كيف خسرت تونس مكانتها في صدارة الدول المنتجة والمصدّرة للفوسفات؟

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”:يكاد يكون الفوسفات هو الرقم الصعب في المعادلة الاقتصادية التونسية، فهو الثروة التونسية الطبيعية الكامنة في جنوب البلاد في منطقة الحوض المنجمي بولاية قفصة وأيضا في الشمال الغربي حيث يوجد احتياطي كبير بولاية الكاف لم يقع استغلاله بعد وهو بمثابة المخزون الاستراتيجي. ولكن هذه الثروة باتت في السنوات الأخيرة عبئا يثقل كاهل البلد بسبب تكبد الشركة الوطنية التي تستغله لخسائر فادحة مع تعطل الإنتاج بسبب كثرة الاضرابات وارتفاع كتلة أجور العمال والموظفين بعد أن كان الفوسفات في الماضي القريب من أسباب ازدهار الاقتصاد التونسي وانتعاشه.

يشار إلى أن تونس التي كانت تحتل مراتب عالمية متقدمة في إنتاج هذه المادة الحيوية وكان منتوجها ذو جودة عالية مقارنة بغيره، باتت اليوم خارج التصنيف الدولي بسبب توقف الإنتاج، ففي أحيان كثيرة لا يجد المجمع الكيميائي التونسي الفوسفات الكافي لتحويله وهو ما يجعل البعض يفكر في الاستيراد من الخارج. فالمجمّع الذي يعتبر من مفاخر الاقتصاد الوطني لديه التزامات دولية عليه الإيفاء بها كلفه ذلك ما كلفه، حتى وإن اضطر لتصنيع الفوسفات المورد عوض المحلي.

اكتشاف استعماري

وتم اكتشاف الفوسفات في تونس زمن الاستعمار الفرنسي أواخر القرن التاسع عشر على يد طبيب بيطري يدعى فيليب توماس وذلك في منطقة بين جبل الثالجة ورأس العيون قرب المتلوي من ولاية قفصة. وتم إنشاء شركة فوسفات قفصة بعد سنتين من نشر توماس لأبحاثه وتم ربط منطقة الاستخراج الأولى في المتلوي بخط سكك حديدية مع ميناء صفاقس من أجل التصدير.

ومع بدايات القرن العشرين توسع الإنتاج ليشمل مناطق أخرى على غرار الرديف وأم العرايس والمظيلة من ولاية قفصة وبات الحديث عن “حوض منجمي” لا عن بعض المناجم المتناثرة هنا وهناك. كما دخلت منطقة القلعة الخصبة من ولاية الكاف أيضا طور الإنتاج في عشرينات القرن العشرين وتأسست الشركة الصناعية للحامض الفسفوري والكيميائيات في أواسط هذا القرن وتطور بذلك قطاع الفوسفات الذي بات يصنع هذه المادة الأولية.

تراجع غير مسبوق

 

لقد كانت شركة فوسفات قفصة إلى جانب مؤسسات عمومية أخرى من أهم أعمدة الاقتصاد التونسي ومفاخره وذلك بالنظر إلى رقم معاملاتها الهام ومداخيلها الهامة جدا من العملة الصعبة. لكنها اليوم وعلى غرار أغلب المؤسسات العمومية التونسية تواجه عديد المشاكل والصعوبات التي تعود إلى أسباب عديدة لعل أهمها كثرة الاضرابات المشار إليها بالإضافة إلى التشغيل الذي فاق طاقة استيعاب الشركة وتسبب في ارتفاع كتلة الأجور.

 وعن وضعية شركة فوسفات قفصة وأسباب تراجع إنتاجيتها يجيب معز الجودي الخبير الاقتصادي التونسي في حديثه لـ “القدس العربيّ” بالقول “عندما نقارن بين وضعنا اليوم وقبل سنة 2011 نجد ان تونس كانت من بين البلدان الخمسة الأوائل في العالم في إنتاج وتصدير الفوسفات، وكنا ننتج في عام 2010 مثلا حوالي 8 ملايين طن سنويا من الفوسفات، والربح الصافي لشركة الفوسفات هو مليار دولار تدخل لميزانية الدولة، وكان رقم المعاملات تقريبا 4 مليارات من الدنانير. لأن جل إنتاج الفوسفات يسير نحو التصدير”. ويضيف الجودي قائلا “لكن بعد الثورة تغيرت هذه المعادلة وتراجعت كثيرا النسب إلى مستويات متدنية غير مسبوقة إنتاجا وتصديرا، فعلى سبيل المثال خلال السنة الماضية والتي تعتبر الأكثر إنتاجية بعد سنة 2011 أنتجنا قرابة 3 ملايين طن من الفوسفات وفي الأعوام السابقة لم يكن الإنتاج يتجاوز المليون طن. ومن المتوقع أيضا ان يبلغ إنتاج الفوسفات هذا العام في أقصى تقدير حوالي مليوني طن في الوقت الذي بإمكان تونس ان تنتج فيه 8 ملايين طن وما فوق. وهو ما يعني أن هناك خسائر سنوية ما بين 6 إلى 7 مليون طن وهي خسائر من الإنتاج، وهذا أدى إلى فقدان زبائننا على الساحة الدولية لأنه لم يقع التجاوب مع طلباتهم، وهناك دول أخرى مثل المغرب احتلت مكانة جديدة وأخذت أجزاء من السوق التونسية بسبب البطء التونسي في الإنتاج ولأن زبائن تونس التقليديين لم يجدوا التزويد المناسب”.

اما عن أسباب ذلك فتعود أساسا إلى ظاهرة الاضرابات والاحتجاجات التي أدت إلى توقف إنتاج الفوسفات في فترات عديدة، خلال المرحلة الماضية، فجل شباب المنطقة يعتبرون ان التشغيل في هذه الشركة هو حق ومكسب وطني لهم حتى لو كانت الشركة غير قادرة على استيعاب اعداد إضافية من العمال. وأدت هذه الاحتجاجات إلى عرقلة عملية إنتاج ونقل الفوسفات. إضافة إلى ذلك يوضح الجودي ان هناك مشاكل في الشركة من حيث النفقات وكتلة الأجور وعدد العمال. فاليوم شركة فوسفات قفصة يشتغل بها 33 ألف عامل وهو رقم مهول في الوقت الذي تنتج فيه شركة فوسفات المغرب 30 مليون طن سنويا وعدد عمالها لا يتجاوز 21 ألف عامل. فالإنتاجية والنجاعة مفقودين والمردودية كذلك إضافة إلى الفساد المستشري في كل القطاعات وليس فقط في هذه الشركة. ويضيف “شركات البستنة التي تم تأسيسها كنوع من البطالة المقنعة وهي مهن غير موجودة ومزيفة ونوع من الانتدابات العشوائية، هي شكل من أشكال الفساد، كيف يتم إعطاء أجور لعمال وهميين؟ إنه سوء تصرف وحوكمة وفساد ومعضلة كبيرة “. بحسب محدثنا الذي يعتبر أن من أولويات حكومة المشيشي هو ان تهتم بملف الفوسفات المرتبط بالأمن القومي التونسي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية