارق والمسروق؟ هل في الصراع بين الخير والشر؟ بين المعتدي والمعتدى عليه؟ إذا كان هذا المقصود سجلوا نحن لسنا محايدين بل منحازون”.
وكان رئيس الحكومة الذي زار يرافقه وزير البيئة دميانوس قطار الصرح البطريركي الصيفي في الديمان، وصف طرح الحياد بأنه “سياسي بامتياز وفي حاجة إلى حوار وطني شامل يجمع عليه كل الأطراف السياسية”، وقال إن “موضوع تأييد طرح البطريرك يتطلب وضوحاً لأن هناك أطرافاً يؤيدونه وآخرين يعارضونه لذا لا نتخذ أي موقف من الحياد قبل معرفة الأبعاد”. وإذ اعتبر دياب أن “مقولة إن الحكومة هي حكومة حزب الله أصبحت أسطوانة مكسورة ولم تعد تمر على أحد”، أعلن أنه “لن يستقيل؛ إذ في حال استقالة الحكومة فالبديل غير موجود وسنستمر في تصريف الأعمال لسنة أو ربما لسنتين وهذه جريمة بحق البلد واللبنانيين”.
وسرعان ما جاء الرد على دياب من قبل البطريرك الراعي نفسه في خلال احتفاله بعيد القديس شربل إلى جانب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في بقاعكفرا حيث قال: “الموضوع ليس سياسياً ولا حزبياً ولا طائفياً”، قبل أن يواصل للأحد الثالث على التوالي التأكيد على مبدأ الحياد ويرفض الرد على التهم التي تطاله. ومما جاء في عظته: “عندما أعلن لبنان الكبير دولة في حقل العالم العربي والإسلامي في الأول من أيلول 1920، حمل طبيعة حبة القمح بنظامه الديموقراطي وحرياته العامة وتعدديته الدينية والثقافية، وحمل رسالة العيش معاً مسيحيين ومسلمين بدستور خاص مميز عن جميع دساتير محيطه العربي، فاصلاً بين الدين والدولة، ومحترماً جميع الأديان بمعتقداتها وتعاليمها وتقاليدها. فكان بمثابة فسيفساء غنية بمكوناتها المتنوعة، وبوحدتها المحكمة والمتكاملة.
ولما أعلنت سيادة لبنان باستقلاله الناجز سنة 1943، ثبتت الدولة دورها المستقل في منظومة الأمم، وأقامت ميثاقها الوطني بتأكيد العيش المشترك المتوازن والمتساوي في الحقوق والواجبات بين مكونات الوطن كلها. وبهذا الميثاق أعلنت حيادها بالمفهوم القانوني والدولي بمقولة لا شرق ولا غرب أي التزام لبنان الحياد بين الشرق والغرب، بحيث يلتزم قضايا العدالة والسلام والاستقرار والمحافظة على حقوق الإنسان والشعوب، والانفتاح على جميع الدول ما عدا إسرائيل بسبب حال العداوة والاحتلال. كما يلتزم تعزيز حوار الأديان والثقافات والحضارات، والدفاع عن القضايا العربية المشتركة والقضية الفلسطينية، من دون الدخول في أحلاف سياسية أو عقائدية أو عسكرية إقليمية ودولية”.
وأضاف الراعي: “بقوة الدستور والميثاق ووحدة اللبنانيين استطاع لبنان أن يتجاوز محنة 1958 الرامية إلى ضم لبنان إلى الوحدة المصرية – السورية العابرة، وخطر التقسيم أثناء الحرب اللبنانية المشؤومة ما بين 1975 و1990. وجاءت وثيقة اتفاق الطائف لتجدد الدستور الأول كعقد لوجود لبنان والميثاق الوطني كعقد لسيادته. مع ما يلزم من تعديل وتوضيح. فلا بد من استكمالهما بنظام الحياد الناشط والفاعل وهو كعقد للوحدة الداخلية والاستقرار. إن نظام الحياد يقتضي وجود دولة قوية بجيشها ومؤسساتها وقانونها وعدالتها، وقادرة على الدفاع عن نفسها وشد أواصر وحدة شعبها، وخلق الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي. عندئذ تستطيع أن تحقق أكاديمية الإنسان لحوار الثقافات والأديان والحضارات التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة في دورة 2018 بطلب من فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون”.
وتابع: “ليس نظام الحياد طرحاً طائفياً أو فئوياً أو مستورداً. بل هو استرجاع لهويتنا وطبيعتنا الأساسية، وباب خلاص لجميع اللبنانيين دونما استثناء. رجائي أن يصار إلى فهم حقيقي مجرد لمفهوم نظام الحياد الناشط والفاعل عبر حوارات فكرية علمية، تكشف معناه القانوني والوطني والسياسي، وأهميته للاستقرار والازدهار”.