التحقيق الدولي يعيد الانقسام بين 8 و14 آذار
بيروت-“القدس العربي”:”مصائب قوم عند قوم فوائد” فالعهد والحكومة في لبنان لم يصدّقا كيف فكّ الانفجار الهائل في مرفأ بيروت عزلتهما العربية والدولية، وهو أمر لم يكن وارداً لولا هذا الحدث الكبير الذي زلزل العاصمة اللبنانية. ولكن يخطئ العهد والحكومة ومن ورائهما حزب الله إذا إعتبروا أن فكّ الحصار هو بمثابة اعتراف بشرعيتهم، ولكن كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “هو موجود في لبنان ليس لدعم النظام بل للتضامن مع الشعب” ثم لتفادي انهيار لبنان بشكل كامل.
هذا التضامن سيظهّر اليوم الأحد بمؤتمر دولي في باريس لدعم لبنان بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية ودول عربية وأوروبية، وذلك بعد اتصال بين ماكرون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترتيب هذا المؤتمر وإتخاذ الخطوات اللازمة لدعم لبنان. ولم تتأكد الأخبار عن انعقاد جلسة لمجلس الأمن الدولي يوم غد الاثنين من أجل لبنان، علماً أنه في محاولة لايصال صوت الناس والمجتمع المدني وليس السلطة إلى الأمم المتحدة، تمّ توقيع كتاب إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومجلس الأمن للمطالبة بما يلي: إجراء تحقيق دولي مهني مستقل وشفاف بإنفجار بيروت والبحث في أسباب الانفجار وتحميل المسؤولية، إنشاء صندوق دولي وتشكيل حكومة مستقلة بصلاحيات استثنائية تحظى بدعم الشعب اللبناني وقادرة على التعامل مع الأزمات المستمرة.
وبات واضحاً أن طلب التحقيق الدولي والذهاب أبعد من ذلك إلى حدّ تدويل الأزمة اللبنانية هو محل خلاف في الداخل، بين فريقين: فريق 14 آذار وفي طليعته الرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب سامي الجميّل، وفريق 8 آذار وفي طليعته رئيس الجمهورية ميشال عون والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. وكأن الانقسام الذي حصل حول تشكيل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقيادات ثورة الأرز ما زال هو هو، عشية صدور حكم المحكمة الذي أرجئ من 7 آب/أغسطس الى 18 من الشهر الحالي.
وإذا كان التحقيق الدولي لن يعوّض الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي حلّت ببيروت، فإن الفريق المنادي بمشاركة خبراء دوليين في التحقيق ينطلق من شكوك في إنكار الوقائع وتجهيل الحقيقة وإخفائها في دهاليز السلطة واستبعاد فرضيات عمل عدواني أو هجوم إسرائيلي، ولاسيما بعد روايات الدولة ومحاولة استغباء الناس عبر الحديث بداية عن احتكاك كهربائي ناجم عن تلحيم ثم عن مفرقعات نارية والتعمية الواضحة على المواد الخطرة المخبّأة في عنابر المرفأ وتجهيل مسؤولية الدولة وحزب الله والأجهزة الأمنية والقضائية واهمالهم الفادح والتغطية على الموجودات في العنبر رقم 9 الذي يُشتبه بأنه يحتوي على ذخائر لحزب الله وأدّى انفجارها إلى تفجير العنبر رقم 12 الذي يحتوي على نترات الأمونيوم، وسقوط العديد من الضحايا وبينهم قتلى وجرحى من جمهور حزب الله.
في المقابل، يعتبر حزب الله أن البعض يلجأ إلى تعميق الجرح واطلاق الاتهامات السياسية بدل أن يفرض عليهم هول الكارثة الهدوء والتكاتف، وتصف مصادر الحزب الحديث عن وجود أسلحة في المرفأ بأنها خيال ووهم سياسي.
ويحاول المقرّبون من الحزب التقليل من أهمية الرهانات على العودة إلى مرحلة 2005 التي أدّت إلى خروج الجيش السوري من لبنان بعد ضغط دولي فرنسي، غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ويعتبرون أن الرئيس إيمانويل ماكرون ليس الرئيس جاك شيراك، والظروف اليوم تختلف عن ظروف عام 2005.
وإذا كان رئيس “كتلة نواب حزب الله” محمد رعد شارك في لقاء رؤساء الكتل النيابية والأحزاب مع الرئيس الفرنسي في قصر الصنوبر وصافحه الرئيس ماكرون رغم ورود اسمه على لائحة الإرهاب الأمريكية تعبيراً عن واقعية فرنسا في التعاطي مع الملف اللبناني، وإذا كان السيّد نصر الله رحّب بعد زيارة ماكرون بفكرة جلوس الجميع إلى طاولة واحدة وهو ما يقوله الحزب عندما يكون مأزوماً، إلا أنه بموازاة ذلك ترك الحزب العنان لإعلامه لتسخيف زيارة ماكرون الذي يعيش وهم عودة الانتداب على لبنان الذي صنعه الفرنسيون ولو برغبة من الداخل اللبناني. ورأى هؤلاء أن كل ما جاء به الرئيس الفرنسي هو دروس، وليس لديه سوى تكرار للشروط الغربية.
ولو أتى الرئيس الفرنسي على ذكر سلاح حزب الله كما يفعل الأمريكيون لكان حزب الله بدءاً بقيادته وصولاً إلى أصغر عنصر فيه شنّ حملة علنية شعواء على ماكرون وفرنسا، رافضاً “تدخّلها الوقح” في الشؤون اللبنانية الداخلية.
خلاصة القول، إن الرئيس الفرنسي نجح في جمع القيادات اللبنانية على اختلاف انتماءاتها السياسية والطائفية حيث فشل الرئيس اللبناني الذي فشلت دعواته إلى الحوار في قصر بعبدا. وفي انتظار عودته إلى بيروت في 1 ايلول/سبتمبر المقبل يُنتظر أن تتبلور الأفكار التي طرحها ماكرون أمام رؤساء الأحزاب والتي لم ترقَ إلى مرتبة مبادرة. وستكون الاقتراحات التي تمّ التداول فيها بدءاً ربط المساعدات بالإصلاحات، مروراً بإجراء انتخابات نيابية ومحاربة الفساد والتخلّص من منطق اللادولة والاستقواء بالسلاح، على أمل ألا يبقى لبنان أشبه بملعب كرة قدم يشهد صراعاً بين إيران وحلفائها من جهة وبين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى بحسب رؤية الرئيس الفرنسي.