فلما وقعت تفجيرات بيروت، هرعت كل المحطات التلفزيونية إلى هناك، لا فرق بين «الجزيرة» و«العربية» إلا القنوات التلفزيونية المصرية، وفي القلب منها قناة «النيل» للأخبار، حيث بدت كما لو كانت تبث ارسالها من كوكب المريخ، يقول الإماراتيون إنهم وصلوا إلى هناك، تصور؟!
يصعب على المرء فهم عدم النقل السريع من بيروت، كما فعلت القنوات التلفزيونية الأخرى، وهو تصرف كاشف عن أزمة العقل الذي يدير المحطة الإخبارية المصرية، فالإعلام في مصر تديره الأجهزة الأمنية، ولا أحد يجتهد في شيء حتى لا يقع في المحظور، حتى وإن كان نقل خبر كالذي حصل في لبنان، فلماذا لم تصدر جهة الاختصاص تعليماتها بالتغطية؟ وهل وصل الحال إلى درجة أن يتصرف المسؤول في كل قناة، على أن تغطية حدث كهذا من شأنه أن يغضب الآلهة الجدد؟!
بعد حركة الضباط في سنة 1952 عاشت الصحافة المصرية تحت الرقابة، فلا تكاد ترفع حتى تعود، وكان الذين عاصروا هذه المرحلة يتحدثون عن تدخل «الرقيب الجاهل» في ما لا يعرف، لكنهم رووا لنا أيضاً وقائع كثيرة ومحاولات لا تتوقف من قبل رؤساء التحرير للالتفاف على تعليمات هذا الجاهل الوافد إلى «صالات التحرير» في الصحف، والذي يبدو أنه لم يكن يستخدم عقله البتة، فقد حلت «بيادته» محله!
الشاهد هنا، أنه مع وجود الرقابة الصارمة، والرقيب الجاهل، الذي يتحرك بريبة في دور الصحف، ويتعامل على أن الصحافيين هؤلاء أعداء للوطن، شأنهم شان عموم المثقفين، فإن القيادات الصحافية لم تكن في حالة استسلام لهذه الحالة، مع انحيازهم كلية لعبد الناصر وتوجهاته، لكنهم في الوقت ذاته كانوا منحازين لمهنتهم، على العكس من الحاصل الآن، حيث يبدو الجميع في حالة استسلام تام للأوضاع الغريبة على الإعلام المصري، والتي لم تمر بها الأجيال الحالية من قبل، والتي دفعت إلى انتظار التعليمات المنقولة عبر هواتف «سامسونغ»، كما حدث في واحدة من القنوات التي قرأت فيها المذيعة الخبر المرسل ولم تنس أن تذكر أنه أرسل من هاتف سامسونغ، كما هو مكتوب على الشاشة أمامها، ليتحول الأمر إلى فضيحة تتغنى بها الركبان!
عساكر المراسلة
أعرف كيف نجحت جهة الاختصاص الأمني في إحكام قبضتها على الإعلام، لأنها اختارت قيادات ضعيفة، تقبل على نفسها القيام بدور «عساكر المراسلة»، الذين يقومون بخدمة الضباط، وليس لهم ولاء لمهنة لا يجيدونها، وهم دائماً في حالة انتظار لنزول الوحي، إعمالاً للقاعدة الانتهازية الخالدة «عش جباناً تمت مستوراً». وأعرف إن جهة الاختصاص، ربما كانت في انتظار تعليمات من جهات أعلى للاهتمام بخبر الانفجار الذي وقع في لبنان، وربما أنها ليست مشغولة بالأمر، لافتقاد القائمين عليها للحاسة الصحافية، لكن ما لا أعرفه هو الإحساس الذي وصل للقوم، وهم يشاهدون على عموم الشاشات الإخبارية هذا التفجير الكبير، بما في ذلك المحطات التلفزيونية اللبنانية نفسها، والحدث ليس مصرياً، فلم يحدث في سيناء، ليستدعي الأمر انتظار بيان المتحدث العسكري المصري!
قديماً كانت فلسفة عدم نقل بعض الأحداث الداخلية تقوم على ضرورة إخفاء الأمر على المواطن المصري، ولهذا كان يهرع المصريون إلى «هيئة الإذاعة البرلمانية» و«صوت أمريكا» لمعرفة ما يحدث في مصر، لكن هذه التفجيرات في لبنان، والمصريون لا يستلهمون المعلومة من القنوات المصرية، فالعالم صار قرية صغيرة فعلا، ورحم الله زماناً كنت فيه أقف على حجم انتشار قناة «الجزيرة» من النظر إلى أسطح المنازل في نافذة القطار عندما يقترب من أي مدينة في رحلتي لمسقط رأسي في صعيد مصر!
فما هي الأضرار التي يمكن أن تلحق بالأمن القومي المصري لو تم بث ما يحدث في بيروت؟!
إنه إعلام قرر بمحض إرادته الانتقال إلى المدينة الإعلامية الحرة في كوكب المريخ الشقيق!
محطة صفاء حجازي
لم يجد أهل الحكم في مصر ما يذكرونه كحيثيات لقرارهم المثير بإطلاق اسم المذيعة السابقة صفاء حجازي على محطة مترو أنفاق «الزمالك» إلا أن يستدعوا روح الرئيس الراحل أنور السادات.
فعندما أغلق المجال الجوي في وجه شاه إيران بعد الثورة، سمح السادات بطائرته بأن تهبط في المجال الجوي المصري، ليصبح ضيفاً على مصر، وهو ما تعرض الرئيس بسببه للهجوم من قبل المعارضة والجماعات الإسلامية، فهذا ديكتاتور حكم بلاده بالحديد والنار، ثم إن هناك ثورة شعبية قامت ضده، ولا يجوز لمصر أن تكون مكباً للديكتاتوريين، ولجأ السادات إلى حيلة يجيد استخدامها تماماً.
في خطابه بعد قراراته بالتحفظ على قرابة الألفي مصري من كل التيارات السياسية، تحدث عن الداعية المعروف الشيخ عبد الحميد كشك، وكيف أن النميري شكا له من أن الشيخ كان سيتسبب له في ثورة ضده في السودان، لأنه دعي لندوة في الخرطوم، وتعمد ألا يذهب لتطلق شائعة أن السلطات السودانية رفضت السماح له بالدخول، فتحدث مظاهرات عارمة ضد النميري، وعلق السادات على الواقعة، بأن الشيخ كشك لم يتوقف أمره على مصر، ولكنه يهدد الأمن في دول الجوار!
وقد ذكر لي الشيخ كشك رحمه الله، أن ناشر كتبه أحمد يحيى زاره في السجن وكان صديقاً للنميري، فعاتبه الشيخ لأن صديقه وشى به لدى السادات زوراً، فكانت المفاجأة أن أحمد يحيي فاتح النميري الذي قال له في دهشة، إن الواقعة جملة وتفصيلا لم تحدث ولم يشك للسادات أو يكلمه في أمر كهذا، وأنه فوجئ بما قاله منسوباً اليه.
للرد على الهجوم عليه في استقبال شاه إيران، قال السادات إن الرجل وقف مع مصر في حرب 1973 وأنه باستقباله كان يرد له الجميل، ولم يستطع أحد إلى الآن أن يثبت صحة هذا الدعم الإيراني لمصر!
فأولو الأمر منهم وعندما أعيتهم الحيل، قالوا إن صفاء حجازي وبصفتها رئيسة قطاع الأخبار في التلفزيون المصري تحملت بشجاعة إذاعة خبر الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وقد تهرب غيرها خوفاً من الإخوان. ولا نعرف بصراحة كم أعداد الذين حملوا أرواحهم على أيديهم في هذه الملحمة الوطنية الكبرى، واقترح إصدار قائمة بأسمائها، لأن هذا الأمر كان يُذكر للسيسي، ولم أكن أعلم أن صفاء تشاركه في هذه البطولة المطلقة!
والحقيقة، أن صفاء حجازي لم تكن رئيسة لقطاع الأخبار في هذه الفترة بل كان إبراهيم الصياد، ثم إن الإخوان لم يكونوا يخيفون أحداً، وقد سبق بيان الانقلاب بيانات أخرى صادرة من المجلس العسكري وبصوت السيسي، وأذاعها الصياد ليشاهدها الوزير الإخواني على الشاشة كأي مشاهد وكونه يعلم أنها بدون علم الرئيس فهذا يؤكد أنها تعبير عن انقلاب وشيك سيقع، يومئذ قلت أنا في مداخلة مع إحدى القنوات التلفزيونية إنه بيان حمال أوجه، وذلك من حيث الصياغة، لكن الحكم القائم وحده كان من المفروض أن يعلم أن له وجهاً واحداً وهو أنه السيسي لم يعد مع الرئيس محمد مرسي، لعدم التنسيق!
هذا فضلاً عن أن الانقلاب العسكري لم يكن خبراً في نشرة، ولكنه بيان في المشهد الذي رأيناه، وصاحب النقل لإذاعة خارجية هو الصياد، وليست صفاء حجازي، والتي إن كانت ليلتها في التلفزيون فهذا هو «الشيفت» الخاص بها، فالحديث عن اقدامها يستدعي ذكر اسم قارئ النشرة الذي خاف، وولى الدبر يوم التقى الجمعان ورفض أن يذيع الخبر لتحل محله صفاء حجازي!
أفلام كارتون، لتبرير هذا القرار المسخرة، بإطلاق اسم المذكورة على محطة المترو في منطقة تاريخية سكانها نجوم، وفنانون كبار، وكتاب، ومفكرون، وسياسيون، والعرف جرى أن تطلق أسماء المناطق على محطات المترو، أو أسماء تاريخية مثل السادات، وعبد الناصر، ومبارك ومحمد نجيب، وعرابي، وهي فقط أسماء الأشخاص الذين أطلقت أسماؤهم على محطات المترو في القاهرة.
لا بأس تبحثون عن بطل في التلفزيون في الليلة إياها.. سموها «محطة إبراهيم الصياد»!
أرض – جو
• عندما كنت أبحث عن اسم الفنان الذي قام بدور الرقيب عليش، في فيلم «الطريق إلى إيلات» والذي بكى وهو يقول: «عايز أعيش» وصفاً لحالة هذا المذيع أو المذيعة الذي خاف من قراءة خبر الانقلاب العسكري، اكتشفت أنه الفنان «هشام عبد الله»، المذيع الآن في قناة «الشرق» ولم يكن هذا اكتشافاً في حد ذاته، لكن ظهر لي في رحلة البحث هجوم عليه من قبل أحمد موسى، وزميله في العمل الفنان علاء مرسي، بل والمخرجة إنعام محمد علي، كما لو لم يكن هو الممثل الذي قام بالدور، ولكنه الرقيب عليش فعلا!
إن قوما يتصرفون بهذا الشكل ليس غريبا عليهم أن يصبح الفنان أحمد فلوكس هو «الشهيد» لدوره في فيلم «الممر» وعومل تلفزيونيا بهذه الصفة وليس بالدور، كما تعامل هو بذلك، وفي واقعة اعتدائه على أحد أفراد الأمن في مجمع سكني، ذكره بأنه الشهيد أحمد فلوكس.
الجنون فنون
• لولا قنوات تركيا «مكملين» و«الشرق» لأغلقت كثير من القنوات التلفزيونية في مصر، ولتم تسريح المئات من العاملين فيها.
• هل عادت منتهى الرمحي لشاشة «العربية» بعد قرار وقفها عن العمل لضحكها على تقرير مراسل الصحراء محمد العرب عن مطار مآرب، الذي شيدته السعودية طوبة طوبة وإن كان لا يُرى بالعين المجردة؟!
صحافي من مصر