التطبيع الثقافي والصمت والملل

من الصعب أن تعيش موقفين في حياتك، يتكرران بلا اختلاف، رغم مضي أربعين سنة بينهما. أتحدث عن التطبيع بين مصر وإسرائيل والخطوة الأخيرة لدولة الإمارات العربية. لقد عشت المرة الأولى في شبابي ونسيتها تقريبا، حين تمت اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 أثارت الاتفاقية الكثير من المعارضة في الشارع المصري والعربي. قاطع العالم العربي كله تقريبا مصر، وتم نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، ولم تعد إلى القاهرة إلا بعد سنين طويلة. وقتها كان حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي الذي كان يضم جماعات مختلفة من اليسار، معارضا بقوة لسياسة السادات، وكانت به لجنة تسمي لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية، كان من أبرز مهامها مواجهة الغزو الثقافي الإسرائيلي الذي بدأت بوادره في الأخبار عن حضور إسرائيل لمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1981.
هي أيام لا تُنسى، لم يكن أعضاء اللجنة جميعا من حزب التجمع، لكنها كانت لجنة جبهوية، وكنت من أعضائها ومن أعضاء الحزب وقتها، مع أول حضور لإسرائيل بدأت اللجنة في الرفض، وتم توزيع منشورات في المعرض نفسه ضد الوجود الإسرائيلي وتم القبض على بعض المثقفين منهم، لطيفة الزيات وفريدة النقاش وفتحية العسال وعواطف عبد الرحمن وأمينة رشيد وآخرون. كان وقتها وزير الثقافة هو يوسف السباعي، ورئيس هيئة الكتاب التي تشرف على إقامة المعرض هو الشاعر صلاح عبد الصبور، فصار الجانب الأكبر من المثقفين ضد صلاح عبد الصبور. انتهي الأمر للأسف في نهاية العام بوفاة صلاح عبد الصبور الذي كان يحضر حفلا في بيت الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بمناسبة عيد ميلاد ابنته وقال له رسام الكاريكاتير الفنان بهجت عثمان كلمته الشهيرة «لقد بعت نفسك بثمن بخس يا صلاح». أصابت صلاح عبد الصبور أزمة قلبية في الحال وفارق الحياة في المستشفى، ولم ينفع معه اعتذار بهجت عثمان حين داهمته الأزمة، ظلت إسرائيل تأتي إلى المعرض حتي عام 1985، وفي كل سنة يتكرر المشهد ويتكرر القبض على بعض المثقفين وهم يوزعون المنشورات، وفي يناير/كانون الثاني عام 1985 قبل المعرض بعدة أيام تم القبض على خمسة وعشرين كاتبا وسياسيا، وكنت منهم وكانت منهم أسماء كبشير السباعي وكمال خليل وحسني عبد الرحيم، وعبد الخالق فاروق ومحمد طه عليوة، والشعراء أحمد طه ومحمد سليمان وفتحي عبد الله وأحمد حسن وغيرهم.
كان واضحا من القبض المبكر على هذا العدد الكبير، هو محاولة التهدئة في المعرض، لكن الأمور لم تهدأ. صارت المعركة أكبر، وكان بيننا مصور وكاتب إسباني هو جوردي ستيفا مؤلف كتاب «عرب البحر» الذي ترجمه طلعت شاهين في ما بعد. جوردي ستيفا كان بعيدا عن المسألة تماما، وفقط هو صديقنا ويجلس معنا على مقهى البستان، وأعطى القبض عليه للمسألة بعدا عالميا، حين خرجت أخته في التلفزيون الإسباني وهاجمت النظام المصري، فرفعت صورنا في إسبانيا وأوروبا، كما وقف كتّاب العالم العربي موقفا عظيما معنا، ولم يطل الحبس فبعد شهر واحد تم الإفراج عن الجميع، وكنت أنا قد فزت بالإفراج قبل نهاية الشهر بأسبوع بقرار من النيابة، وحدث ذلك مع اثنين آخرين، للأسف لم أعد أذكر كل الأسماء، وليغفر لي كل من نسيت أو لم أذكر اسمه.

الأمر بين إسرائيل ومصر كان صاخبا لما تمثله مصر من ناحية، وأيضا لأنه كانت هناك حروب بين مصر وإسرائيل دفعت فيها مصر آلآلاف من الشهداء. دعك من الميديا وما نقرأه عليها من شتائم متبادلة، فهي ليست كل الحقيقة.

