على موائد الكتّاب… الجزائر بوصفها بلد شرب لا أكل!

حجم الخط
5

فن الطبخ من أكثر الأشياء التي نفتقدها في الجزائر. عدا بعض الأطباق القليلة، التي لم يحسم أمر مصدرها التاريخي، فإن مطبخنا في مجمله مستورد من الخارج، مددنا أيدينا إلى أكلات وصلت غرباً وأخرى شرقاً، كنا دائماً ننتظر القادمين من البحر، قصد تذوق أشياء جديدة، لكننا لم نفكر يوماً في تذوق ما يأكله جيراننا جنوباً.
لن نختلف في القول إن المطبخ الجزائري من أفقر المطابخ العربية، لم يُبدع الشيء الكثير، بل اكتفى بخلطات ووصفات وتوابل، حملها غزاة معهم، أو نقلها إليه بعض الرحالة، وعلى الرغم من صعود إعلام جديد، يهتم بفن الطبخ، وتكاثر كتب الأكل، التي باتت أكثر عدداً من أنواع الكتب الأخرى، فإننا سوف نشقى في العثور على طبق خاص يميزنا عن الآخرين. لا نزال نتحدث عن (الكسكسي) وعن أطباق أخرى نجحت محلياً، لكننا عجزنا عن الترويج لها خارج الحدود. لعل هذا السبب الذي حتّم على الكتّاب الجزائريين تجنب الخوض في ثيمة (فن الطبخ) في أعمالهم.
هل يتحرج الكاتب من الإفصاح عما يدور في بطنه؟ أما أنه يخجل من ألا شيء جديد قد يقدمه للقارئ؟ بات من النادر أن نشتم رائحة طعام في الأدب الجزائري، بل إن الكاتب قد يهتم بتوصيف كل شيء، بما في ذلك أحلام شخصياته، لكنه لا يتساءل ماذا يأكلون ولن يفيد القارئ في ذلك.
يُتيح لنا الطبخ صورة مكبرة عن المجتمع الإنساني، يكشف عن مستوى ذكائه ولباقته وحسن تدبيره، كلمة «طبخ» لا يمكن أن تتصل سوى بكلمة «فن»، وواحد من أسباب السعادة هو الأكل الجيد، لذلك لا نتعجب من شقاء الفرد في الجزائر، إنه لا يأكل ما يصنع، بل ما يصنعه الآخرون، لا يصرف وقتاً في التفكير في ابتداع مطبخ له، بل يستلف من الآخرين كل ما هو جاهز. بالنظر إلى المساحة الجغرافية الواسعة للبلد، كان يفترض أن تختص كل منطقة منه بأكلاتها، أن نعثر على تنوع في الأذواق، أن نشعر بفوارق على الموائد، حين نقفز من منطقة إلى أخرى، لكن العكس هو ما يحصل، كل الجزائريين يأكلون ـ تقريباً ـ أشياء مُتشابهة، لا فرق بين سُفرة في الشمال، وأخرى في الجنوب، تبعد عنها بأكثر من ألف كيلومتر. كما لو أننا إزاء أفراد يهمهم فقط إشباع جوعهم، لا التفكير في نوعية (الإشباع) الذي يحتاجون إليه. يأكلون ببطونهم لا بأعينهم ولا بعقولهم.

الطبخ قد يكون أيضاً لغة، سبيلاً في تحاورنا مع غيرنا، فمن بين الأشياء التي نتفق عليها هي أطباق الأكل، نفهم رموزها ومعانيها وماذا يخفي كل واحد من مكوناتها، هكذا يمكن القول إن الجزائر فقدت لسانها، لا هي تتذوق ولا هي تملك لغة مشتركة مع الأجانب، حرمت نفسها من اللذة ومن التخاطب.

وعلى الرغم من أن تلفزيونات الطبخ تحظى بنسب مشاهدة عالية، فإننا لا نزال نكرر الوصفات ذاتها، نمارس «الملل» عينه كل يوم، نأكل ما أتيح لنا بين أيدينا، لا ما نرغب فيه. هناك بلدان من كثرة اهتمامها بالطبخ، علّبته وجعلت منه ثقافة، وصارت تصدر تلك الثقافة، بل جعلت منها جزءاً من دبلوماسيتها ومن قوتها الناعمة، صرنا نسمع عن «سفراء الطبخ». ماذا لو فعلنا مثلهم؟ ماذا يُمكننا أن نصدر؟ الأكيد أن منظرنا سيكون مخجلاً، حيث لا تزال صفة (شيف) صفة غير مؤثرة، ففي الجزائر من الأفضل أن تكون إماماً أو فقيهاً، على أن تكون (شيف)، من الأفضل أن تُطلق لحية على أن تطلق إبداعاً في الطبخ.
الطبخ قد يكون أيضاً لغة، سبيلاً في تحاورنا مع غيرنا، فمن بين الأشياء التي نتفق عليها هي أطباق الأكل، نفهم رموزها ومعانيها وماذا يخفي كل واحد من مكوناتها، هكذا يمكن القول إن الجزائر فقدت لسانها، لا هي تتذوق ولا هي تملك لغة مشتركة مع الأجانب، حرمت نفسها من اللذة ومن التخاطب. من المفارقات أن تكرست كتابات، في سبعينيات القرن الماضي، في مديح ما كان يُسمى (ثورة زراعية)، التي من غاياتها إتاحة الأكل للجزائريين، لكن تلك الكتابات اهتمت فقط بشعارات الثورة الزراعية، ولم ترد فيها أي إشارات إلى نوعية الأكل المرجو منها. لكن غياب الأكل في الأدب الجزائري ناب عنه حضور طاغٍ للخمر، بحكم أن الجزائر من أفضل المنتجين لهذا الشراب، ليس من ناحية الكمية، بل النوعية، وقد صار من المعتاد أن نرى سواقي من أنواع الخمور تسيل في الأعمال الأدبية، والأمر لا يتعلق ـ بالضرورة ـ بتلذذ الكاتب، أو نزعة منه في الإسراف في الشرب أو الدعوة إليه، إنما تعبير منه عن حقيقة مغيبة، أن الجزائر بلد شرب لا أكل. إن الخمر كاشف أسرار، يمكن أن نفهم الجزائر في تنوعها من باب تنوع ألوان الشرب فيها، إضافة إلى ذلك، مع غياب المطاعم في الرواية الجزائرية ـ مثلاً ـ فإن المقاهي تكاد تكون حاضرة بشكل لافت، حيث أن المقهى في الأدب لم يعد مجرد ديكور أو وجهة عادية، بل هو «برلمان الشخصيات» في أي رواية، برأي بلزاك، المقهى مكان تتقاطع فيه التناقضات كلها، هو فسحة في تحسين المزاج، وفي تصفية الحسابات كذلك، ولن نجد جزائرياً واحداً لا يرتاد المقاهي، مع أنها كلها لا تختلف عن بعضها بعضا في نوعية القهوة السيئة التي تقدمها، بحكم أن وظيفتها المكانية، في جمع الناس وتحريك النقاشات، وليست مجرد وظيفة استهلاكية.
منذ المجموعة القصصية «في المقهى»، التي نشرها محمد ديب عام 1955، صار ذلك المكان متلازمة في الأدب الجزائري المعاصر، ففي المقاهي يلتقي القضاة والجناة، من هناك كانت تخرج الموسيقى وتدار السياسة والثورات، قد يتقبل الجزائري أن يتغير أي شيء في نمط عيشه، لكنه لن يتقبل أن يمنع يوماً من ارتياد المقاهي، ولن تتم رواية معاصرة بدون الإشارة إلى ذلك المكان.
في غياب مطبخ جـــــزائري، فشلنـــــا في ابتكار ذوق يميزنا عن غيرنا، نكتفي اليوم بما نحوزه من شرب، ومن مقـــاهٍ، ويمتنع الكتّاب عن البوح بما يأكلون، يوارون موائدهم، كي لا يفضحوا عجزهم في التذوق.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية