رغم عدم اهتمامنا عربيا بالأدب الافريقي جنوب الصحراء الكبرى، إلا أن هذا الأدب يحقق إنجازات قوية على المستوى العالمي، ويظهر ذلك من خلال الجوائز العالمية المحصل عليها، التي تجعله يكسب موطئ قدم على خريطة الأدب العالمي. ومن بين أهم رواد هذا الأدب، السنيغالي ليوبولد سيدار سنغور، الذي حصل على عدة جوائز مرموقة، وأصبح في ما بعد عضوا في الأكاديمية الفرنسية، والنيجيري وولي سوينكا الحاصل على جائزة نوبل للآداب.
وقد تميز هذا الأدب في عمومه بالطابع الدفاعي عن الهوية الافريقية وعن مكانة الإنسان الافريقي في عالم تميز بالقسوة في تعامله مع الإنسان الأسود، يشهد على ذلك تاريخ حافل بالمعاناة، وسوء الفهم والاستغلال، وقد نتج عن تناول هذه القضايا من قبل الأدباء الأفارقة ما يصطلح عليه بـ«الزنوجة»، التي تعد اختزالا لمعاناة وطموحات الافريقي في علاقته بذاته وبالمستعمر السابق لأرضه أي الدفاع عن هويته. لمعرفة وجهات نظر مختلفة حول الموضوع؟ تحدث عدد من الأدباء المغاربة عن الأدب الافريقي فجاءت مداخلاتهم متنوعة ومتشعبة.
ومن بين المتدخلين رضوان المتوكل الذي قال بأنه «حينما، نتحدث عن الأدب الافريقي، فإننا نحدده من خلال مفهوم الأدب، سواء أكان شعرا أو نثرا، قصة أو رواية أو مسرحية، شفهيا أو مكتوبا، ثم نؤطره بوصف ونعت الافريقي؛ أي نحصره هنا في قارة افريقيا. لذلك، ونحن نتحدث عن هذا الأدب فإننا نلحظ أنه يتميز بخصائص عدة لعل أهمها، خصيصة اللغة، حيث نجد الأدب الافريقي المكتوب باللغات الافريقية، ثم الأدب المكتوب بالفرنسية، فالأدب المكتوب بالإنكليزية، والأدب المكتوب باللغة البرتغالية، وأمام هذا الزخم يقف القارئ مشدوها أمام إبداعات تستمد موضوعاتها من الواقع الافريقي البسيط، الذي مازال لم يصل بعد إلى التطور والتحضر الذي وصل إليه الغرب، وكذا موضوعات مستمدة من الأساطير والحكايات الشعبية، التي تعلق بها ذهن الإنسان الافريقي، ونجد ضمن هذا الأدب، اتجاهات عدة نمثل لواحد منها وهو الاتجاه الرامي إلى تأكيد الهوية الأدبية الافريقية من دون تعصب للزنوجة، ومن أبرز رواده الشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي. أما في مجال النثر فنجد جيمس فيوتيلا صاحب رواية «الحرية للعبيد»، وهي رواية تاريخية يدافع فيها كاتبها عن فكرة التحرر والانعتاق من الأسر والعبودية.
أما محمد البوركي فيرى أن الأدب الافريقي يلقى إقبالا غربيا متزايدا، حيث بات له إشعاع بارز في الأوساط الثقافية والجامعات، ووسائل الإعلام ودور النشر، لكن ظل الاهتمام به في العالم العربي ضئيلا، رغم انتماء عدد من الدول العربية إلى القارة السمراء. فما هو الأدب الافريقي؟ وبم يتميز؟ ومن هم بعض أعلامه؟
أجمع أغلب الباحثين، الذين تصدوا لدراسة الأدب الأفريقي على تعريفه بأنه الأدب المكتوب في الأصل بلغة افريقية (السواحلية، البانتو، الأفريكانية)، أو أوروبية (الفرنسية، الإنكليزية، البرتغالية)، بواسطة كاتب افريقي الأصل والنشأة، ومع أنه لا يمكن الادعاء بوجود وحدة ثقافية أصيلة بين الشعوب الكثيرة التي تعيش في هذه القارة، التي كانت يوما ما مسرحا لواحد من أكثر فصول التاريخ الإنساني مأساوية وعنصرية: حقبة الاستعمار الأوروبي، التي كان لها الأثر الأكبر في ما يعرف الآن بالأدب الافريقي المعاصر، إلى جانب العديد من مشاكل القارة العتيدة، مثل: التطرف، وعدم المساواة، والديكتاتورية ، إلا أنه لا يمكن أيضا إنكار الملامح الحضارية المشتركة التي تعم شعوبها، وقد بدأت هذه الملامح تظهر بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، إذ أخذت تبرز حالة من الوعي السياسي الذي يدل على الانتماء الحضاري للأفارقة.
انكب هذا الأدب على تصوير حياتهم المأساوية قبل الاستعمار وخلاله، والحديث عن الحروب الأهلية واستعمال ثراتهم وثقافتهم الشعبية من حكايات وأساطير وخرافات، لطالما استمد منها المبدع الافريقي إلهامه.
ومن المؤسف حقا أن معرفتنا بهذا الأدب محدودة جدا، على الرغم من ثرائه وتنوعه وتعدد أبعاده، بالمقارنة مع آداب أجنبية أخرى، فقد تألق الكثير من الشعراء والروائيين الأفارقة، وذاع صيتهم في الآفاق نعدد منهم: سمبين عثمان، تشيكايا أوتامسي، كمارا لاي، ألكس لاكوما وغيرهم. عالجوا في كتاباتهم جملة من القضايا التي ترتبط بتطلعات الشعوب الافريقية في النهوض الحضاري والتحرر من القيود والأوهام والأنظمة الفاسدة. من هذا المنطلق، سأكتفى بتجربتين أدبيتين قصد التدليل على نبوغ هذا الأدب:
– الكاتب النيجيري الشهير شينوا أشيبي، روايته «أشياء تتداعى» من أشهر روايات الأدب الافريقي، ومن أولى الروايات التي تناولت بشكل ملحمي كلاسيكي مأساة الاستعمار الأوروبي، وبناء المجتمعات القبلية فى فترة ما قبل الحملات الاستعمارية الأوروبية.
– الشاعر الأوغندي أوكوت بيتيك، الذي خصص معظم قصائده الطويلة لانتقاد الواقع السياسي في بلاده بعد الاستقلال .
فدوى الجراري من جانبها قالت إن الأدب الافريقي يعد أرضا خصبة للدراسة والتحليل، رغم قلة الاهتمام الإعلامي والعربي به، إذا استثنينا دول الشمال الافريقي العربي الإسلامي، سنجد في دول الجنوب وجنوب الصحراء، ثقافات متنوعة، متفردة ونادرة كامنة بين الأدغال والأحراش، تحتاج لمن ينفض عنها تراب الصحراء، لتتجلى كنوزها الذهبية للراغبين في معرفة عمق الأدب الافريقي من منبعه، وليس من خلال دراسات وأبحاث بعيون أجنبية. الأدب الافريقي تم التعبير عنه من خلال لغات افريقية محلية كالبانتو أو السواحلية، لكن هناك من كتب بلغات أجنبية حية كالإنكليزية والفرنسية والبرتغالية، ولعل ذلك راجع لتاريخ القارة السوداء مع الاستعمار الأوروبي، وهذا ما أعطى لنا تنوعا لغويا متفردا، وسواء باللغة الأم أو بلغة المستعمر، لم تقف اللغة أمام المبدعين الأفارقة من الاهتمام بالقضايا الوطنية، سواء الاجتماعية أو السياسية، إذ أصبح الأدب عندهم سلاحا من أسلحة المقاومة والنضال، ورفع الظلم عن قارة انتهكت حرمتها حتى النخاع، واستنزفت خيراتها حتى ظل ابن البلد يستجدي لقمة عيشه خارج حدود قارته.
وقد تميزت بداية الأدب الافريقي بطابعه الشفهي يحمل على عاتقه الحفاظ على التراث الموروث قبل أن يتحول لأدب مكتوب، بأسلوب يتسم بالبساطة والساذجة بعض الشيء، كما في أعمال توتولا بصفة خاصة، وقد أدت هذه التلقائية إلى اختفاء العقلانية والسفسطة، قدمت بلغات محلية وبلغات أوروبية قصد عبور رؤية الكاتب حدود القارة السمراء. وتعد رواية «في انتظار البرابرة» من أشهر الروايات الافريقية يقدم جون ماكسويل كويتزي من خلالها عالما متخيلا، يرمز فيه للصراع الدائم بين قوى الحكم الظالمة والمستبدة والشعوب التي ترغب في الحصول على حريتها. ومن هذا النموذج نجد بشكل واضح الارتباط الوثيق بين الأدب وقضايا القارة، واستنكار السيطرة الاستعمارية، وبهذا تتعزز مقولة إن الأدب مرآة الشعوب وهمومها.
حبيبة خيموش من جهتها ترى أن الأدب الافريقي لم يلق إقبالا واسعا كغيره من الأنواع الأخرى وهذا راجع للعديد من الاعتبارات منها: تصنيف الثقافة الافريقية ضمن الأنثروبولوجيا وليس الأدب، وصعوبة إيجاد الأدب الافريقي مكانا له في الساحة الأدبية، بالإضافة إلى تنوع وتعدد لغات القبائل الافريقية والمشافهة التي كانت تطغى على المشهد الثقافي، لذلك قيل إن الأدب الافريقي هو أدب أقليات.
انكب هذا الأدب على تصوير حياتهم المأساوية قبل الاستعمار وخلاله، والحديث عن الحروب الأهلية واستعمال ثراتهم وثقافتهم الشعبية من حكايات وأساطير وخرافات، لطالما استمد منها المبدع الافريقي إلهامه، وهنا نستدعي رواية» نصف شمس صفراء» للكاتبة النيجيرية تشيماماندا، كخير مثال على الأدب الافريقي تتكلم تشيمامندا في روايتها عن حرب أهلية بين مجموعة من القبائل، منها قبيلتها ولعب الطفل «أجوو» دور البطولة فيها الذي أغرم بفتاة مثقفة غيرت وعيه.
ومن بلاد السودان نجد الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، كأبرز شعراء افريقيا تميزت قصائده بشعرية عالية.
٭ كاتب مغربي