انفجرت بعدها في مصر قضايا من نوع الترجمة إلى العبرية، والترجمة من العبرية ولم يصل فيها المثقفون، لا المصريون ولا العرب إلى موقف نهائي. الإجماع أكثر على ترجمة الأدب العبري من باب أعرف عدوك، لكن الخلاف حول ترجمة الأدب العربي إلى العبرية ظل قائما. أذكر مرة في نهاية التسعينيات أنني في حوار صحافي قلت ليس هناك مشكلة في الترجمة إلى العبرية، المهم لا يتم التعامل مباشرة لكن عن طريق وكيل أدبي وكانت الجامعة الأمريكية هي وكيلي، وعلى وشك الاتفاق على ترجمة روايتي «لا أحد ينام في الإسكندرية» إلى العبرية، فقامت الدنيا ضدي من عدد من كتاب الستينيات فألغيت الترجمة. لكن أذكر أيضا أن من سبقني مثل محمد شكري شتم الجميع على طريقته الجميلة الرهيبة رحمه الله. المدهش أن كل من هاجموني قالوا بعد ذلك، أن الترجمة إلى العبرية ليست مشكلة، وكنت أنا متاكدا أنه ليس موضوعا سياسيا بالنسبة لهم، بقدر ما هو موضوع شخصي، فقد كنت مثل الصداع في رأس عدد من كتاب الستينيات لا أعرف لماذا. المهم خفت النقاش والصراع ولم تعد إسرائيل تساهم في معرض الكتاب، والحقيقة أن وجودها كان مثل عدمه، فلم يدخل أحد موقعها.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يبدو أن الدولة رأت في الأمر ضجة لا أهمية لها، وتوقفت عن دعوة إسرائيل. شيئا فشيئا خفت الحديث والنقاش في الأمر، وبدا قد دخل طي النسيان. ما أذكره منه هو انشغالنا الكبير بالأمر ذلك الوقت وانشغال العالم العربي.
الأمر سيتكرر الآن بعد ما أعلنته الإمارات عن التطبيع مع إسرائيل، وما هو متوقع من دول أخرى في الخليج، ولقد رأينا بوادره في من انسحب من الكتّاب من التقديم لجائزة الشيخ زايد للرواية. سوف تكون المسألة أوسع في الخلاف حين يصبح لإسرائيل موطئ قدم في معارض الكتاب في الخليج. ستكون القضية هي من يسافر وهل هو موافق على التطبيع، ومن لن يسافر محتجا على التطبيع، وأتصور أن برنامجا ما للتبادل الثقافي سيتسع بين الإمارات وإسرائيل، سيكون سببا في نقاش حاد. وهكذا سنجد أنفسنا في معركة قديمة لم يلتفت أحد إلى أنها حدثت من قبل وانتهت بالخفوت وغياب إسرائيل عن الفعاليات في مصر. الوضع يشي بأن المعارك ستشتعل، لكن لا أعتقد أنها ستكون بقوة اشتعالها في مصر، وكما حدث في مصر لا أعتقد أن من سيحضر معرضا للكتاب من خارج الإمارات فيه وجود لإسرائيل سيدخل المكان الإسرائيلي، اللهم إلا القليل من كتاّب الدولة الداعية، وفي الأغلب سيكونون مسؤولين فيها. رغم القدرة المادية عند الإمارات لا أعتقد أن التطبيع الثقافي سيكون متسعا، والسبب هو إسرائيل نفسها.
الأمر بين إسرائيل ومصر كان صاخبا لما تمثله مصر من ناحية، وأيضا لأنه كانت هناك حروب بين مصر وإسرائيل دفعت فيها مصر آلآلاف من الشهداء. دعك من الميديا وما نقرأه عليها من شتائم متبادلة، فهي ليست كل الحقيقة. لن يكون الأمر صاخبا، وفي الوقت نفسه لن يأتي بأي أثر على العلاقات الثقافية بين العرب وإسرائيل. ستظل الفجوة كبيرة بين العرب وإسرائيل. نحن نشاهد كل عام كتّابا يزورون الضفة الغربية أثناء معرض الكتاب، ورغم أنهم يحصلون على الموافقة بالدخول من الدولة الإسرائيلية فلم نسمع واحدا منهم يقول إن إسرائيل مهمة لنا، ولم نسمع أن واحدا منهم ترك رام الله وتجول في فلسطين المحتلة، لكن هذا لا يمنع من صخب كبير سيحدث، وإن كنت أعرف النهاية مقدما. إسرائيل ليست المرفأ لنا لأنها كل يوم تتوسع في الأرض الفلسطينية، وكل يوم تقتل وتسجن في الفلسطينيين. ومن ثم أنا على ثقة أن من سيُفشل التطبيع هي إسرائيل ذاتها، بما ترتكبه من جرائم ومهما وافق الحكام، فالشعوب لن توافق، وحين تعجز الشعوب عن الصراخ ستلتزم بالصمت والفرجة على النهاية المتوقعة. وهي فشل أي تقارب ثقافي. من الآن اتهيأ للصمت والملل. الفائز الوحيد هو ترامب الذي يتهيأ للانتخابات المقبلة بعد ثلاثة أشهر.

٭ روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية