ما مات كاتبٌ في نصِّه!

ليس باستطاعةِ الإنسان أنْ يُوجَدَ خارجَ حكايته، ولا يمكن له أن يكون بطلاً في حكاية غيره، لأن حكايةَ كلِّ واحد منّا إنّما هي حياتُه، وهي الشيءُ الشخصيُّ الذي يُميّزه، كالبصمة، عن باقي مجموعته الاجتماعيّة، وهي منه بمحَلّ مجموعِ كيانِه الجسديّ والنفسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وإذْ تُرْوى الحكايةُ الشخصيّةُ تصيرُ أكبرَ من صاحبها تأثيرًا في الأرضِ وأثرًا، وذلك من جهة كونها تسبقه إلى الدّنيا وقد تَبْقى فيها بعدَه فتكون أشدَّ صِلةً به وأكثرَ دَلالةً عليه من نسلِه، ذلك أن الإنسانَ يعيش في جسده مؤقتا بينما يظلّ يعيش في حكايته أبدا. وما يُعزِّزُ وجاهةَ ما مرّ معنا هو وقوعُه في حيِّزِ مفهومِ «الهُوية السردية» الذي اقترحه بول ريكور في بعض ما كتبَ وشرحَه بقوله إنّ فهمَ الذّات ليس إلاّ عمليةَ تأويلها، وإنّ أفضلَ طريق إلى تأويل الذّات إنما هي طريقُ السَّرْد.
الكتابةُ موقف الذّات من العالَم، وبالموقف يحيا الكاتبُ فلا تموتُ فيه الصفةُ بموته، فهو حيٌّ ما بقيَ نصُّه مغريا بالقراءة وقادرا على التواصل مع أهل وقتِه (أو مع أهل المستقبَل)، يظلّ حيّا ما ظلّ نصُّه يُثيرُ الأسئلة حول مغامرة هؤلاء الحياتية. ربّما أخاطر بالاستفادة من طريقة سانت بوف في بحثه عن «الإنسان الذي كتب النَّصّ داخل النَّصّ نفسه» كما جاء في مقالته التي كتبها عن ديدرو، لأقول إنّ كلّ إنسان إنّما هو نصٌّ ينتظر الكتابةَ، ولا أحد يكتب نصَّ غيره، وهذا – في رأيي- ما يُفسِّر ضُعفَ أدبيةَ نصوص السيرة الغيريّة لأنه «ما حكَّ جلدكَ مثلُ ظفرك- فَتَوَلَّ أنْتَ جَميعَ أمرك»، هكذا حدّثنا الشافعيُّ.
وربّما كان رولان بارت مدفوعا بحماسةِ البحث عن نظريّة للقراءة تلبّي طموحَه السيميولوجي ويُحقّق بها قطيعة ابستمولوجية تنضاف إلى القطيعات الأخرى التي أنتجتها أحداث مايو عام 1968 عندما سارع إلى إعلان موت المؤلِّف مستفيدا في تأصيل هذا المفهوم من حُدُوسِ كلٍّ من مالارميه وبروست وبول فاليري بقوله إنّ «اللغة هي التي تتكلّم وليس الكاتب»، بل واعتباره موتَ المؤلِّف الضريبةَ التي يستوجبها ميلادُ القارئ، غير أن موت المؤلّف، على رأي أنطوان كمبانيون، ليست إلا استعارة إذا بالغنا في تأويل آثارها الأدبية نكون «مثل الذي يبحث عن أخطاء اللغة في رسالة حُبّ».
وحتى لا أدخل ضمن حيِّزِ الباحثين عن الأخطاء في رسائل الحبّ -وإنْ كنتُ مع واجب كشف تلك الأخطاء حتى يصفو معنى الحبّ وتهيجُ مُتعتُه بين العُشّاق- سأكتفي بالقول إنّ بارت لم يسأل نفسَه إنْ كان ما كتبه من دراسات هو كلام اللغة وليس كلامه هو. وإذا لم يكن هو موجودا في كتاباته فلِمَ تألّم عندما وصف ريمون بيكار نقدَه الجديدَ بالأكذوبة الجديدة، وهبَّ يردّ عليه بكتابه «نقد وحقيقة»؟ ثم أليس التعامل مع النَّصّ الإبداعيّ باعتباره وحدةً مستقلةً عن العالَم إهانةً للكتابة ذاتها من جهة غَمْطِ وظيفتها الاجتماعيّة، وإهانةً لجوهر اللغة باعتبارها سبيلَ الإنسانِ إلى الإقامة خارجَ جسده؟ لِمَ نكتب إذا كان النصّ يُحيل على ذاته فقط؟ وهل أنا الآن أخوض في آراء اللغة أم في آراء بارت ذاته عن اللغة، أعني بارت الذي غامر بفكره وجسده في صراعات الفضاء العامِّ؟
ربما يُسعفنا بول ريكور بإجابة صارمة عن هذه الأسئلة في تأكيده أنّ «اللغات لا تتكلّم، بل يتكلّم الناسُ» وذلك في خلال حديثه عن البنيوية التي رآها قد تحوّلت إلى نمط كلّي من التفكير لم تعد فيه اللغة صورة حيّةً و«توسّطا أو وساطة بين العقول والأشياء… بل صارت نظاما مكتفيا بذاته ذا علاقات داخلية فقط». وربّما أضيف إلى قول ريكور قولي إنّ البنيوية (وكذلك السيميائية) لمّا أضحت إمبراطوريّة في أرض النقد، وترامت أطرافها، وكثرت إماراتها وأُمَراؤُها، فقدت القدرةَ على التحكّم في تلك الأطراف التي صارت تتنازع فيما بينها وكلّها رغبةٌ في القضاء على سلطة تلك الإمبراطوريّة والحلول مكانها. ومهما يكن من أمر، فإنّ رولان بارت باقٍ بيننا إلى الآن لأن كتاباته مازالت تثير فينا الأسئلة، وتلك حال الكاتبِ الأبْقى في نصّه سواء أكان روائيا أم شاعرا أم قاصا أم غير ذلك من أنواع الكتابة، ولا يبقى الكاتب في نصّه إلا متى كان قادرا على الدخول إلى الواقع بجسده وفكره معًا ويُثوِّره ويُثير حولَه شكوكَ الناس في صلاح مؤسّساته المادية والرمزية.
لا -تلك الكلمات ذاتُها- تكتُب كاتبَها خلال حدث القراءة، أيْ صارت نصًّا يَكتُبُ كاتبَه في كلّ قراءة؛ يُخبِرُ عن مزاجه وأسلوبه ومواقفه من واقعه. وحينئذ فإني لمّا أقرأ نصَّ الكاتب إنما أنا في الأصل أقرأ كاتبَ النَّصّ في تواصله مع العالَم. لا شيء يخلق الكاتِبَ إلاّ نصُّه، ولا توجدُ مسافةٌ بينهما يُمكن أن يدسُّ فيها الناقدُ أنفَه ويُباعِد بينهما، لا ولا زمنٌ؛ لا يوجدُ إلاّ كاتبُ نَصٍّ، أيْ: نصُّ كاتبٍ لن يموت في نصِّه.

٭ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية