أكد كاتب وباحث فلسطيني ملتزم تعمّقَ في دراسة تاريخ شعبه والقضايا المحيطة بهذا التاريخ، أن كيان فلسطين كوطن تواجد منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، والشعب الفلسطيني عاش في ذلك الوطن الواقع جغرافياً على الضفة الشرقية من البحر الأبيض المتوسط من العصور الغابرة وفي ظل ممالك وأنظمة ودول مختلفة وبقي متمسكاً بهويته الوطنية وبتراثه وأرضه وما زال كذلك حتى الساعة وإلى الأبد.
ففي كتاب للبروفسور نور مصالحة بعنوان “فلسطين، أربعة آلاف عام من التاريخ” يشجب، المحاضر والباحث في جامعات بريطانية وعالمية السردَ الملتوي والخاطئ الذي فرضته الكثير من كتب التاريخ الصادرة عن دول الاستعمار الأجنبي لمنطقة الشرق الأوسط والتي يدّعي بعضها بأن فلسطين كانت “أرضا من دون شعب” مما دفع اليهود الصهاينة في العالم إلى إطلاق مشروعهم الاستيطاني فيها منذ نهاية القرن التاسع عشر وتنفيذه في منتصف القرن العشرين والاستمرار فيه في القرن الواحد والعشرين.
ولا تقتصر معارضة وتحفظ مصالحة على المصادر الاستعمارية الأجنبية ضد الكيان والشعب الفلسطيني، بل يرفض بعض النظريات الصادرة عن مراجع عربية وشرق أوسطية وآسيوية ترى أن فلسطين لم تكن أكثر من الجزء الجنوبي لبلاد الشام (سوريا) وأن الحركة القومية الاستقلالية الفلسطينية نشأت في المرحلة الأخيرة من سيطرة الدولة العثمانية على الشرق الأوسط العربي، بل يشدد في الكتاب على أن الفلسطينيين تمسكوا وتشبثوا بهويتهم الحضارية خلال فترات طويلة قبل نشوء الدولة العثمانية ومنذ عصور ما قبل المسيحية والإسلام ولآلاف السنوات.

وينتقد مصالحة في مقدمة كتابه بعض المثقفين العرب الذين يعتبرون أن قضية القومية العربية والإسلامية تحتل موقعاً أكبر في حجمه من قضية تمسُكْ الشعب الفلسطيني بهويته القومية الفلسطينية. الشعب الفلسطيني، في رأي مصالحة وحسب أبحاثه، شملَ العرب المسلمين والعرب المسيحيين والعرب اليهود فتمسك بكيانه ووجوده منذ ما قبل نشوء الصراع الإسرائيلي (اليهودي) مع شعب فلسطين والاستيلاء على أراضي فلسطين بالقوة وطرد الفلسطينيين من وطنهم، يعني أن الصراع على فلسطين بين اليهود والعرب لم يخلق القومية الوطنية الفلسطينية آنذاك، بل ساهم في تعزيز ما كان متواجداً منذ عصور سابقة من تعلق الفلسطينيين بوطنهم وأرضهم.
ويؤكد أن فلسطين ككيان وكمنطقة إدارية منفصلة تواجدت في العصر الروماني والحكم البيزنطي والسلطة العثمانية والانتداب البريطاني الاستعماري وحتى الساعة بالإضافة إلى استمرار هذا الوجود أثناء الدخول الإسلامي العربي إلى الكيان في عام 637 م، وحتى الغزو الصليبي للمنطقة في عام 1099م.
ويرى الكاتب أن المؤرخين الإسرائيليين يحاولون تقليص دور الكيان الفلسطيني وتواجده في التاريخ القديم للمنطقة. ويأسف لأن الموقف السلبي لهؤلاء المؤرخين الإسرائيليين بالنسبة إلى وجود فلسطين ككيان منذ العصور الغابرة يشاركهم فيه بعض المفكرين والأكاديميين العرب، وخصوصاً أولئك منهم الذين يعتبرون أن فكرة فلسطين كهوية لشعبها نشأت بعد الاحتلال الإسرائيلي للبلد فيما فكرة القومية العربية سبقتها. يذكرُ في هذا المجال موقف المفكر والسياسي الدكتور عزمي بشارة، الذي اعتبر (حسب ما قال مصالحة) أن مفهوم القومية الفلسطينية أنشأته الدول الكولونيالية الاستعمارية (ص 15).
ويرى بشارة (حسب مصالحة) في مقابلاته مع وسائل الإعلام الإسرائيلية (قبل هجرته من إسرائيل في عام 2007) أن قضية الأمة العربية يجب التركيز عليها إلى درجة أكبر. ولا يوضح الكاتب إذا كانت مواقف بشارة تبدّلت في السنوات الأخيرة. ولكن من المفيد أن نذكر أن الحوار حول وجود أو عدم وجود أمة قومية عربية تواجدَ لفترة طويلة في الأكاديميات العالمية وبينها “كلية الدراسات الشرقية والأفريقية” (سواس) في جامعة لندن حيث قادت سابقاً مجموعة من الأكاديميين المتعاطفين مع الغرب نظرية قائلة أن مثل هذه الأمة موجودة فقط في إيديولوجيات وأحلام القادة الذين أطلقوها، ولا وجود لها بالفعل وفي حيز الواقع.
وبالتالي، فمع أن هؤلاء لم يكنّوا محبة كبيرة للعالم العربي وللقضية الفلسطينية، فان الحوار الأكاديمي حول هذا الموضوع ما زال مستمراً، وأهمية كتاب مصالحة أنه يعتمد البحث والتوثيق المعمق لإثبات نظريته. ويعتقد الكاتب أن الكولونيالية والدول الاستعمارية ونظرياتها حاولت أن تقضي على فكرة الكيان الفلسطيني والهوية الفلسطينية الوطنية وليس عكس ذلك.
ويعتبر مصالحة أن نظرية القومية العربية، شأنها شأن نظريات القوميات الأوروبية والتركية والإيرانية والآسيوية الأخرى معظمها نشأت في نهاية القرن التاسع عشر كجزء من التفكير النهضوي الساعي إلى علمنة التفكير الديني، وأن الدول الأوروبية الكولونيالية ساهمت في نشر الهوية القومية العربية في المنطقة على حساب الهوية الدينية في الأمة الإسلامية، ولكنها طمست (إلى حد ما) خلال ذلك الهوية الوطنية الفلسطينية. ويؤكد أن اسم فلسطين في السرد التاريخي، ومفهوم فلسطين ككيان إستُخدما منذ العصر البرونزي (منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة). ويحاول المؤلف الإشارة (بعد البحث المعمق) إلى كيفية إستخدام هذا الاسم وذلك المفهوم. كما يطرح ضرورة تغيير كتب التاريخ والبرامج الجامعية والمدرسية للأخذ بهذه الوقائع إلى درجة أكبر بدلاً من الارتكاز على المراجع والكتب المتأثرة بشكل مبالغ فيه بالمصادر الدينية، كالعهد القديم في الأنجيل المسيحي الذي ترتكز عليه حكومات إسرائيل المتعاقبة في إثبات ملكيتها لإرض فلسطين وحقها في الاستيطان في الأراضي الفلسطينية بالإضافة إلى ارتكازها أيضاً على التلمود اليهودي في ممارساتها.
ويوضح مصالحة أن المفكر الراحل أدوارد سعيد في كتابه الشهير “الاستشراق” نبه إلى خطورة مثل هذا الاستخدام للمراجع والكتب الدينية (وخصوصاً العهد القديم في الأنجيل) من أجل تبرير الاحتلال والاستيطان في فلسطين. ومثل هذا التوجه ما زال رائجاً (حسب مصالحة) لدى الذين تُطلقُ عليهم تسمية “الأنجيليين الصهاينة” في أمريكا وبعض بلدان أوروبا وأتباعهم في العالم وبعض حلفائهم في الشرق الأوسط. ويعتبر أن القادة البريطانيين الذين قدّموا “وعد بلفور” إلى اليهود تأثروا بمثل هذه الوقائع المحرّفة في بعض الكتب الدينية المسيحية واليهودية. ويستخدمها حالياً بعض المؤرخين الإسرائيليين الذين يعيدون تحريف كتابة التاريخ (ص 20). وهذه المراجع الدينية المحرّفة ساهمت في الإدعاء بأن فلسطين كانت أرضاً من دون شعب وتحولت إلى موطئ مُحقٍ للشعب اليهودي الصهيوني الذي إمتلكها أصلاً، وفي ذلك تبرير لمشاريع سياسية استعمارية مجحفة. وهذا (برأي الكاتب) هو توجه من باب الاختلاق والخرافة والخيال التصوري الافتراضي المتعمد. فليست الكتب الدينية المحرّفة هي التي تقرر واقع الجغرافيا والتاريخ ومصير الشعوب، حسب قوله، وبالامكان عبر البحث الأكاديمي العلمي إثبات أن اسم وهوية فلسطين تواجدا واستمرا على مَر العصور، حتى ولو استُثنيا في بعض المراجع (عمداً) في الدول الكولونيالية التي رغبت بمحو الشعب الفلسطيني وكيانه من الوجود وتنفيذ سياساتها الاستعمارية. ويؤكد مصالحة أن مؤسسي الكيان الإسرائيلي استخدموا الأنجيل المسيحي (العهد القديم منه) في الكثير من عملياتهم القمعية والاستيطانية. فقد أوعز أول رئيس حكومة للكيان الإسرائيلي ديفيد بن غوريون إلى جميع أعوانه المغتصبين الآتين من أصول أوروبية شرقية وروسية وأجنبية إلى إستبدال أسمائهم (أسماء عائلاتهم خصوصاً التي تفضحُ اصولهم الأوروبية والأجنبية) بأسماء بعضها مرتبط بالأنجيل. ويذكُر في الفصل العاشر من الكتاب (ص 347 إلى 354) عدداً من الأسماء التي تغيرت وخصوصاً بين القادة الأشكنازيين اليهود الإسرائيليين الأوروبيين. فديفيد بن غوريون كان اسمه ديفيد غرون، وموشيه شاريت (المولود في روسيا) كان اسمه موشيه شارقوك، وغولدا ماير كانت غولدا مالبوفيتش، وإسحق شامير كان إسحق جيزيرنيكي، وآرييل شارون كان آرييل شينرمان، وييعال آلون كان ييعال بيكوفيتس، وليفي اشكول (المولود في أوكرانيا) كان اسمه ليفي سكولنيك، وشمعون بيريز (المولود في بولندا) كان اسمه بيرسكي ومناحيم بيغين (مؤسس حزب الليكود) من أصل روسي وكان أسمه الأصلي ميزيسلو بييغون.
أما إسحق رابين (فمع انه ولد في فلسطين) فأصله أوكراني وأسمه السابق نيهيمايا روبيتسوف، وآبا ايبان كان السمه الأصلي أوبري سولومرن مئير أوبان (وولد في أفريقيا الجنوبية) وايهود باراك كان اسمه ايهود بروغ وهو من أصل روسي. أما بنيامين نتنياهو فهو أبن المؤرخ بنزيون ميليكاوسكي نتنياهو وهو بولندي هاجر إلى الولايات المتحدة حيث اعتنق صهيونية متطرفة ورثها إبنه. وعملت الحكومة الإسرائيلية الأولى في فلسطين المحتلة على تغيير أسماء المدن والبلدات والقرى العربية وعلى سلخ اسماءها العربية وفرض عليها أسماء يهودية، الكثير منها مستقاة من أسماء التلمود والأنجيل (العهد القديم). فبينما كانت القيادات السابقة للفلسطينيين من سائر الفئات الاجتماعية والدينية تتعايش مع بعضها خلال الحكم العثماني، وفي فترة أحتلت شخصيات من آل الخالدي وغيرهم مناصب بارزة في البرلمان العثماني وقدمت اعتراضاتها على تجاوزات وممارسات بعض المجموعات اليهودية الممهدة للاحتلال الصهيوني ولاقت تجاوباً منها، وفي وقت شنت خلاله المجموعات العربية بقيادة المفتي أمين الحسيني حملات لوقف بيع الأراضي الفلسطينية لمجموعات صهيونية، تواطأ ملاّكون غائبون عرب، على شاكلة التاجر اللبناني الياس سرسق (وغيره) في عمليات بيع الأراضي في منطقة “الفولة” الخصبة في فلسطين إلى “الصندوق القومي اليهودي” (في عام 1910) وشنت الصحف الفلسطينية حملة قوية ضد مثل هذه الممارسات مما مهد لنشوء حركة وطنية فلسطينية في العقود اللاحقة (ص 286). وتحولت التطلعات الفلسطينية (منذ ذلك الحين) نحو التحرر والاستقلال.
ولكن إنحياز رؤساء وزارات بريطانيين سابقين نحو الصهيونية كبنيامين دزرائيلي وديفيد لويد جورج ونستون تشرتشل الاستعماريين الدوافع ساهم في صدور “وعد بلفور” المشؤوم في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1917 الذي وضع الركيزة والأسس للممارسات الصهيونية الوحشية خلال نكبة 1948 ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالقوة وقتل وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وإنشاء كتل من المستوطنات الصهيونية في مكان المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، وهذا مشروع مستمر حتى الساعة وتدعمه وتموله قيادات الدول الاستعمارية الحالية!
Nur Masalha: “Palestine, A Four Thousand Year History”
Zed Books, London 2020
448 pages.