الفيلم الجزائري «أبو ليلى»… بطل وحيد اسمه «الجنون»

حجم الخط
0

لم يتح للجزائريين أكثر من خيارين قصد الخروج من عشرية الدم، في تسعينيات القرن الماضي: إما النسيان أو الجنون. آثر المخرج أمين سيدي بومدين الخيار الثاني في فيلمه الطويل الأول «أبو ليلى»، الذي بدأ عرضه قبل أيام في الصالات الفرنسية. جعل من الجنون «أملاً»، من أجل العبور من الموت إلى الحياة، استمسك برأي أوسكار وايلد: «الجنون هو الشيء الوحيد الذي لن نندم عليه». جرّ شخصياته إلى هوس وهلوسات واضطرابات نفسية، في مواجهة دموية الواقع الذي يعيشونه، شخصيات سوف تدرك في نهاية العمل أن سيرها ليست سوى سلسلة مطولة من الجنون، وأن الاستثناء في الجزائر من يعيش مكتمل العقل والقلب. يوحي إلينا المخرج في فيلمه أن من ينوي أن يفهم ما حصل في جزائر التسعينيات فعليه أن يلتمس أولاً نصيبه من لوثة الجنون.
تدور أحداث الفيلم عام 1994، تلك السنة التي اكتمل فيها نضج الوحش الإسلاموي، الذي سوف يغطي البلد بأكمله بالخوف والفزع، وينثر (الموت) بعدل على الجميع، بحيث أن كل جزائري بات يشعر بأنه الضحية المقبلة في سلسلة الاغتيالات أو التفجيرات أو المذابح، في تلك الظروف يُسافر الشرطي لطفي (إلياس سالم) مع صديق طفولته (سليمان بن واري) إلى الصحراء، بحثاً عن إرهابي يُطلق عليه اسم «أبو ليلى»، تسبب في اغتيالات، امتدت من الجزائر العاصمة إلى أقصى جنوب البلد، في تلك الصحراء الشاسعة كادت الشخصيتان أن تضيعا في بحثهما عن مجرم، وهناك يُعيد كل منهما اكتشاف صديقه، فتلك الرحلة اختصرت حياتهما، وسوف تكون سبباً في فراق بينهما، بعد أن يعثرا عمن بحثا عنه، ويكتشفا أيضاً أن هوسهما في الانتقام من إرهابي ـ بينما الجزائر تغوص في أنباء الاغتيالات كل يوم ـ قد حولهما إلى مجنونين.
في رحلتهما الشاقة في الصحراء، يصير «الشك» رفيقا لهما. يشكان في كل ما يحوم حولهما، يشكان في وجوه أشخاص يلتقونهما، لا يأتمنان غرباء ولا يطمئنان لأي عابر، ذلك الشك يجعلهما يتهمان كل من يُشبه (أبو ليلى) أنه الإرهابي الذي يبحثان عنه، كلما تقدما في رحلتهما زاد شكهما، كما لو أن الشك سبيلهما كي لا يفقدا الأمل في بلوغ الشخص الذي يودان القصاص منه. ذلك الشعور قاسمهما إياه شعب بأكمله، كانت الجزائر تفتح عينيها صباحاً وتغمصهما على «الشك»، حينذاك لم يكن يوجد يقين واحد، لا إيمان بأي شيء، كان التوجس جزءًا من الهوية الوطنية، هلع سكن قلوب الناس، يشكون في أي غريب وفي أي حركة مفاجئة، معتقدين أن خطر موت يدنو منهم في كل لحظة. لقد استطاع كاتب السيناريو ومخرج الفيلم أمين سيدي بومدين (1982) أن يذيب كل الأحاسيس المتناقضة فيما بينها، التي خيمت على الجزائريين، في الشخصيتين الرئيسيتين، حولهما إلى نموذجين صادقين عن مواطنين لا يشعرون بأدنى أمن في وطنهم.
«أبو ليلى» أشبه ما يكون بقصة فلسفية، في سيناريو جاء وفق كتابة حلزونية، حيث أن مشهد الافتتاح يصير مشهد الاختتام، مع مونتاج يستعجل، في بعض الأحيان، تقطيع المشاهد، متيحاً للمتابع تخيل أجزاء وأطراف حكايات سقطت من الفيلم عن قصد. يورط المخرج جمهوره في ملء فراغات، وفي ابتكار نهايات بعض الأحداث، يقذفه في مستنقع التسعينيات، مع ما رافقه من مجازر واغتيالات، كي يتكهن من هو القاتل ومن هو الضحية.

