رئيس الوزراء اللبناني حسّان دياب
بيروت- “القدس العربي”: بين 21 كانون الثاني/يناير 2020 و10 آب/أغسطس أقل من 7 أشهر أمضتها حكومة الرئيس حسّان دياب في مواجهة التحديات، وهو الاسم الذي اختارته لنفسها. ولم تكن عملية ولادة التشكيلة الحكومية سهلة على الرغم من أنها ضمّت وزراء من لون واحد بعد امتناع “تيار المستقبل” والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية عن المشاركة في الحكومة حيث استأثر رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر بمعظم الأسماء المسيحية واستأثر حزب الله والرئيس نبيه بري بالمقاعد الشيعية والرئيس دياب وسنّة 8 آذار/مارس بالمقاعد السنّية. ولولا تهديد “تيار المردة” بعدم المشاركة في الحكومة لكانت حصتّه اقتصرت على مقعد وزاري، في وقت اعتبرت تسمية الوزير دميانوس قطار بمثابة إرضاء لبكركي. أما التمثيل الدرزي فارتفع من وزير واحد إلى اثنين أحدهما مقرّب من الأمير طلال أرسلان والثاني غير بعيد عن النائب وليد جنبلاط في محاولة لكسب ودّه.
فور تأليف هذه الحكومة كان واضحاً أن فريق 14 آذار/مارس بمكوّناته كافة أعطوا فرصة لها لإثبات حضورها وجدّيتها وإنتاجيتها، وكذلك فعل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي لعلّ هذه الحكومة تتمكّن من إنجاز ما عجزت عنه حكومات الوحدة الوطنية بسبب التناقضات و”الفيتوات” المتبادلة. وعلى هذا الأساس، أمّنت هذه الكتل النصاب في جلسة الثقة في ظل تظاهرات غاضبة طوّقت المجلس النيابي ومداخله، وجاءت الأصوات التي منحت الثقة هزيلة وبلغت 63 نائباً. وخرج الرئيس دياب ليقول عن تشكيلته الوزارية: “هذه الحكومة هي السلطة التنفيذية لكنها حكومة غير مسيسة وإن كان لوزرائها هوى سياسي، إلا أنهم ينسجمون مع الإطار العام الذي وضعته من اليوم الأول للتكليف، هي حكومة اختصاصيين غير حزبيين، ولأننا كذلك فقد أخضعنا أنفسنا لمعمودية صعبة لنتمكن من حلّ معادلة معقدة”.
وبعدما تمّ التسويق لهذه الحكومة على أنها تضمّ وزراء تكنوقراط مستقلين، تبيّن مع مرور الوقت أن أغلبية الوزراء لم يكونوا سوى مستشارين وواجهات للقوى السياسية بدليل تلويح أكثر من تيار وحزب في بعض المحطات بسحب وزرائه، وهذا ما فعله رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية والرئيس نبيه بري عند استحقاق التعيينات، وما فعله جبران باسيل عند استبعاد معمل سلعاتا في البترون عن خطة الكهرباء والتفاوض مع الشركات العالمية، حيث بعث برسالة غير ودّية لحزب الله بأن الاقتصاد لا يمكنه التعايش مع السلاح، فأعاد الحزب النظر وتمّ انقلاب على قرار مجلس الوزراء في السراي الحكومي في جلسة عقدت في قصر بعبدا، وذلك تعبيراً عن استمرار المناكفات السياسية والمصالح الحزبية والطائفية.
وقد أدى التراجع عن قرار الحكومة إلى حديث الرئيس سعد الحريري عن انقلاب على صلاحيات رئاسة الحكومة، وعن دور فوق العادة تمارسه نائبة رئيس الحكومة زينة عكر من السراي الحكومي، وقوله: “إذا أرادوا وضع أحد في السرايا الحكومية فسنضع أحداً في قصر بعبدا”.
وفي مراجعة لعمل هذه الحكومة، فإن أول تحدٍّ واجهته كان تسديد سندات اليوروبوند حيث بقيت الحكومة تتخبّط في ماهية القرار الذي ستتخذه إلى حين انتهاء مهلة تسديد الديون قبل القرار بعدم الدفع، حيث كانت تتقاذفها المواقف المتناقضة بين مؤيّد للدفع لاعتبارات مرتبطة “بسُمعة” لبنان في الأسواق المالية العالمية وآخر يدعو إلى التخلّف عن سداد الدين شأننا شأن دول أخرى، من أجل ضمان الأمن الغذائي والاجتماعي للبلد من خلال المحافظة على ما تبقى من احتياطات أجنبية لدى مصرف لبنان.
ثاني التحديات كان وباء “كورونا” الذي يمكن القول إن الحكومة نجحت في مواجهته وتطويق تداعياته في المرحلة الأولى نتيجة الإسراع إلى إعلان حال التعبئة العامة وتعطيل المدارس والجامعات وغياب وسائل النقل العام. لكن هذا النجاح سرعان ما تحوّل إلى نكسة بعد فتح مطار بيروت أمام الرحلات الجوية الآتية من الخارج لنقل المغتربين اللبنانيين حيث عاد الفيروس للانتشار، وانتقل البد من حالة “لا داعي للهلع” إلى حالة “الهلع من الانتشار”.
ثالث التحدّيات كان محاولة إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قبل أن تواجه هذه الإرادة المدعومة من حزب الله والتيار الوطني الحر برفض البطريرك الماروني. وتلا ذلك إقرار الخطة الاقتصادية الإصلاحية التي قوبلت باعتراضات واتهامات بأن الأرقام متناقضة بينها وبين مصرف لبنان والمصارف من جهة وبينها وبين لجنة المال والموازنة النيابية من جهة أخرى ما جعل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تتعثّر. وترافق ذلك مع تهريب ملايين الدولارات إلى الخارج وفقدان السيولة في الداخل وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الذي وصل أحياناً إلى 10 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد.
رابع التحديات كان التعيينات المالية والإدارية التي أطاحت بكل الأسماء القريبة من خصوم الحكومة والتي تميّزت بالمحاصصة، ما جعل رؤساء الحكومات السابقين يخرجون عن صمتهم والدعوة إلى “التوقف عن تصفية الحسابات السياسية تحت عنوان محاربة الفساد”.
ومن التحدّيات التي شهدتها الحكومة، مسألة إطلاق المسؤول العسكري عن سجن الخيام في فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عامر فاخوري، حيث صدر قرار قضائي مفاجئ من المحكمة العسكرية بكفّ التعقّبات عنه وإطلاق سراحه، ونقله بطوافة عسكرية أمريكية من مقر السفارة الأمريكية في عوكر إلى قبرص ومنها إلى الولايات المتحدة ونفى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله علمه بأي صفقة.
وهذا الكباش بين السفارة الأمريكية وحزب الله استمر في ظل هذه الحكومة، وفي مقابل تصريحات السفيرة دوروثي شيا التي اتهمت الحزب بالإرهاب والسيطرة على قرار البلد، صدر قرار قضائي غير مسبوق عن قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح القريب من الثنائي الشيعي منع فيه وسائل الإعلام من استصراح سفيرة واشنطن لمدة سنة. هذا القرار لم تلتزم به المؤسسات الإعلامية ولا السفيرة شيا، وبدا أن السلطات اللبنانية دخلت في عملية تخبّط بين معتذر عن القرار من السفيرة ومطالب لوزير الخارجية باستدعاء السفيرة وتنبيهها لالتزام الأصول الدبلوماسية.
ومن العجائب التي شهدتها هذه الحكومة، إعلان رئيسها عن تحقيق 97 في المئة من الإنجازات، واستخدام الجيش والقوى الأمنية ضد المتظاهرين بعد حديث الرئيس دياب عن “مندسّين” وعن “أجندات غربية وغريبة” في التظاهرات.
وتخلّل ولاية هذه الحكومة حديث عن تعديل حكومي يطال عدداً من الوزراء، قبل أن يقدّم وزير الخارجية ناصيف حتّي ويقع الانفجار المدمّر في مرفأ بيروت وتتوالى الاستقالات الوزارية لتطال الحكومة برمّتها وفق ما طلب البطريرك الراعي الذي قرن مطلبه بإعلان الحياد.
يبقى أن رئيس الحكومة لم يراع الأصول الدبلوماسية في التعاطي مع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي حضر إلى بيروت وربط المساعدات بتطبيق الإصلاحات، ولولا الانفجار الزلزال في بيروت لكان الحصار العربي والدولي استمر حول هذه الحكومة والعهد اللذين لم يتمكنا من الحفاظ على العلاقات الجيدة مع الدول العربية والغربية، واستمرا في المكابرة فيما البلد ينهار. ولم يكن يعتقد أحد أن حسّان دياب سيغادر السراي بهذه السرعة خصوصاً أنه سبق وقال إن “لا بديل” عنه، من دون أن يقرأ ما كُتب على مدخل السراي: “لو دامت لغيرك لما آلت إليك”.