أراد أمين سيدي بومدين أن يخلط أنماطا مختلفة في فيلم واحد، حيث أن «أبو ليلى» يقتبس من أنواع مختلفة، فهو فيلم على الطريق، تطول فيه مشاهد سيارة الشخصيتين الرئيسيتين وهما يقطعان الصحراء، فيلم بوليسي سيكولوجي، يُقارب الحالات النفسية القلقة التي تسكن من يعيش حرباً، إنه فيلم سياسي أيضاً.

ونصل في النهاية إلى قناعة أن الجميع كانوا ضحايا، ومن ظن نفسه منتصراً كان هو أيضاً ضحية بشكل أو بآخر. لم يكن المخرج رحيماً بشخصياته، لم يُهادن المُشاهد أيضاً، بل استحضر تلك العشرية الدموية بكل أشباحها، تعامل مع وقائعها ببرودة دم، لم يجمل يوميات تلك الحقبة، وجازف بعرض مشاهد قتل وتقطيع جثث، مزجها بحالات بطله المضطربة، ربط بين القتل والجنون، وكيف أن الناس كانوا آنذاك يفرون من صور المأساة التي تتوالى أمام أعينهم بمحو ذاكرتهم، وبالتمرن على الجنون والنسيان، حتى صارت الجزائر بأكملها أشبه ما تكون بمستشفى مختلين عقلياً، على رأي إحدى الشخصيات، استعان كثيراً بالمجازات والرمزيات، مع أن المُشاهد قد يضيع قليلاً في الربع الأخير من الفيلم، من كثرة الخلط العمدي بين الواقعي والحالم، بين الحقيقة والكابوس، في لقطات يبدو أنها مستوحاة من فيلم «كابينة الدكتور كاليغاري»، لكن سرعان ما سوف يمسك بخيط الأحداث مجدداً، مدركاً أن ما عاشته تلك الشخصيات كان فعلاً كابوساً طال سنوات، وأن الحلم والحقيقة لا ينفصلان، فالجميع يحلم تجنباً لصدامات الواقع المتكررة.
أراد أمين سيدي بومدين أن يخلط أنماطا مختلفة في فيلم واحد، حيث أن «أبو ليلى» يقتبس من أنواع مختلفة، فهو فيلم على الطريق، تطول فيه مشاهد سيارة الشخصيتين الرئيسيتين وهما يقطعان الصحراء، فيلم بوليسي سيكولوجي، يُقارب الحالات النفسية القلقة التي تسكن من يعيش حرباً، إنه فيلم سياسي أيضاً، تتخلله أحاديث مذيعي الراديو عن الوضع العام في البلد، ومنذ البداية يُراهن على السوسبانس وعلى الرعب، إلى آخر مشهد فيه، كما إنه قلب المعادلة، فقد كانت مأساة التسعينيات تزداد وطأة كلما توجهنا شمالاً، بينما اختار المخرج أن يزيدها شدة كلما يممنا صوب الجنوب، ذلك الجنوب الكبير، الصحراء اللامنتهية، حيث شاع اعتقاد أنها نجت من سنوات الموت، تتحول في «أبو ليلى» إلى مسرح عبث، يبث فيها غيلاناً كي يحولوا حياة ساكنيها من خمول إلى جنائز. لعل من بين النقاط التي تلفت الانتباه أن جعل سيدي بومدين من فيلمه قصة رجال، انحاز إلى فرضية أن عشرية الدم في الجزائر تسبب فيها رجال، لذلك فقد كان حضور النساء باهتاً، في المقابل لم يصور «رجاله» في طغيانهم وشدة بأسهم، بل يعرض على المتفرج رجالاً جزائريين منكسرين، خائفين، مهزومين، رجالا يدمنون الشرب والتدخين لتخدير عقولهم بالنسيان والجنون، رجالا زادتهم تلك المأساة انحناء، وحولتهم إلى أطياف، لكنهم لا يفرطون في مواثيق الصداقة، يركضون من الصحراء إلى الساحل، لا غاية لهم سوى نجاة من الموت.

٭ كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية